استلهام التراث العراقي و التجديد … في أعمال البلداوي


 

على الرغم من التاريخ الحضاري العميق الممتد إلي آلاف السنين في عراق سومر و بابل و آشور و ما تميزت به تلك الحضارات من إبداعات و فنون كان لها تأثير كبير في تاريخ الحركة التشكيلية العالمية ، و لا أعتقد أن هناك فناناً له بصمة واضحة لم يتأثر بتلك الإبداعات ذات التكوينات و التجريدات و الحلول العبقرية السابقة لزمانها … إلا أن الفن التشكيلي العراقي الحديث لم يُعرف و لم يؤرخ إلا في أوئل القرن العشرين من خلال مجموعة من الرسامين الهواه الذين درسوا الرسم في المدارس العسكرية العثمانية في تركيا حيث كان يُدرّس الرسم بعتباره أحد المناهج الأساسية ، و كان من هؤلاء الفنانين الفنان عبد القادر الرسام و أمين جروة و الحاج سليم وعاصم حافظ و شوكت الرسام و غيرهم ممن أتسمت أعمالهم بمحاكاة الطبيعة بشكل واقعي تقليدي يخلو غالباً من رؤية الفنان و فلسفته متأثرين بالأسلوب التركي في تلك الفترة أكثر من تأثرهم بالتراث العراقي ، و ورغم هذه البداية المتواضعة لا يمكن أن ننكر فضلهم و ريادتهم في وضع اللبنة الأولى في صرح النهضة الفنية العراقية التي كانت في قمة نضوجها في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي و التي ساعد على ظهورها ما قامت به وزارة المعارف العراقية بإرسال البعثات الأولى من الفنانين إلى أوروبا لدراسة الفن ، و كان من طلائع هؤلاء الفنانين أكرم شكري و فائق حسن و عطا صبري و حافظ الدوري و غيرهم وكانت البداية الحقيقية لمرحلة جديدة و هامة في تاريخ الفن العراقي الحديث بعد عودتهم من البعثات محملين بالأفكار و الرؤى الجديدة ، و تم تأسيس أول معهد للفنون سنة 1936 ليقوموا بالتدريس فيه و ينقلوا خبراتهم إلى الأجيال القادمة .
و بدأت تتكون الجماعات الفنية على غرار جماعات أوروبا ، و منها جماعة الرواد و جماعة بغداد للفن الحديث و جماعة الإنطباعيين .
و من هذا الجيل العظيم درس وتعلم الجيل الثالث الذي يُعد الفنان حسين البلداوي واحداً من أعمدته القوية في تأكيد الهوية العراقية و استلهام التراث برؤية جديدة و أسلوب معاصر .
نشأ الفنان حسين البلداوي في بغداد و حصل على بكالوريوس الفنون التشكيلية من أكاديمية الفنون الجميلة جامعة بغداد ..و تنوعت إبداعته لتشمل التصوير السينمائي و الديكورات و الجداريات و أغلفة الكتب و المجلات إلى جانب اللوحات الفنية ، فهو يمتلك أدواته الفنية و حسه العالي مع خبراته المختلفة الواضحة في لمساته الحية و ضربات فرشاته القوية و يوظفها بعناية في إيجاد حالة إبداعية متفردة …كما تتسم تجربته الفنية بالتجريد و الرمزية من خلال بعض العناصر ذات الإيحاء و المضمون الفلسفي مع التكوينات اللونية ذات الدلالات الكثيرة المعبرة عن فكره و وجدانه و التى يستلهمها أحياناً من التراث العربي متمثله في الزخارف الشرقية بألوانها المتعددة و أحياناً من روائع الفن العالمي ثم يقوم بتوزيعها في اللوحة في تناغم و رشاقة و هدوء و بساطة دون انفعال باستثناء جزء محدد في العمل الفني يختاره الفنان بعناية شديدة فيختصه متعمداً بلون شاذ أو بقعة أضاءة قوية ليقوم مقام المفاجأة و الصدمة وسط هذا الهدوء و هو ما يتميز به الفنان حسين البلداوي

شارك
المقال السابقديستوبيا..؟!!
المقال التالىهمسات وإرهاصات
خالد هنو رئيس مجلس إدارة مجموعة الثغر للثقافة والفنون ناقد وفنان تشكيلي ومحاضر في كليات الفنون الجميلة و المتاحف و المراكز الثقافية تخرج في كلية الفنون الجميلة جامعة الاسكندرية حصل على دكتوراة في النقد الفني )Nicola Jacopoدرس فن الترميم على يد الفنان الايطالي نيكولا جاكوبو ( در....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد