حدث غدا

 

ألدوس هكسلي في الفلسفة والفكر الغربيين علم في رأسه نار لأنه مع قلة من الفلاسفة والمفكرين والروائيين أمثال جون شتاينبك وري برادبيري من كتب تاريخ المستقبل بأحرف من نور وكأنه يتنبأ بالزمن القادم . هناك من يقول عن ألدوس هكسلي أنه أديب أخطأ طريقه إلى الفلسفة وهناك من يلقبه الفيلسوف الصوفي الذي أخطأ طريقه إلى الأدب . في واقع الأمر تنقل ألدوس هكسلي بين الشعر والأدب والفلسفة والسياسة وانتقل من الشك اللامعقول إلى الصوفية التي تمتزج بدون تردد مع البوذية والكونفوشيوسية . يعد التراث الفكري لألدوس هكسلي من التراث الفكري العالمي فقد كتب العديد من الكتب والدراسات والروايات والدواوين الشعرية ومن بينها يمكن أن نذكر ديوان هزيمة الشباب (1918 ) والمكسيكي الصغير ( 1924) وفي الطريق ( 1924-1925 ) والغاية والوسيلة ( 1937) والفلسفة الخالدة (1946) حيث تأمل أسرار الكون الواسع خاصة وأنه صاحب الشطحات الكبرى في الخيال .

في عام 1932 حاول ألدوس هكسلي أن يكتب تاريخ المستقبل وأن يكتب تاريخ المجهول الأتي . لم يكن الحاسوب معروفا في ذلك الوقت ولم تكن صناعة المعلومات قد عرفت ولا الهندسة الوراثية ولا اكتشافات العلم الحديث . كان ألدوس هكسلي يتحسس المستقبل بحدسه وفكرته التأملية ويتلمس طريق العلم والمستقبل القادم ببصيرته الثاقبة ، وقد تجاوز هكسلي أقرانه في التخيل العلمي لنجد أن الروائي أورويل أو برادبيري قد كتبا عن اكتشافات حدثت بعد أربعين عاما في حين أن هكسلي توقف في تأريخه المستقبلي عند مستقبل الإنسان عام 2500 بعد الميلاد .

التنبؤ بالمستقبل موهبة يتقنها قليلون فمثلا نجد دافنتشي يتنبأ بالطائرة والدبابة والغواصة وحلم الناس بالصعود للقمر والوصول إلى النجوم البعيدة المتناهية الصغر . دخل ألدوس هكسلي باب التنبؤ بالمستقبل وغامر فيه في روايته

الشهيرة ” أروع العوالم ” (1932) خاصة وأنها تروي أحداثا تجري بعد خمسمئة عام من تاريخ كتابتها . وقد عرض فيها لإنسان غريب أشبه بالحاسوب يمكن برمجته وفق تقنيات وبرامج معلومة مسبقا كما تحدث عن البرمجة و حفظ المعلومات والتكييف وتحدث عن ولادة الإنسان في أنبوب الاختبار في المختبر بعد أن تم إلغاء الأرحام وتابعه من لحظة ولادته حتى ساعة وفاته (رغم أنه تحفظ على فكرة الموت ) ثم ينتقل هكسلي ليروي لنا أحداثا رافقت الإنسان من ولادته وعرض مراحل تدريبه وتنظيمه وارتكاساته ونكساته وعاداته وتقدمة وتعلمه وطرق نقل المعلومات من شخص لآخر . وذكر شيئا عن العقلانية المطلقة التي تسود حياة المستقبل المليئة بالأرقام والبعيدة عن العواطف والانفعالات إذ يتحول الإنسان إلى مجموعة من الأرقام والبرمجيات والأجهزة والآلات يتركها تتحكم به وبمستقبله وتقسمه إلى بيئات مختلفة وطبقات واضحة .

ربما كان هناك من سبق ألدوس هكسلي في دراسة أنماط السلوك البشري بدءا من أفلاطون إلى الفارابي إلى ابن خلدون . كل هؤلاء الفلاسفة اعتبروا أن سيطرة العقل على حياة الانسان بشكل مطلق تميته وتسحقه وتجمده وتدخله عالما بائسا يحفه الصقيع والمادية والأرقام .

رأى هكسلي أن العالم في عام 2500 بعد الميلاد عالم متحد في قرية كونية صغيرة تحكمه فئة متسلطة من الناس خاضعة لسلطة فورد يتخذه الناس إلها يعبدونه . يعيشون في مجتمع يسوده المتناقضات والمغالاة في الإنتاج والمغالاة في الاستهلاك تستعبده الأجهزة التقنية والتكنولوجيا وتسيطر على حياته والدولة ترفع شعارها الأزلي ” جماعية تماثلية أرستقراطية ” . “أروع العوالم” تروي حكاية الإنسان الذي يسعى للوصول إلى العوالم المثالية .

ويسعى القائمون على الدولة في عوالم ألدوس هكسلي إلى استثمار كل شيء في سبيل خدمة مصالحهم فيهتمون بعلم الوراثة والهندسة الوراثية وينتجون بشرا في الأنابيب وقوارير المختبرات وفق أهوائهم بمواصفات يريدها هؤلاء القادة تتناسب مع التطلعات المستقبلية لمن يقود الدولة والمجتمع وبما يتناسب مع المهن والوظائف المستقبلية ويتدخلون في تصميم البشر في القوارير بعمليات خاصة متناهية الدقة والصغر عبر الأكسجة والأشعة وسلسلة من العمليات الفيزيائية والكيميائية المعقدة في سبيل إنتاج نوع من البشر في

المختبرات بما يتناسب وحاجات المجتمع البشري المستقبلية . وتطرق إلى إمكانية زرع خلايا من أدمغة البشر لخلق جيل من العباقرة يعيشون في جو من الرضى المطلق بالواقع ويتم ذلك عبر التحكم في الوراثة وعبر التأهيل والتدريب المسبق لتهيئتهم لأعمال محددة يقومون بها .

ترى كيف سيكون حال الشرق الأوسط الذي نعيش فيه في ظل هذا الفيض من الجنون والتناحر والاختلاف على لون الإله وشكله وذوقه وطريقة عبادته ؟ كيف سيكون مستقبلنا المشترك بعد 500 عام ؟ وكيف سيكون قبولنا للعيش المشترك ؟ كيف سنُحِبُ وكيف سنُحَبُ في عصر المعلومات الرقمية ؟

الجواب : لا أدري لكن ظلال المستقبل واضحة في سلوكياتنا اليومية وهي بكل تأكيد ليست على ما يرام ولا تبشر بالخير .

ألدوس هكسلي وبعد مرور ست وثمانين عاما على كتابة هذه الرواية المدهشة “أروع العوالم” يبدو جزءا من المستقبل وكأنه يكتب ” حدث غدا ” أو أنه كمن يكتب وصية للأجيال القادمة تسير على هديها في فلسفة قابلة للقياس . لقد أراد هكسلي أن ينتقد القيم المادية للمجتمع الغربي فكتب تاريخه وتاريخ العالم وأراد أن يكون واثقا من نهاية عوالم الغد من خلال التنبؤ بما سيكون من خلال ما هو كائن . لقد أراد أن يشير إلى الطريق المسدود الذي يسير فيه الإنسان وأراد أن يقول لما جميعا ” الإنسان لا يكون إنسانا ما لم يتمتع بحريته بل بكامل حريته “

لا تعليقات

اترك رد