الربيع العربي والمبدعون .. جدلية الإبداع والتفاعل

 

كانت ثورات الربيع العربي حدثا مفاجئا ، قلبَ الموازين الفكرية المستقرة لعقود ، والتي اعتمدت التغيير المتدرج البطيء ، وانتفت بالتالي طروحات التغيير الراديكالي، بكل ما تحمله من ثورية وتغييرات عنيفة ، وكان التنظير السياسي المصاحب لذلك هو التحول الديمقراطي من مجتمعات الشمولية ( التوتاليتارية ) إلى مجتمعات التعددية والانفتاح ، فقد أدرك الكل أن التغيير الثوري يحمل كثيرا من المخاطر والاهتزازات الاجتماعية والاقتصادية والبنيوية المجتمعية ، وهذا عائد إلى الصورة المترسخة في الأذهان عن الثورات في العالم ، التي رفعت رايات اليسار الأحمر، وللأسف جاءت صبغت بلدانها باللون الأحمر ، متمثلة في مذابح دموية بحق من أسموهم الثورات المضادة كما هو الحال في الثورات : البلشفية بروسيا ، والثقافية بالصين ، ومن قبل ذلك كانت أحداث الثورة الفرنسية في القرن الثامن عشر .

أما الإبداعات الأدبية التي انتشرت في هذه الحقبة ، فكانت ذات منحى اجتماعي، يعنى بالمشكلات الاجتماعية ، وقضايا المجتمع ، وتبني أفكار ليبرالية ، تدعم الحريات وحقوق الإنسان . وإن غرقت كثيرا في الاغتراب ، والانطواء الذاتي، وبعضها أسرف ، وحصر مفهوم الحرية في التحرر ، فرأينا نصوصا غارقة في تخيلات جامحة ، تسلط الضوء على عقد النفس الإنسانية ومكبوتاتها الجنسية ، تحت شعار كتابة الجسد ، وفي الحقيقة هي كتابة الأعضاء الجنسية .

وعندما انفجرت الثورات ، وعادت مجددا طروحات التغيير الثوري بطابعها الشعبوي ، وانتعشت الآمال في المستقبل ، في ضوء واقع يرى المآلات الاستبدادية التي وصلت إليها النظم السلطوية المستندة على الشرعية الثورية، بمرجعياتها القومية والاشتراكية، وكيف تحولت إلى جمهوريات وراثية ، تدعمها طبقة فاسدة من رجال الأعمال والمتنفذين ، فيما يسمى تحالف السلطة والثروة ، وأضحت الشعوب تعيش

واقعا مزريا بائسا ، دفع الكثير من أبنائها إلى الهجرة الخارجية بحثا عن الرزق، أو الانغلاق الداخلي، بعد إغلاق المجال العام لأي حراك للإصلاح الجدي ، وأضحت الساحة السياسية عبارة عن ” مكلمات ” وجدالات حول الديمقراطية ومزاياها ، لا تخرج إلى الشارع ، وإنما تنحصر في النخبة المثقفة ، بكلام متفلسف غالبا ، يلوكه الباحثون السياسيون تنظيرا ، ملمحين إلى إمكانية التغيير السلمي ، وأن المستقبل للديمقراطية ، وعلينا فهم شروط اللعبة، وعندما نتأمل في شخصيات هؤلاء المتكلمين، نجدهم في غالبيتهم مقربين إلى السلطة ، أو يغازلونها لمزيد من القربى ، وأملا في نيل الحظوة ، ولا مانع لدبهم من دخول حظيرتها .

*****
كان حدث الثورة مفاجئا للمبدعين، كبارهم وشبابهم ، فالكبار المجترّين لذكرياتهم عن ماض قديم ، وأحلام ثورية عتيقة ، نظروا إلى حركة الجماهير وتدفق الملايين غير مصدقين، فظنوا أن الزمن عاد بهم شبابا ، وحينما نزلوا الميادين، والتحموا بصفاف الثائرين، أخذتهم النشوة في كتاباتهم الإبداعية ، فراحوا يربطون حدث الثورة الجديدة ، بثورات الخمسينيات والستينيات في زمن الشعارات القومية، وأحلامها الوردية ، وخطاباتها الحماسية . وهنا تبدو المفارقة ، فقد كتب الكبار عن الربيع العربي سرديات ومقالات ونثريات وأشعار ، شديدة الانفعال بالحدث الكبير، لذا وقعت في المباشرة والخطابية، واستخدموا مصطلحات وشعارات مأخوذة من تراث الثورات العربية القديمة ، بكل مصطلحاتها ومفاهيمها ، التي تعود إلى مرجعيات يسارية وقومية وماركسية. وكأن لسان حالهم يقول ، شاركنا في ثورات قديمة ، وها نحن نشارك في ثورات الأوطان الجديدة ، ونسوا أن كثيرين منهم خضعوا للسلطة ، فضاعت مصداقيتهم ، وفقدوا تأثيرات إبداعهم على الشباب .

