أَبْنَائِي التَّلَامِيذَ … أُوصِيكُمْ ثَلَاثًا


 

على مسافة شوق وخوف وتوقّع تركبون الطّريق إلى أحلامكم تتطلّعون إلى البكالوريا شارةٍ فيه تُعلمكم أنّ خُطوتَكم خُطوةٌ قاصدةٌ فأنتم إذن بعدها أوثقُ خطوا وأرحبُ أفقا، وأساتذتكم وأهلوكم وأصفياؤكم إليكم يَرْنون، وعلى أيديكم يشُدّون، وفي حاجاتكم يَسْعَوْنَ.

وعلى خطى من امتحان تجتازونه، وأنتم بين كتبكم وكرّاساتكم وملخّصاتكم ومنتخباتكم، وبين موادّ دراسيّة لعلّكم تَميلون إلى بعضها تأنسون إليها، وتُعرضون عن بعضها الآخر تنفرون منها؛ فهذه مادّة اختصاص لها خطرها وأثرها، وهذه مادّة ثانويّة قد يُستعاضُ عنها بغيرها، وذي مجال إظهار القدرة وَفْرٌ يُدّخَرُ، وتيك ثغرٌ مَخُوفٌ، اسألوا أنفسكم ماذا يريد منكم الامتحانُ وماذا تريدون منه؟ وإنّ فوزَكم رهينُ الإجابة عن هذين السّؤالين.

كان الأديب المصريّ توفيق الحكيم صاحب التّعادليّة قد سأل هذين السّؤالين فقال في كتابه “زهرة العمر”: “إنّ الامتحان يريد منّي عكس ما أريد أنا من القراءة. إنّي أقرأ لأنسى. والامتحان يريد منّي أن أقرأ لأتذكّر”

ولكنّ العصرَ غيرُ العصر. لقد مضى زمان تلقين العلوم والمعارف، وقد عزّت وعزّ أهلوها، يُختَبرُ حفظُها واسترجاعها وصرنا إلى زمان بناءِ المعارف وتوظيفها، وما عادت الامتحانات تريد منكم أن تتذكّروا بل لعلّها تدفعكم دفعا إلى أن تنسَوا. وليس النّسيان الّذي تدفعكم إليه الامتحانات والّذي يريده الحكيم من القراءة هو الّذي عرّفه الجرجاني بـ” الغفلة عن المعلومة”، والّذي اعتبره الأثرُ” آفةَ العلم”، والّذي رآه ابن القارح متسرّعا إلى أبينا آدمَ الانسانِ، إنّما هو مصفاة الذّاكرة فلا تحتفظ إلّا بالنّافع والجليل وذي المعنى، ذلك أنّها وظيفة معرفيّة قوامها القدرة على استقبال المعلومات وخزنها واستدعائها عند الحاجة في إطار معالجة المعلومة الّتي يقوم بها الدّماغ البشريّ.

النّسيان هو أن يكون درسُك ومطالعاتُك ومعلوماتٌ تصفّحتها في محاملَ من لوح أو ورق أو ضوء نسجَ فكركَ ولقاحَ عقلكَ ودليل خبرتكَ، هو أن تبدعها خلقا جديدا؛ فحالُك معها حالُ أبي نواس مع أبيات لم يأذن له خلف الأحمر في كتابة الشّعر حتّى يحفظَها ثمّ ينساها كأنْ لم يحفظها. وما نسيانُه إلّا المهارةُ اجتمعت لديه آلاتُها والكلامُ اتّسع له بابه. وهو ما أشار إليه عالم الفيزياء الألمانيّ ألبرت اينشتاين في قول له مأثور: “الثّقافة هي ما يبقى بعد أن تنسى كلّ ما تعلّمته في المدرسة” وهو ما ستدعوكم إليه الامتحانات الّتي ستقبلون عليها في مختلف أشكالها وموضوعاتها.

وإنّكم لم تقطعوا سبيل الدّرس تَصَّاعدون مراقيها فتبلغون هذه المرقاة الثّالثةَ عشرةَ إلّا شحذا لعقولكم وتهذيبا لنفوسكم وتخليصا لجواهركم. وتلك وظيفة الامتحان يمحنكم كما تُمْحَنُ الفضّةُ “إِذا صفيتها وخلّصتها بالنّار”

فما يريده الامتحان منكم عينُ ما تريدونه منه – أو ما ينبغي لكم أن تريدوه – أن يجلوَ فيكم مضاء العقل وسحر المهارة، وأن يُهديكم نجاحا أخذتم بأسبابه: غايةٍ لكم تجتمع لها قُواكم، مهارةٍ تختبرونها في أنفسكم، إيمانِكم بقدرتكم على الفعل… أسبابٍ عقدتم مُحْكَمَها سنواتِ درسكم تختلفون فيها إلى ألوان من العلوم والمعارف والفنون، وإلى ضروب من الرّياضات؛ رياضة العقل والرّوح والجسد، وتجترحون مهاراتٍ دأب أساتذتكم على الأخذ بأيديكم حتّى يَذِلّ لكم مُعتاصُها ويقرُبَ إليكم مُجْتناها، مهاراتِ الفهم والتّطبيق والتّحليل والتّأليف والتّقويم والصّوغ، مهاراتٍ تتّصل متعاضلة، تعْبُر الموادَّ على اختلافها ويصير بها التّعلّم إلى صَيّورِه أثرا باقيا.

