المُجرّب سوف يُجرّب


 

(المجرّب لا يجرّب)، حكمة منطقية وفطرية أزلية تلازمت مع الإنسان منذ بوادر العقل الاولى التي بدأ يحكّم فيها المنطق والعقل للتمييز بين المواقف والأشياء لتفادي شرور السيء منها، لكن هذه الحكمة تبقى كأخواتها من التوصلات التي حرفها العقل البشري المشيطن عن مسارها وغايتها التي وجدت من أجلها؛ ليستفيد منها في مجال استمرارية الشر بدلا من أن يستخدمها لتكون عونا له في التخلص منه.
باتت هذه الحكمة حديث الناس بعد أن أعيد التذكير بها من قبل المرجعية وصياغتها بصورة (فتوى) كي تكون أشد وقعا على الناس من كونها حكمة ، فهل ستجدي نفعا حقيقيا وتحقق تغييرا جذريا في ظل الانقسام الواضح (الطائفي والعرقي والانتمائي الحزبي) في توجهات وميول الشارع العراقي ؟
لاشك بأنَّ التوجّه الوطني البَحْتْ ـــ المنقذ الوحيد من آتون الانقسامات ـــ قد غُيِّب َ عنه غالبية العراقيين وبغيابه حل محلّه التوجّه الفوضوي المتخبط فباتت المصالح النفعية الفردية والحزبية والعشائرية والمناطقية هي المتحكمة بتوجّه تفكير الأغلبية (وبالخصوص العامة منهم) .
وبهذا الانقسام تكون مقولة المجرّب لا يجرّب مؤثرة تأثيرا ً كبيرا ً في شريحتين فقط من الشرائح منقسمة التوجهات تلك ، الشريحة الأولى : تلك التي لم يتغيّر توجه تفكيرها الوطني الخالص حيث بقيت محافظة على عقلانيتها بالتفكير، ومعيارها بالتمييز هو انقاذ العراق مما هو فيه، أما الشريحة الثانية: فهم مقلدو المرجعية التي أصدرت هذه الفتوى من المخلصين لها والذين يأتمرون بأوامرها دون تردد، وهؤلاء بنسبة معينة من الشيعة حصرا لهم تأثيرهم النسبي.
أما الشرائح المتبقية صاحبة التفكير الولائي والنفعي فستكون لديهم حكمة (المجرب سوف يجرّب ) هي معيارهم الرئيس في توجههم باختيار قادتهم ممّن كان مفيدا ً لهم بتجربته السابقة بغض النظر أن كان متسببا ً باستنزاف شباب وأموال العراق وأعمارٍ ذهبت هباءً .
إن المتتبع لدور الذين حكموا بعد الإحتلال وما وصلوا اليه من فشل واضح من تقديم الخدمات للشعب والذي يعتبر نجاحا من وجهة نظر الأمريكان في تطبيق الخارطة المشؤومة التي رسمت لهم (الديمقراطية الشكلية) التي وصل في ظلِها الفساد بأبشع صوره وفاق ممّا كان حتى في العهد العثماني؛
يجد تكرار تجربة الفشل مع نفس الوجوه وتجريب قدرتهم على الإفساد والفشل وبدعم خارجي واضح بسبب نجاحهم في الفشل المقصود وإفشاء الفساد ، وسيجربون طالما استمر ولائهم بتنفيذ كل ما يعيد العراقي الى عصر الظلام.
لذلك وبتورط العديد من السياسيين بالفساد وبإلتفاف العديد من الطفيلييين تحت عباءتهم سوف نرى على الساحة نفس الوجوه التي ابتلعت أموال العراق حتى وإن أفرزت لنا الديمقراطية الشكلية من خلال مسرحية الانتخابات بعضا من الوجوه الجديدة والشرفاء منهم ( غير المؤثرين ) مقارنة ً بقوّة وشراسة الحيتان المدعومة من مخابرات ودول أقليمية وأوربية ، لأنّ هذه الدول تؤمن بأنًّ المجرّب لا بد أن يستمر تجريبه طالما كان ممّن قدم ولاءه لهم بإيصال العراق إلى ماهو عليه من تأخر في البناء والدولة وتقدّم في مستويات ألامية والفساد.

لا تعليقات

اترك رد