العلاقة التبادلية بين المعلم والمتعلم ..

 

الإبداع يأتي أولاً ثم لاحقاً يتم الكشف عن الأبجدية والحروف
فمتى وكيف وبأي شكل صيغت حروفه حين شكلته ؟!! ..
المبدع لا يحتاج إلى تلك الحروف التي يقوده حدسه إليها أما المقلد فهو بحاجة دوماً إلى التعلم والتلقين لأنه أطّر نفسه بالخوف والتردد لم يستطع الخوض ولم يتمكن من فتح قناة اتصال مع ذاته وبالتالي مع عالمه المحيط . المبدعون هم القلة القليلة الذين يستسلمون ويسلمون أنفسهم لتلك الومضات السحرية التي تأتيهم من عوالم النور وحين يستعينون بأدوات مادية لترجمتها فهم لا يفعلون شيئاً سوى محاولات لنقل تجربتهم تلك إلى الوعي بينما يبقى المبدعون عند تلك الحدود الفاصلة بين عالمين وتبقى أعمالهم امتداداً ظاهراً لعوالم أكثر غنىً أرادوا أن يشاركوها معنا وحقيقة الأمر أن المبدع ما هو سوى متلقٍّ ومترجم لرسائل كونية وهو بهذا أشبه ما يكون بالرسول أو النبي تقوده قوى غيبية خارجة عن سيطرته قوى يمكن أن تشبهها بالومضات الإبداعية تلك التي تميز مابين الفنان والدهان واحد تلهمه السموات وآخر يقوده خبز الحياة في التشكيل أنا لا أستوعب ذلك الهجوم الذي يقوده الخوف والانغلاق وعدم القدرة على تقبل الجديد وأنا أفهم تلك الدراسة الساعية لأن تحلل بعمق ذاك المحرك الداخلي الذي يولد النمط فالفن كان ولا يزال تلخيصاً وخلاصة تتراوح مابين عالمين غير منفصلين داخلي وخارجي

 

وفي رد لي على عبارة كنت قد قرأتها مسبقاً كانت ولازالت صورةً مصغرة عن عالمنا وعن تلك الحروب التي نختلقها لعدم قدرتنا على تفهم الآخر(من كوارث التشكيل المعاصر أن يولد الفنان تجريدياً وأن يولد الخطاط فناناً حروفياً ) أقول :
إن أشكال الطفل الأولى و خربشاته ما هي سوى ملامح لعالم كان يعيشه قبل ولادته وإن المتعة المحضة هي قائده في تشكيل تلك الخربشات أما التعلم فيأتي عبر مراحل تلك الحياة ليأخذ منه ويعطيه في آن فيكتسب الطفل الذي صار شاباً المهنية وهي لا تتعدى أبجدية وضعت ليطابق عمله مواصفات ما تبعاً للمدرسة والنهج المتبع … والمتعلم بهذا المعنى يفقد تلك المتعة ليرتبط الدافع بحاجة السوق وبالذوق العام .. و بهذا المعنى أيضاً ليس من الضرورة أن يكون المعلم فناناً ليلقن تلك الحروف المبتورة و بهذا المعنى لن تخرج أكاديمياتنا أكثر من مقلدين وسيكون التعلم شكلاً من أشكال الإخصاء والإبعاد عن الطفولة والإقصاء ولن ينجو من تلك المقصلة إلا فنان لازال طفلاُ .. فكيف إن عرفنا أنه لا يمكن لفنان إلا أن يكون طفلاً .

كيف لنا أن نعالج الأمر إذاً .. بكل بساطة الأمر مرتبط بالعلاقة بين المعلم والمتعلم ومدى فهم كل منهما لتلك العملية التبادلية التي لا يمكن لها أن تتم إلا ضمن ظروف يسودها الحب وتسودها تلك الرغبة الملحة بالعطاء وفقاً لمفهومه الحقيقي الذي يقضي بأن يكون المعلم قادراٌ على فهم خصوصية طالبه وقادراً على الإبحار في عوالمه وقادراُ على التحاور معه والإشارة إلى جماليات في عمله يمكن لها أن تكون الركيزة والخيط الذي يقوده إلى أعمال أخرى .. يمكن للمعلم أيضاً أن يفسح المجال للتجريب فالتجريب هو الباب العريض المطل على حدائق غنية لانهاية لها وهو البحر الذي نتحبط به طويلاً لا هادي لنا سوى حدسنا وتصورنا المبدع الذي يقودنا إلى عوالم وجزر غنية كنا قد أضعناها وها هو المعلم يشير إليها وإلى مكامن الجمال فينا لنستعيد الحالة ونظهر روعة ما فينا .. رحلة البحث هي المخاض ولحظة الكشف هي الولادة الأولى لعمل كون أبجديته وأضاف إلى أبجدية الفن حرفاً جديداً .. استطاع بيكاسو أن يحتل جزيرة كاملة حين تنقل من تجربة إلى أخرى ومن مرحلة إلى أخرى وحين أغنى تجاربه اللاحقة بخلاصة تفيدها من السابقة
على المعلم أن يخلق بداخل المتعلم تلك الرغبة الملحة حين يساعده على نسف كل ما تعلمه ثم البدء من جديد وحين يكشف له أن التمرد هو طبيعة ملازمة للإبداع وأن الإبداع لا حدود له ولا يمكن أن تؤطره لوحة أو فرشاة فالعالم كله ملك يدينا … نحن على الطريق .. واللوحة الأكثر إبداعاً .. هي تلك التي لم يرسمها أحد .. ولم نرسمها كلينا .

لا تعليقات

اترك رد