وأنتم تستعدّون للجلوس للامتحان مجلسَه تحفّكم الصّحائف والمدوّنات والملخّصات والتّقييداتُ تقرأون وتراجعون وتُبدئون وتُعيدون، اعلموا أن لا حاجة لكم بفِكَرٍ تذكرونها يومذاك إذا لم تكونوا قادرين على توظيفها، وليست حاجتكم إلى الفكرة قدر حاجتكم إلى قوّة الفكرة. وما قوّتها إلّا السّياقُ الّذي ينتظمها، والمنهجُ الّذي يضعها موضعها من حركة الفكر ومن نسيج النّصّ، ومقامُ القول الّذي يصرّفها زوايا نظر وتصاريفَ صوغ.

واعلموا أنّ الفهمَ أساسُ الفكرة القويّة وعمادُ جميع المهارات، إذا تمّ لكم بعد التّحصيل والمدارسة، وبعد السّؤال والتّقصّي، وبعد الخطإ وتدبّره، وإذا أعان عليه العزمُ والشّغفُ مكّنكم من تبيّن ما دقّ من صلات بين المعارف على تباينها الظّاهر، وعلى الوقوف على القربى بين عائلات الموادّ. وفي ذلك سعةُ أفقٍ واتّساعٌ لباب القول وقِدْحٌ مُعَلَّى.

فإذا علمتم ذلك فإنّي أوصيكم ثلاثا:

* حرّروا المعلومات والأفكار والحقائق الثّاوية في كتبكم وكرّاساتكم من حيادها البارد وسياقاتها الميّتة وابعثوا فيها الحياة بجعلها جزءا من حركة الفكر النّاظر المتفحّص وهو يسائل ويبحث ويقلّب الأمر على وجوهه وينظر إليه من متعدّد الزّوايا فتُجرَى بها وفيها مهاراتُ الكتابة ويُمارَس التّفكيرُ المتبصِّر خطّا ومحوا، فعلا واستدراكا، بدءا وعودا فتغنموا تذكّرَها وحسنَ توظيفها معا مشتغلين على إشكالات مركزيّة نبّهكم إليها الدّرس وكانت مدار الاهتمام والتّفكير مع أساتذتكم. ولكم أن تستأنسوا في ذلك بموضوعات سبق اقتراحها في دورات سابقة أو كانت موضوع تعلّم وتدريب تتدبّرون أنواعها وسبلَ معالجتها، وترتاضون من خلالها على حصر المدوّنة مجالَ اهتمامكم، وعلى تخيّر ما تحتاجون من موارد، وعلى الاحتجاج للرّأي أو عليه، وعلى صوغ الخطاب المتّسق المنسجم المتماسك، فإذا بذلتم جهدَكم صادقين مع أنفسكم تصفّحتم مقاييس الإصلاح وهي مبذولة لكم في مظانّها أو عرضتم أعمالكم على أهل المشورة أساتذتِكم وبعضِ ذويكم فعرفتم مواطن النُّجْح تأنسون إليها، ومواطنَ التّقصير تجتنبونها حتّى إذا جلستم للامتحان مجلسَه لم تَعْدُ أسئلتُه أسئلةً كنتم تطارحتم، يُنكّرها عليكم سياق جديد أو أحبولُ كلام فَتَقَرَّوا التّضاعيفَ وتحَرَّوا مليّا يَهْدِكم عقلٌ كنتم شحذتم، وفطنةٌ كنتم أوْرَيتم.

* أقْبِلُوا على تصفّح مفردات برامجكم الدّراسيّة، وقد كانت لكم مُدّةُ الدّرسِ مجالا للتّوقّف والتّثبّت وللتّدقيق والتّحقيق، رُدّوا متفرّقها إلى الفكرة الجامعة، والمهارة العابرة تجدوها مشرعة إلى بعضها البعض تتنافذ متراسلةً فيكون ذلك داعيكم إلى ألّا تعوّلوا على موادَّ أو محاورَ تخصّونها بالدّرس وتُضْرِبوا صفحا عن أخرى فإنّكم لا تأمنون أن تُؤتَوا من حيث لم تتوقّعوا، وأن يفوتَكم فضلُ الإلمام بها وما أجلُّه!

* وإنّ الزّمانَ بعضُ الامتحان قَدِّرُوا أوقاته تقديرا وأحسنوا تصريفه. والرّيثَ الرّيثَ فلا تتسرّعوا فتزهدُوا في وقت لم يزل مبذولا فإنّكم إن لم تغنموا لحظاتِه غرِمتموها وقد فوّتُّم على أنفسكم فرصة المراجعة والتّعديل، ومنحةَ الإغناء والتّجويد فأنتم لا تعلمون متى يقدحُ الفكرةَ قادحٌ، ومتى تُرسِل الموهبةُ صَيِّبَها.

حُيّيتُم أحبّتي. توفيقا ونُجْحا.

المقال السابقمن يصنع مستقبلنا ؟!!
المقال التالىأصبعي ازرق
قصي المليّح. 15/07/1964 تطاوين شهادة اختتام الدّروس في اللّغة والآداب العربيّة بدار المعلّمين العليا بسوسة. سنة 1989 أستاذ أوّل منذ سنة 1996 النّجاح في مناظرة انتداب متفقّدي المدارس الإعداديّة والمعاهد الثّانويّة 2005 النّجاح في مرحلة تكوين متفقّدي المدارس والمعاهد الثّانويّة 2007 متفقّد أوّل ا....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد