قراءة في قصيدة لعصافيري أغني لسوزان بولص زعرور

 

تختار الشاعرة عنواناً “لعصافيري أغني”، وهذا العنوان بحد ذاته يحمل دلالات خاصة من حالة رومانسية وحالة وحدة، فالعصافير التي تغني والتي يغنى لها لا توجد إلا في الفضاء الطلق والغابة، فهنا نلمس شعوراً بالوحدة يوحي فيه العنوان، لكنها وحدة ليست كئيبة بدلالة الغناء للعصافير رغم مرور لحظات الحزن في القصيدة، وكأن الشاعرة ترمز في دلالتها إلى أحبة بعيدين تحلم بلقائهم، فتغني للعصافير لعلها تحمل الرسالة والأغنيات..

نلاحظ أن الشاعرة استخدمت في قصيدتها الجميلة أسلوب سرد القصة القصيرة في البناء، لكن بأسلوب شعري، فهي قسمت القصيدة إلى عدة مقاطع وكل مقطع فيها حمل لوحة رئيسة ولوحات فرعية..

في المقطع الأول واللوحة الأولى كانت الشاعرة تصف الحالة العامة التي تعتريها وتحيط بها، فتبدأ بوصف الطبيعة حتى تصل إلى وصف الذات والأوهام مروراً بالحلم المتمثل بوصف الاخضرار ومياه الجداول، لكن العقبات تقف في طريقها من خلال حجارة الواد التي تنخر قدميها وتعيق المسير نحو الحلم الجميل، لكن الحنين إلى الأمّ يلعب دوره في التخفيف من الألم رغم أن الأفق مسدود بأوهام تدمي الأنامل، وهذا التعبير ملفت للنظر، فالعادة أن الأوهام قد تدمي الروح والقلب، لكن هنا تمكنت الشاعرة من تطويع اللغة وصورت الأوهام كأشواك تدمي الأنامل:

بين اخضرارِ المنحدر وصفاء الجدول
ألهث خلف أحلام بنفسجية
تعثّر خطاي حجارة الوادي الناخرة
نسمات الريح تلتقطني
بدفء الأم تحتضنني
تساندني لأثبتّ الخطى
أنحني لأقبّل يدها
لا أرى سوى أوهام تدمي أناملي

في المقطع الثاني واللوحة الثانية، تنقلنا الشاعرة إلى لوحة أخرى فتصف فيها الحالة الحزينة التي تمر فيها، فنجد الشتاء هنا يغطي الأفق ويزيل زرقة الجداول، وتنسكب الأمطار بغزارة لتشارك الشاعرة دموعها، فهي حزينة وحيدة في طريق طال وفقدت أثره مع طول الطريق وبعدها.
وهنا نلاحظ الجمالية في عكس اللوحة بين المقطع الأول والمقطع الثاني، فتنقلنا من صورة الربيع والخضرة إلى الشتاء والكآبة والأمطار والدموع:

عتم الشتاء يكسو الأفق
يذيب زرقة الجدول
أمطارٌ تغسل وجهي
تشاطرني دمعي المنسكب
حزني.. وحدتي
عبر درب ضللت أثره
مشوار طال دهره

في المقطع الثالث نجد لوحة مميزة في الجمال، طيفاً يلاحق الشاعرة وكأنه ظلها دلالة على الالتصاق القوي والشديد، لكنه ليس ظلها، ومن المعروف والمتفق عليه أن الطيف خيال لشخص لا يفارق تلافيف الذاكرة ولا يبتعد عنها، وكأنه يعيش في داخل كيان الإنسان بدون ابتعاد وينـزرع في الروح والجسد، إلا أن الشاعرة هنا تحاول الاختباء من هذا الطيف الذي لا يفارقها بكل السبل والوسائل ولكن بدون جدوى، فهو منـزرع في خلاياها وروحها بدلالة أن خصلات من شعرها تزين هذا الطيف، فيتحول الطيف إلى عنوان للوجود دلالة على حجم الإلتصاق والإندغام:

طيف يلتصق بي كظلي
ظلٌ، لا يشبهني
من بصيص الشمس أتوارى
خلف كرمة اختبأ
أناشد عناقيد العنب السكارى،
ألا ظللي الظل
عساني لا أراه
ألتفت خائفة
أراها خصلات شعري تزين الظل
عنوان وجودي

لكن في اللوحة الرابعة نجد أن تأثير الطيف أصبح نافذة من بين الغيوم السوداء، تضيء الدرب وتطرب العصافير النائمة، والتي ألمس فيها خلجات القلب وخفقانه تستفيقها من أحلام المساء وتبللها ضحكات الفراشات، فترسم لنا الشاعرة لوحة من فرح وأمل وجمال:

نافذة من الضوء تطل بين الغيوم السوداء في الأفق
تضيء لي الدرب
تسائلني أنشودة تطرب عصافيري النائمة
تستفيقها من أحلام المساء
رهبة الدرب تخنق الكلمات
تبللها ضحكات الفراشات على كتفي
ألا أنشدي وأطربينا..

فترسم لنا لوحة معبقة بعطر الياسمين ،يتجلى الجمال والحب والأمل ..اللوحة الخامسة
ومرح الفراشات وغناء البلابل، وتفتح موسم الأمل والجمال والحب، فتغني لدرب كان مرسوماً كسراب، تغني لمواسم تتوسل المطر.. تغني:

عطر الياسمين يعزف الألحان
والفراشات تصفق بجناحيها
بلابل على الغصن مغناجة
تفتتح موسم الأمل
تغامزني لأغني مع الألحان
بحنجرة ترتجف أشدو
بصوت خائف أصدح
لدرب كسراب مرسوم
لمواسم تتوسل المطر
أغني…

وهكذا تنقلنا الشاعرة في قصيدة قصة أو قصة قصيدة بين الحلم والأمل والألم والانتظار والفرح، ممتلكة ناصية شعرية متينة وخيال شعري جميل، فتمتع وتتمتع وتدعنا نعيش اللحظة وترسم لنا اللوحة، حتى نصل إلى مرحلة نجمع فيها اللوحات مع بعضها البعض في مشهد “بانوراميّ” رائع، يأخذنا بين الشتاء والربيع والخريف والصيف.. تأخذنا إلىحيث الجمال.

**من كتاب فضاءات قزح للكاتب زياد جيوسي من منشورات دار فضاءات للنشر والتوزيع/ الأردن.

*سوزان بولص زعرور شاعرة فلسطينية من رام الله

1 تعليقك

  1. اشكر الاستاذ زيلد جيوسي على التعليق الادبي العميق وأشكر الشاعرة الفلسطينيه سوزان بولص زعرور على النص الشعري البديع ،لقد قراءته اكثر من مره لشده اعجابي بالنص وبالفكرة المميزة حيث التنقل بين الحلم الذي ترنو للوصول اليه الشاعرة رغم الصعاب وان طيفها هو نفسها التي تقودها لخطى النجاح والتفاوءل كما ان الأمل أعاد لها الفرح والبهجة ،،أتمنى لكم التوفيق الابدي ،

اترك رد