محنــــــة مثقفيـنــــــــــــــــــــــــا !


 

كي لا اوصف باني من جماعة الاستنتاجات السريعة او القفز الى الاستنتاجات فاني ساستعرض ،باختصار، تطور الديموقراطية في اوربا ومن ثم العلمانيه ضمن التنوير . الامر الاخر اني اعتبر ان هذه المقالة هي امتداد لمقالاتي السابقة عن موضوع العلمانية والديموقراطية.

من متابعاتي للنقاشات على صفحات التواصل الاجتماعي وجدت ان هناك عدد يعتقد ان الديموقراطيه-الحريه والعلمانية ظهرت عندما اجتمع عدد من مثقفي العالم في ليلة ما وفي الصباح اعلنوا ” الاعلان العالمي لحقوق الانسان “، فتبعها حرية الصحافة والمراة والحقوق المدنيه والاعراب عن الراي وحرية المعتقد ….الخ. ان هذه الفترة،لغاية الاعلان العالمي لحقوق الانسان، تمتد من القرن السابع الميلادي وحتى يومنا الحالي اي تقريبا 600 سنه. خلال هذه الفترة التي تمتد من ادم سميث و ” دعه يمر دعه يعمل” الليبرالية بامتياز، الى كينز في تدخل الدوله، والى مدرسة شيكاغو في الاقتصاد. وهنا لا اعني ان هذه النظريات الاقتصاديه هي التي قادت، اطلاقا لا. انما قصدت ان هذه النظريات كانت تعبير عن واقع اقتصادي اجتماعي مرت به اوربا تحديدا ثم تبعتها الولايات المتحده . من هذا يتوجب علينا ان ندرس ذلك الواقع الاقتصادي الاجتماعي تحديدا ، وسادون هنا وحسب التواريخ تلك الاحداث التاريخيه المتصاعدة حسب اولويتها التاريخيه كي نتمكن من امتلاك فهم اوضح بان التغيرات تحدث عبر تراكمات قد تكون عنفيه وقد تكون سلميه وصولا الى الديموقراطية والعلمانية .

اولا: 1648 مؤتمر وستفاليا ونشوء الدوله السيادية، ويسميها البعض نشوء الدولة الوطنية. بعد هذه الاتفاقيه ظهرت مشاكل في تلك الدول منها المذهبيه ( صراع الكاثوليك والبروتستانت) فعلى سبيل المثال وليس الحصر بعد نشوء فرنسا لم يكن من حق البروتستانت ولا اليهود المشاركة في الانتخابات العامة.

ثانيا: حركة التنوير او ظهور البروتستانتيه: تعود اصول البروتستانتيه الى القرن السادس عشر والى حركة الاصلاح ان ذلك . اما فارسها فهو مارتن لوثر الالماني الذي كان قسيسا . وكان ضد احتكار الكنيسة لتفسير الانجيل، وطالب بحق كل مسيحي في تفسير الانجيل مما ادى الى ترجمته الى لغات تلك البلدان . كما وان مطالبة حق كل فرد في تفسير الانجيل تطلبت دفع المراة للتعلم كي تستطيع وحدها فهم وتفسير الانجيل دون حاجة الى وسيط . كما ونفت البروتستانتيه حق الكنيسة ان تكون وسيطا بين الله والانسان الفرد .

وبتصوري الخاص اعتقد ان احد الاسباب المهمة لانتصارات البروتستانتية ان ذلك هي ان حاكم هيش دعم مارتن لوثر بقوة . وهنا، وكتحليل لا يهمني لماذا دعم حاكم هيش مارتن لوثر لان الاهتمام ينصب على النتائج.

ثالثا: الثورة الصناعية في القرن الثامن عشر . في هذه المرحلة ظهرت عوامل معينه اصبحت فيها سائده منها القضاء على الاقطاع وتسيد البرجوازيه وظهور الطبقة العاملة ، استبدال القوة العضلية بقوة الاله او الماكنه . هنا ظهر مفهوم الاجر مقابل العمل فظهر سوق العمل الحر في التنقل من منطقة الى اخرى حسب حاجيات السوق مما حطم الكنتونات الاجتماعيه السابقة والمبنية على العوائل والنبلاء الممثله للاقطاع والقضاء على الطبقة الارستقراطية التي كانت تمتلك الاراضي ولا تساهم في الانتاج، وتستند على دعم الكنيسة الكاثوليكية لها، لا بل وان هذه الكنيسة كانت من كبار ملاك الاراضي الزراعية والفلاح ايضا ، كما في روسيا مثلا. ظهور البرجوازية الصناعيه في اوربا الغربيه تحديدا تطلب دعم فكري جديد مما دعمته هذه البرجوازيه بقوه في صراعها مع الاقطاع والكنيسه .

