حيوانية المسؤول


 
الصدى - حيوانية المسؤول

كلما نويت عدم الخوض في وحل السياسة، أجدني غارقاً في الحديث عنها من فروة رجلي حتى أخمص رأسي. يجرني أحياناً “مُضَرَّب” نسب، من الذين حجزوا كراسي “حفلة” سرقة البلاد، فصار كل كرسي منها ملكاً عُضَّ عليه بالنواجذ والأظلاف.

عملي يجبرني أن أتابع مجرى السياسة الآسن، وأخبار من يتحكمون بمصائر الناس، على الرغم من أني أكرههم “كبْر البحر وقَدّ الدني”، على حد قول الحبيبة فيروز.

قبل دقائق من مغادرة أصابعي “لوحة مفاتيح” جهازي المحمول، ميمماً وجهتي شطر “اليوتيوب” لأسمع شيئاً من مقام “عجم عشيران” ليوسف عمر، ساعياً لصفاءٍ روحي، وتحليق في سماء المتعة واللذة والنشوة على جناح الطرب الأصيل، قفز أمامي كالقرد أحد المحسوبين على السياسية، مطلاً بسحنته المسحونة، وبشرته المطحونة، “عابت كصته وسنونه”، إطلالة شحاذ خبير بترقيق القلوب، عبر بوابة “اليوتيوب” يحذر من شر اقترب، قاسماً بأيمان غليظة أن الناس ماضون نحو هاوية سحيقة.

أغلقت الكومبيوتر فزعاً مما قاله هذا الطارئ على السياسية، “اللاطش” على رقابنا. فتحت النافذة التي تطل على شارع مزدحم، الناس هنا يختلفون عن نظرائهم في بلدي، هنا لا يمشون ببطء، و”لا يتمشون”؛ بل هم في سباق مع الوقت، حتى جارتي، تلك المرأة الطاعنة في السن، تسير بخطوات متسارعة حين تنزل من شقتها لشراء حاجيات من المحال القريبة.

السياسيون هنا كذلك يختلفون، هم يتحدثون باختصار، لديهم عمل عليهم إنجازه فهناك من يحاسبهم، الإنجازات واضحة للعيان هي الأخرى، أما في بلادي فالكلام هو المهم أما العمل والإنجاز فهو كلام في كلام!

أحاول جاهداً أن أزيح صور وأصوات هؤلاء من مخيلتي، لكن للسياسيين أثراً لا يمحى من الذاكرة على ما يبدو، فكل خراب في بلدي هم صنَّاعه وأصحاب الامتياز فيه، وأي ذكرى أحملها لا تخلو من خراب؟!

ما علينا.. قرأت قبل أيام أبيات قصيدة أعجبتني، لا أعرف كاتبها، ولم أحفظ كلماتها، لكنها رائعة، هي قصيدة يابانية، وشاعرها بالتأكيد ياباني من جماعة “ميتسوبيشي”، وهي بحسب لفظ جارنا “حجي” عباس “مسبوشي”.

ألف رحمة على روحك حجي عباس أبو مهدي، كان يحب اليابانيين، وكان يقول عنهم: “حيل أوادم، بس لو شوية عيونهم وسيعة”، المهم، القصيدة بما معناه وبحسب ترجمة “كوكل” تقول: “أنت عين التي نامت، الوسادة تحكم البلد، لسانك مقص، الخراف جائعة، العشب لن ينبت، المطر أخذته لك”، انتهت القصيدة “والخطية بركبة كوكل”، لكن المعنى يحمل الكثير من الألم، هناك مخدة ورجل نائم، إن شاء الله نومة أهل الكهف، هو على ما يبدو من الظالمين، وإلا فلماذا يحرم الحيوانات من المطر الذي ينبت لها الزرع، ومن الواضح أن تلك الخراف هُم مجموعة من البشر، فلو كانت خرافاً بالمعنى الحقيقي لنالت من الدلال الكثير، لأنها ثروة، والحكام يحبون الثروة.

أعرف شخصاً من هؤلاء الذين أكرههم “كبر البحر وقد الدني”، يحب نوعاً من الحيوانات، ويربي مجموعة منها، لم يكن معروفاً إلا بين حيواناته و”شلة” من البشر قبل أن يستولي على اهتمام وسائل الإعلام والمال العام في ضربة حظ واحدة، ولما صار مشهوراً من مشاهير السيرك السياسي دلل حيواناته كثيراً، حتى إنه صار يستورد لها الأعلاف وعلاجات خاصة من خارج البلاد. هو يحرص كثيراً على أن تكون علاجات حيواناته من مناشئ عالمية رصينة، ولا يبالي حين يرى أبناء جلدته يموتون من جراء تعاطي أدوية تالفة، تستورد من مناشئ رديئة.

لا تعليقات

اترك رد