الرسوم الجمركية سيف ترمب لتخفيض العجز التجاري مع العالم

 

أصاب العالم صدمة من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، بعد فترة طويلة من التغني بكلمات بديعة عن فوائد التكامل العالمي الحقيقي، الذي يعني تدفقات تجارية عابرة للحدود غير مقيدة على الإطلاق من السلع والعمالة والتكنولوجيا، لكنهم كانوا أقل ثقة بالتكامل المالي العالمي، ليس هذا فحسب بل إن أوربا تصرف للبقرة الواحدة دعم 3 دولارات يوميا التي تمنح المزارعين في الاتحاد الأوربي ميزة تنافسية، أيضا تعطي الولايات المتحدة مزارعي الصويا دعما يمنحهم ميزة تنافسية غير عادلة في السوق الصيني، ما جعل الصين تقوم بفرض تعريفة على 106 منتجا أميركيا من ضمنها الصويا أكثر الصادرات الزراعية الأميركية قيمة للصين.

وجاءت الرسوم التي فرضها ترمب جعلت الجميع يعيد النظر في الترويج الغربي عن فوائد التكامل إذا لم تكن فوائدها متساوية، خصوصا بعدما طالب ترمب صندوق النقد الدولي لعب دور أكبر في حماية التجارة، من يتأمل مسألة التجارة الحرة فعلى الرغم من مجمل فوائدها، فإن تأثيراتها التوزيعية المعاكسة لا يمكن إنكارها، ومن السهل تحديد من يقع عليه الضرر على سبيل المثال عمال الدول المتقدمة في الصناعات ذات القيمة المضافة المنخفضة مثل الصلب ستتضرر من الدول النامية القادرة على إنتاج وتصدير السلع المعدنية بثمن أرخص، لكن كانت تلك الدول راضية عن ذلك مقابل تصدير سلع ذات قيمة مضافة عالية الثمن، لكن بعدما تمكنت تلك الدول خصوصا الصين من تصنيع السلع ذات القيمة المضافة العالية بقيم أرخص تغيرت المعادلة وانقلبت الولايات المتحدة وحتى أوربا على العالم النامي أو على ما تسمى الدول الناشئة وقد تختفي مثل تلك التسميات وسيحل محل التجارة الحرة تجارة أخرى كما يسميها ترمب بالتجارة العادلة.

خصوصا وأن الأزمات المالية لم تضرب الدول المتقدمة بل ضربت أمريكا اللاتينية في أوائل ثمانينات القرن الماضي وشرق آسيا في أواخر التسعينات، وأوربا الشرقية في أواخر العقد الأول من العقد الحالي وبالطبع كانت الأزمة المالية التي ضربت الولايات المتحدة وأروبا عام 2008 الضربة التي جعلت من الغرب منذ ذلك الحين يبحث عن تجارة حرة أخرى، لكنه تريث فيما الصين خلال تلك الفترة نمى اقتصادها وتضاعف.

بدأ يتساءل عدد من الاقتصاديين من يكسب معركة الفولاذ، صلب الصين أم صلابة ترمب، ورغم التخفيضات الموسمية الحادة زاد إنتاج الصلب الخام في الصين 6 في المائة على أساس سنوي خلال أول شهرين من 2018، فيما كان 2017 قياسيا في إنتاج الصلب، في نفس الوقت ترمب المؤيد للشركات يشعر بالقلق من ترمب الحمائي، لذلك فاجأت الولايات المتحدة الصين برغبتها في إجراء حوار حول التجارة معها بعد اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي التي هيمن عليها إلى حد كبير التوتر التجاري في 22/4/2018 حيث قال وزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين أنه يفكر في زيارة الصين لمواصلة النقاشات حول النزاع التجاري بين واشنطن وبكين بعد تصاعد التوتر منذ 8مارس 2018 عندما فرض ترامب رسوم جمركية آحادية على واردات الفولاذ والألمنيوم إلا أنه استثنى مؤقتا كندا والمكسيك والاتحاد الأوربي وليس الصين، في المقابل رحبت الصين بفكرة الزيارة.

أثناء اجتماع الربيع هاجمت عدد من الدول حمائية الولايات المتحدة مؤكدة أنها ليست الأسلوب الصحيح لمعالجة حالات الخلل التجاري، وطالب ماكرون في كلمته أمام الكونغرس الأمريكي بعدما ندد بالسياسات الحمائية وطالب بتجارة حرة وعادلة، رغم ذلك لم يبتعد منوتشين قيد أنملة عن مبدأ الرئيس الأمريكي ترمب أمريكا أولا، واعتبر أن الممارسات التجارية غير العادلة في العالم تعرقل نمو الاقتصاد العالمي ونمو الاقتصاد الأمريكي داعيا صندوق النقد إلى التحدث بصوت أعلى وأقوى عن مسألة الخلل في موازين التجارة الخارجية، حيث تترقب واشنطن تنازلات من الأوربيين، ولا سيما في قطاع السيارات.

يعتبر بعض الاقتصاديين انه منزلق خطير لأنه قد يشكل شيكا على بياض للدول الأخرى التي قد تستخدم هي أيضا هذه الوسيلة، وأن هناك ثمة مخاطر بأن نشهد صدمة حقيقية في سلسلة الإنتاج، مع انعكاسات سلبية على الأسواق المالية.