وجاءت نصوصهم الإبداعية خطابية مباشرة ، أشبه بالبيانات السياسية منها إلى جماليات الأدب الثوري، فنقرأ لأحمد عبد المعطي حجازي ، ديوانه ” طلل الوقت” (2012م) الذي جاء بعد عشرين عاما من التوقف الإبداعي ، والانشغالات العديدة في صحافة السلطة ومناصبها الثقافية ، يقول حجازي :

ارفع رأسك عالية ، أنت المصري
الضارب في جذر الماضي ، والعصري
خالق أديان المعمورة ،مكتشف الهندسة ،ومبتكر الري
صاحب درس التحنيط ،ومبتدئ الرقص،
وخلاط القدسية بالبشرى
ارفع رأسك عالية ،أنت المصري

إنه نص أشبه بالأغاني الوطنية الحماسية ، الممزوجة بعبارات أقرب إلى النثرية منها إلى الشعرية، تخلو من جماليات النص : رموزا وخيال وتراكيب ، رافعة شعار الزعيق السياسي ، أكثر من التجديد الجمالي والرؤيوي ، وبعبارة أخرى : فإن كل ما فعله من كتب من المبدعين الكبار ، أنهم أخذوا من القاموس المنتشر على الألسنة في الميادين، ونظموا شعرا ، لنكتشف في النهاية أنه عود على ماض في حقبة الخمسنييات والستينيات ، بتعبيراتها الزاعقة، وشعاراتها الناعقة .

وهو نفس ما فعله ” حسن طلب ” في ديوانه ” إنجيل الثورة وقرآنها ” ( 2011م )، فيقول :

“سقطَ الشهداءُ / على أرصفةِ الميدانِ
فلم يطرِف للطاغيةٍ الفاسدِ رمشْ!
ظلَّتْ قواتُ الأمنِ تطاردنا
ساعاتٍ / بخراطيم مياهٍ وهراوى
وقنابلَ غازاتٍ/ قلنا سنواجهُ هذا الوحش.
لكنّا فوجئنا برصاصٍ حيٍّ
وبنادق رش / فحملنا الشهداء
وأسعفنا الجرحى “

لقد اضمحل الجمالي ، وتلاشى الرمز، وضعف الإيقاع، وخبت القافية، ولم نلمس شاعرية متقدة ، وإنما ذوات شعرية خاوية حاولت أن تصرخ ، فخرج صوتها مبحوحا، فما الجديد الذي يقال في هذا النص ؟ إنه تراكيب لغوية نثرية ، ونعوت مكررة ، ولغة سردية ، وألفاظ منتزعة من المتداول على الألسنة الدارجة .

*****
رأى المبدعون الشباب الثورة شبابية في الأساس ، لا دور للكبار فيها وإن حضروا وهتفوا وصرخوا وبكوا ، وأن الثورات العربية السابقة ما كانت إلا حركات جماهيرية محدودة دعّمتها السلطات الحاكمة ، التي نالت الحكم بانقلابات عسكرية ومن ثم ارتدوا مسوح الثوار ، ليضفوا على شرعيتهم ما يسمونه الشرعية الثورية . أما ثورات الربيع العربي ، فإن عود ثقابها الذي أشعلها كان شابا تونسيا محبطا حرق نفسه حتى الموت يأسا من الإصلاح ، ورفضا لهيمنة الشرطة وقطعها لرزقه البسيط ، ولم يتوقع ” البوعزيزي ” أن يكون سببا في انفجار الأوضاع في تونس ، وامتدادها إلى جماهير الأمة العربية. فالشباب هم الذين تفاعلوا على مواقع التواصل الاجتماعي ، وجمّعوا أنفسهم في صفحاتهم الثورية ، قبل نزولهم إلى الشوارع، مصفقين داعين جموع الشعب للانضمام لهم .