رابعا: ادم سميث القرن الثامن عشر . ظهر هذا الفيلسوف الاسكوتلندي كفيلسوف اخلاق، ثم الف احد اهم المؤلفات الاقتصاديه المشهور ب ” ثروة الامم” . مقولة ادم سميث الاشهر هي ” دعه يمر دعه يعمل”، اذا ما ربطت بفترة ظهور ادم سميث و اهتمامه بالاقتصاد نجدها بداية فتره تسيد الراسماليه وحاجتها الى سوق حره تتحرك ضمنها دون تدخل للدوله . هذه الدعوة، الليبرالية بامتياز ، نجحت ان ذلك بشكل شامل و واسع في ظل مجتمع متنامي القوة مقابل دولة تقوم بمهام الامن والدفاع فقط اي دولة ضعيفه لا تتدخل في التوازن الاقتصادي اطلاقا لان الايمان كان على اساس ان السوق توازن نفسها بنفسها دون الحاجة لتدخل الدوله . طبعا هذا الامر تغير بعد 1933 ولكن هذا خارج اطار هذه المقاله

خامسا: الثورة الولادة، الثورة الفرنسيه
يطلق العديد من المهتمين بدراسة الثورات لقب ام الثورات على الثورة الفرنسيه . وهنا ساحاول بايجاز توضيح اثار تلك الثوره على الديموقراطيه والعلمانيه ، تلك الثورة التي اسست بقوة للحداثه، مرحلة ما بعد الاتنوير.

بعد اندحار الجيش الفرنسي زمن نابليون الثالث امام جيوش بروسيا عام 1871 ودخول جيوش بروسيا باريس، انتخب تسعون ممثلا في مجلس بلدية باريس بالاقتراع العلني المباشر ثم اعلن المجلس نفسه حكومة لكل فرنسا، فقام الجيش الفرنسي بقمع وحشي لمساندي مجلس بلدية باريس المنتخب ،و كان هناك اسبوع دامي في 21/5/1871 . واثناء حصار باريس من قبل القوات الالمانيه عاش الباريسيين نقصا مريعا في الغذاء و مجاعة، وعمت الفوضى والتذمر لدى الفئات التي كانت تسمى ( بدون سروال داخلي ) وهم النجاريين والدباغيين و والاسكافيين وصناع الاحذيه والبنائين. فحدثت الانتفاضه والتي سميت كومونة باريس. وقد ساهمت كومونة باريس في :

1-تشريع قانون حق الاضراب الذي صدر عام 1864

2-تشريع قانون حرية الاعلام 1868 والذي مكّن لظهور علني للمطالب الاقتصادية المعادية للراسمالية

3-كان للمراة مشاركة مهمة فيها بعد الكومونة عملت حكومة الثورة الفرنسية على الغاء الملكية المطلقة والامتيازات الاقطاعية للطبقة الارستقراطية وكذلك كانت ضد النفوذ الديني و تحديدا الكاثوليكي . وادت الثورة الى خلق تغيرات جذريه لصالح التنوير ، وبرزت نظرية العقد الاجتماعي لـ جان جاك روسو الذي يعتبر منظر الثوره . اما فولتير ( 1694-1778) فكان يدعوا الى اقامة نظام ملكي مستنير على غرار انكلترا . ثم قدم مونتسيكيو كتابه روح القوانين الذي انتقد فيه مساوء الحكم المطلق . كل تلك التغيرات وغيرها ادت الى تحطيم النظام الملكي الذي يستند على نظرية الحق الالهي المطلق في الحكم ويعّد نفسه المصدر الاساسي لكل التشريعات والقوانين والمرجع الاول والاخير في الدوله,

وقد خلد الشاعر الالماني جوته نتائج الثورة الفرنسيه بالقول :
” من هذا المكان، وفي هذا اليوم افتتحت حقبة جديدة في تاريخ العالم ”

وفي 1798 سن قانون التعليم الذي نص على ” يجب ان تحذفوا من مقرراتكم الدراسيه كل ما يتعلق بعقائد اي دين وشعائره…ان الدستور يكفل حرية العباده لكن تدريسها ليس جزء من المقررات الدراسية الحكومية. ولا يمكن ان تكون ابدا مجالا للتدريس” .

من ما مر ذكره نستنتج
1-ان التغيرات بدات من الاسفل نحو الاعلى اي عبر الراسماليه ونظام الاجور

2-وجدت حركة التنوير متمثلة بالبروتستانتيه سندا من حاكم هيش ، ثم انتقلت الى الحداثة والتي ولدت في رحم الثورة الفرنسيه تلكالثورة التي نادت بالعدالة الاجتماعيه فحققت العقد الاجتماعي والعلمانيه

3- كان هناك ولا يزال مجتمع مدني متطور وهو نتاج تسيد الراسماليه ونظام الاجر يساهم بفاعلية في خلق و توزيع الثوره مما مكنه من احتضان الثقافة والعلوم والفن لانها تخدم مصالحه كما وان خلقه للثروة بعيدا عن الدولة اعطاه الثقة في الضغط للسير نحو الامام فهو يستطيع العيش من الناحية الاقتصاديه من دون الدوله لا بل وان الدولة لا تستطيع القيام بنشاطها الاقتصادي الا بعد جني الضرائب منه فهي مدينة له وليس العكس .