حتى اليابان توافق على بدء محادثات تجارية مع الولايات المتحدة، التي وصلت الصادرات اليابانية إلى الولايات المتحدة عام 2017 نحو 137 مليار دولار بينما لم تبلغ الصادرات الأميركية إلى اليابان سوى 68 مليار دولار، لذلك لم يعف ترمب اليابان من الرسوم الجمركية التي فرضها على واردات الصلب والألمنيوم، فيما كانت صادرات الصين إلى الولايات المتحدة عام 2010 نحو 365 مليار دولار ارتفعت إلى 505 مليار دولار عام 2017 فيما كانت الصادرات الأمريكية للصين عام 2010 نحو 92 مليار دولار ارتفعت إلى 130 مليار دولار عام 2017 أي أن الفجوة تبلغ 375 مليار دولار وهي فجوة كبيرة جدا، وتبلغ الفجوة مع الاتحاد الأوربي نحو 150 مليار دولار.

لكن حذر صندوق النقد الدولي من تفاقم الديون العالمية والتي قدرها ب164 تريليون دولار ما يساوي 225 في المائة من الناتج المحلي العالمي الإجمالي، وتستحوذ الدول المتقدمة على النسبة الأكبر من الديون العالمية وهي مستويات لم يشهدها العالم منذ الحرب العالمية الثانية، وتصنف الصين واحدة من أكبر الدول استدانة حيث ساهمت بمفردها منذ عام 2007 ب43 في المائة من زيادة الدين العالمي.

مباحثات العصا والجزرة التي تنطلق بين أميركا والصين لتلافي حرب التجارة، هناك غضب حتى أوربي يتصاعد نتيجة الاستحواذات الصينية على شركات التكنولوجيا بعدما ابتلعت 54 شركة ألمانية ب13 مليار دولار.

بكين طالبت واشنطن بفصل ملفي التجارة والأزمة الكورية، خصوصا بعدما تعهد ترمب وأبي بزيادة الضغوط بوجه التهديد الكوري الشمالي، وانطلاق المناورات الأميركية الكورية الجنوبية ودعوات صينية لتعليقها، خصوصا بعد خيبة أمل أميركية من دور بكين في الأزمة الكورية، اتجه البنتاغون إلى إجراء تجربة ناجحة لمنظومة اعتراض للصواريخ.

أميركا والصين من ينحني قبل الآخر، فتراجع ترمب سيكون دلالة على ضعف جيوسياسي، وخضوع تشي من شأنه أن يكون عملا من أعمال السياسي الذاتي، فنجد واشنطن تدعم بناء تايوان غواصات، فيما تتجه الصين إلى خفض قيمة اليوان كأداة صينية لتحريك الخلاف التجاري مع أمريكا، وتمكنت الصين من تأمين ثاني موقع قدم لها في المحيط الهادي الأول كان في جيبوتي في القرن الأفريقي والثاني يقع في جزيرة سريلانكا بجنوب آسيا وهي الجارة القريبة من الهند يضمن لها تمركز قواتها حتى عام 2026، في المقابل هناك مشروع بديل لمبادرة الحزام والطريق الصينية تقوده الولايات المتحدة يضم استراليا والهند واليابان ويسعى لمواجهة اتساع نفوذ الصين.

يبدو أنه لا سبيل للغرب سوى التعايش مع الصين الصاعدة، من المرجح تماما أن ينتهي الحال بالاقتصاد الكلي للصين أن يكون أكبر حجما بكثير من الاقتصاد الأمريكي، رغم أن عدد سكان الصين أربعة أضعاف الولايات المتحدة عام 2017 بلغت نسبة الناتج المحلي الإجمالي 62 في المائة من المستويات الأمريكية بأسعار السوق و119 في المائة من حيث معادلة القوة الشرائية، وبلغت حصة الفرد وفقا لصندوق النقد الدولي 14 في المائة من المستويات الأمريكية بأسعار السوق و28 في المائة من حيث معادل القوة الشرائية، يمكن أن تحقق الصين عام 2040 حصة نسبية للفرد من الناتج المحلي الإجمالي مقدارها 34 في المائة بأسعار السوق، و50 في المائة من حيث معادل القوة الشرائية، أي أن حجم اقتصاد الصين حينها تقريبا ضعف حجم الاقتصاد الأمريكي من حيث معادل القوة الشرائية وأكبر تقريبا ب30 في المائة من حيث أسعار السوق.

رغم ذلك اقتصاد أمريكا يتأقلم مع توجهات النظام التجاري الجديد، وكل المؤشرات تصب في خانة التجاوب مع مزيد من الانتعاش على الطريق، فقد أنهى الاقتصاد الأمريكي عام 2017 بوتيرة نمو في الناتج المحلي الإجمالي بلغت 4 في المائة، والتفاؤل ضمن الشركات الصغيرة في أوجه منذ 1983 في ثاني أقوى وضع منذ 45 عاما، حتى مقياس ثقة الشركات الكبرى المائدة المستديرة للأعمال يرى أفضل اقتصاد منذ 15 عاما.

لا تعليقات

اترك رد