وتراوحت إبداعات الشباب بين الزعيق العالي ، والوصف المفصل لأحداث الثورة من خلال عشرات الكتب ومئات النصوص الشعرية ، وهذا عائد إلى دخول كثير من الشباب ضعيفي المواهب معترك الكتابة الإبداعية الثورية، أو أنهم كتبوا نصوصهم في الميادين الثورية ، لدعم المسيرات الجماهيرية وتحميسهم ، ومن ثم جمعوا هذه النصوص في دواوين صدرت بعد ذلك ،والتي خرجت في لحظة الثورية شديدة الانفعالية ، متدفقة العواطف ، فغلبت عليها الخطابية والوعظية.

وردوا على من اتهمتم بالمباشرة ، أن الفعل الثوري ولحظته يتطلب هذا اللون من الكتابة ، فلا مجال للرمز والصورة والإلغاز ، وهو رد غير أدبي، فالشعر جماليات في النهاية، أيا كانت لحظته المعبر عنها ، فالشعر له شروطه الجمالية ، التي ترتقي به من دائرة الكلام العادي ،إلى النص الشعري الراقي جماليا ورؤيويا .

وتلك مشكلة الكتابة المباشرة ساعة وقوع الحدث ، تأتي غالبا غير ناضجة ، لأنها محملة بانفعالات كثيرة ، ووعي فني قليل ، لذا نجد كبار المبدعين يكتبون عن الأحداث المهمة التي عاصروها بعد انقضاء فترة من الزمن ، حتى تكون نضجت في وعيهم ، وغابت عنها السكرة ، وحضرت الفكرة ، والرؤية الشاعرية .

فمن نصوص الثورة ، ما سطره شاعر شاب له باع في التجربة الشعرية ، وهو كريم عبد السلام في ديوانه ” قنابل مسيلة للدموع ” ، فيقول :

عندما صرخنا “يسقط الديكتاتور”
اكتشفنا أن سجونا رهيبة مصنوعة من الرمل
وأن مدنا كاملة مبنية من الرمل
وأن القادة المرعبين،
والطغاة القساة،
والعساكر ذوي العربات المصفحة،
والسياسيين المفوهين،
والحزبيين التجار،
مجبولون من الرمل
وأن الرمل لم يكن يحتاج حتى ينهار
إلا إلى موجة صاخبة من البحر
الذي غافل الجميع واستقر في ميدان التحرير”.

هذا النص وغيره كثير في الديوان لا يخرج عما قيل في الميدان والفضاء الإلكتروني والإعلام المؤيد للثورة ، حيث غلب الإسهاب الفكري ، والنعوت المكرورة ، والتراكيب قريبة النثرية مثل السياسيين المفوهين، والحزبيين التجار، والقادة المرعبين، والطغاة القساة ، ورمز ” الرمل ” المستهلك في دلالته .

*****
على جانب آخر ، فقد فاجأتنا إبداعات العامة والبسطاء ، هؤلاء البسطاء الذين ثاروا وأرادوا أن تكون ثورتهم سلمية ، فأبدعوا غناء وهتافا ولوحات وجداريات ونكات ، مما جعل الكثيرين يطلقون نعوتا على الثورات العربية خاصة الثورة المصرية والتونسية، فهناك من سمى الثورة المصرية بالثورة الضاحكة ، لكثرة ما أبدع الثوار من أشياء تدفعنا للابتسام ، بل والضحك إلى الثمالة ، ناهيك عن النكات والحكايات التي صاحبت فعاليات الثورة في مختلف الميادين ، وفي الفضاء الإلكتروني ، لتكشف لنا عن وعي كبير ، تملكه الجماهير ، إزاء الأحداث الكبرى ، وعدم انخداعها بالشعارات السياسية التي يروجها البعض، فهم يتوقون للحريات والعدالة .

فيمكن القول ، إن إبداعات الجماهير التلقائية بمختلف أشكالها وأنماطها القولية والمرسومة والمكتوبة ؛ قد مثّلت إبداعا شعبيا موازيا لسائر الإبداعات الأخرى .

لا تعليقات

اترك رد