مفرخات محنتنا وبالاخص المثقف

في المقالة السابقه لهذه وعلى الصدى نت اشرت الى مميزات واقعنا اعيد هنا بعضه

1-لدينا دولة قويه و مجتمع مدني ضعيف تسوده العشائريه والعائليه والمناطقيه

2-الدولة تمتلك جميع الاراضي ، والسقي عبر الري تطلب مشاريع عالية الكلف لا يستطيع الفلاح القيام بها فكان عليه الاعتماد على الدوله في ذلك

3-ساهم انتاج وتصدير وبيع النفط في زياده هيمنة الدولة على الاقتصاد ، فامتلكت ثروة تقوم بتوزيعها . ولحد يومنا الحالي كل ماتقوم به الدولة هو توزيع الثروة وليس انتاجها

هنا برزت ضاهرة جديده لا تنطبق على ما جرى في اوربا الا وهي الاحتكار الاقتصادي من قبل الدوله واصبح المجتمع المدني تابعا ذيليا لسلطة الدوله ، بمعنى اخر ان التغير ياتي من اعلى. اذن لابد له ان يكون مدعما لقوة الدولة وليس المجتمع المدني .

اين يقف المثقف عندنا ؟
يجد المثقف نفسه في صراع تناشزي بين طبيعة دوره كمثقف ناقد بالدرجة الاولى وبين حقه في الحياة والعمل والحصول على اجر مقابل عمله . لا يجد مجالا الا ان يعمل موظفا عاديا في احدى الوزارات من اجل ان ياكل ويلبس…الخ, مصدر رزقه هذا ليس حياديا وفي نفس الوقت لا يرغب في التغير فيقع في دايلمه رغبة النقد الاصيله في داخله كمثقف وبين توفير مصدر رزق له ولعائلته فخارج نطاق الدولة لا يوجد قطاع اقتصادي يستطيع ان يكون الكشن له ولاعماله و ممولا اقتصاديا له فيضطر ان لا يتحدث بصراحة وان يخفي قناعاته مضحيا بالجانب الفكري لاجل الحصول على اشباع لرغباته الاساسيه من جوع وعطش وسكن . الى هنا يبدو الامر تبريريا لتلون المثقف عندنا ولكن عندما نصطدم بواقع التدافع بين المثقفين من اجل ” اعطوه الف درهم ” ، لا بل ينهش بعضهم بعض من اجل الاف درهم تلك تحتاج الى تامل واعتقد انه يمكن حصرها ب عاملين

1-عبر التاريخ غاب دور المثقف و انحصر بالشاعر فقط .وبرز دور شاعر القبيله والذي مثل وسيلة اعلام مبالغ فيها للقبيلة ورئيسها، وغياب كامل تقريبا لاية ادوار اخرى او انواع اخرى للثقافة العربيه من قصة و مسرح . دور الشاعر هذا تزامن مع جميع عصور التاريخ الى درجة لا تجد خليفه لا يمتلك شاعرا يجالسه .
ولم تتوقف هذه الظاهرة لحد يومنا الحالي لا بل رافقت حتى ما سمي “النظم الوطنيه”.

2-وضع العرب علوم اللغه في مطاف اعلى بكثير من مكانة بقية العلوم الى درجة وصفوا تلك اللغة بالمقدسة.

3-نظم الدولة العربية، امويين وعباسيين، ومن ثم ما يطلق عليها مجازا “دول وطنيه” والتي ظهرت منذ قرن تقريبا بنائها السلطوي والاقتصادي يشبه الى حد بعيد بناء العشيره . فالزعامة وراثية حتى في الجمهوريات “سوريا مثلا”. و غالبيتها دول ريعيه تشبه دور القبيله في توفير الحاجيات الماديه لابنائها عبر الغزو و يحتفظ الرئيس ، ان كان رئيس قبيله ام جمهوريه ام مشيخه، بالعوائد الاقتصاديه بجانبه يوزع منها ما يشاء وعلى من يشاء

4-وكما قلنا سابقا، فان ضعف المجتمع المدني عندنا اضعف وعي المثقف. فعدا ثورة الزنج لا يوجد لدينا ثورات بحجم الثورة الفرنسيه او الحقوق المدنيه في الولايات المتحده او الاضرابات العماليه في اوربا او نشاطات حقوق المراة او العصيان المدني كما في اوكرنيا و ارمينا مؤخرا . فما زالت هذه الحركات تشبه نشاط حديثي الولادة ما ان يفيق حتى يتعب ويذهب للنوم مرة اخرى . كما وساهمت انقلابات الضباط في اضعاف وعي المجتمع وجعله وعي انتظار غودو

5-غياب دور البرجوازيه الصغيره كبصمة في الحياة الثقافيه والاقتصاديه. فغالبية البرجوازية الصغيرة هم موظفي الدوله والتي يتميز وعيها بالتملق للمدير من اجل اجازه و احتقار المواطن وتلقي العلاوة السنويه والترفيع بشكل روتيني لا يمت بصلة للانجازات

لا تعليقات

اترك رد