الأنساب والعرب

 

علم الأنساب علم يهتم بمعرفة النسب والنسل والسلالات وهو من أجل العلوم وأعرقها وأصعبها فيحتاج إلى الكثير من الصبر والتدقيق، ودراسة الأنساب من الإهتمامات الأساسية للعرب، وتميزوا بهذا العلم عن باقي الأمم، فكان العرب حفاظين لأنسابهم راوين لها في جاهليتهم، مسجلين لها في إسلامهم، فكل واحد منهم يحفظ نسبه إلى عدنان أو إلى قحطان أو إلى آدم عليه السلام.

ففي الجاهلية تفاخر العرب بأحسابهم وأنسابهم على الأعاجم (غير العرب)، وكانوا يصغون ذلك في أشعارهم، ورفضوا ان يزوجوا بناتهم للأعاجم، فروى المؤرخون ان النعمان بن المنذر ملك الحيرة رفض مصاهرة كسرى أبرويز ملك الفرس عندما خطب ابنته وكانت تدعى هند وتُعرف بالحرقة، رغم أنه أحد ولاة كسرى ومن الخاضعين لسلطانه، فغضب كسرى عليه ودعاه إلى

المدائن وحبسه حتى مات بالطاعون عام ٦١٨م، وقيل انه سوى معالم جسمه بالتراب بعد أن ألقاه للفيلة فوطئته بأقدامها.

وكان الملك النعمان قد أودع أهله عند هانئ بن مسعود سيد بني شيبان احدى بُطُون بكر بن وائل، قبل أن يسير إلى كسرى، وكان هانئ عزيزاً رفض طلب كسرى أن يرسل له أمانة النعمان فلم يرضخ للتهديد ، ليرسل كسرى جيشاً كبيراً لكسر شوكة العرب، فنفر العرب دفاعاً عن أعرافهم وعاداتهم، والتقى الجمعان فثبت بنو شيبان حتى انتصروا على الفرس انتصاراً كبيراً بموقعة “ذي قار” الشهيرة.

والإسلام اهتَمَّ بموضوع النسب اهتمامًا بالغًا، فرفض التفاخر بالأنساب، الناس سواسية كأسنان المشط ولا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى، فنسب الإنسان وهبي من الله ليس كسبيّاً، قال الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) (الحجرات:13(.

وحثنا نبينا المعصوم صلوات الله وسلامه عليه، على حفظ الأنساب، فعن أبي هُريرة رضي الله عنه – قال رسول الله صل الله عليه وسلم “تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منسأة في الأثر”، ومعنى الحديث اعرفوا اقاربكم من أجل صلة الرحم، وصلة الرحم هي التقرب منهم والرفق بهم ورعاية أحوالهم ومحبتهم أكثر من غيرهم لقرابتهم والإسراع لمساعدتهم عند الحاجة، فصلة الرحم سبب لتأخير الأجل وموجب لزيادة العمر.

وكان الخلفاء الراشدون من أعلم الناس بالأنساب، وفالخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان أعلم قرشيِّ بأنساب قريش، ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم شاعره الصحابي حسان بن ثابت رضي الله عنه أن يأخذ ما يحتاج إليه من أنساب قريش من سيدنا أبي بكر، وممن أخذ علم الأنساب عنه: جبير بن مطعم ، وحكيم بن حزام بن خويلد ابن اخي السيدة خديجة رضي الله عنهم أجمعين.

ولجأ المسلمون للنسب في تدوين الدواوين، فشكل الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجنة ثلاثية من عقيل بن أبي طاب ومخرمة بن نوفل وحكيم بن جبير رضي الله عنهم أجمعين، وكلفهم بوضع ثبت بأنساب العرب يقوم على أساسه الديوان، وبدأ ببني هاشم وهذا هو أول تدوين تاريخي للأنساب عند العرب، كما لجأوا إليه في ميادين القتال، فكلما حمي وطيس الحرب نودي في القوم “انتسبوا” ليستحي المرتد من الهزيمة التي تلحق عارها به وبذريته من بعده.

ومن أشهر النسابة في صدر الإسلام دغفل بن حنظلة الشيباني وهو من بني بكر بن وائل، الذي دعاه معاوية بن أبي سفيان فسأله عن العربية، وسأله عن أنساب الناس وسأله عن النجوم، فوجده عالماً كبيراً ، فقال له يا دغفل من أين حفظت هذا؟ … قال: بقلب عقول، ولسان سؤول، وآفة العلم النسيان.

وفيه يقول الجاحظ “لم يدرك الناس مثله لساناً وعلماً وحفظاً”…

ومن أمثال العرب: فلان أنسب من دغفل.

المقال السابقلاتخف .. افتح شبابيك قلبك
المقال التالىمملكة القمر، هل أنت مستعدة لشهر الرحمة والغفران؟
الدكتور عمر الشريف عمر محمد عبد العزيز الشريف، كاتب وباحث مصري يمارس البحث التاريخي بصورة حرة. من مواليد مدينة طنطا عام 1989م. حاصل على بكالوريوس الصيدلة الإكلينيكية من جامعة المنيا عام 2011، وله مقالات عدة نُشر بعضها بوكالة عرب نيوز الإخبارية وأهرام الدلتا، كما صدر له كتاب "أعلام منسية من أرض الغر....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد