” سيد العشيرة رجل “


 

الإنسان بوجه عام، والرجل بوجه خاص؛ كائنٌ مسكون بفكرة الخلود والأبدية، يشعر وكأنه مُستثنى من الموت على الرغم من أنه يدرك بأن الموت حقيقة، وبأن حدوث النهاية أمر حتمي؛ وكذلك هو يستثني نفسه من فعل الخطيئة والعيب؛ فحين يكون حب الذات طاغياً فإن هذا الحب المشوه يدفع صاحبه ألا يعترفَ بالحقيقة فيقلب الحقائق رأساً على عقب ليجعلها تصب في نهر ذاته وأناه ونرجسيته.

كل الطغاة الذين مروا فوق هذه الأرض كانوا ذكورا، وكل السفاحين ومصاصي الدماء البشرية كانوا وما زالوا رجالا؛ وحتى خطيئة تفاحة الجنة من صنع آدم ولم تكن من حواء.

إذ وسوس الشيطان له بشجرة الخُلد. فمنذ الوهلة الأولى لخلق آدم وقبل أن يعرفَ مذاق الحياة بدأت فكرة الخلود تدغدغ احساسه وتراوده نفسه أن يظل في حياة أبدية.

وعندما لم يستطع الإنسان بشكل عام والرجل بشكل خاص أن يظل خالداً؛ وبما أنه لم يقدر بكل ما أوتيّ من علم ومال وسلطة، أن يجد حلاً لإقصاء الموت عن طريقه؛ جاء بفكرة بديلة للخلود وهي أن يتناسل من صلبه ذكورا؛ فالذكر في عقيدته هو من يخلده حتى بعد موته. وعندما لا تنجب أنثاه الذكر المنتظر يتهمها بالعقم، أو إنها ليست خصبة بالذكور ومن حقه أن يستبدلها بأنثى أخرى أكثر خصوبة ولو أن الأمر بيد الرجل لما تردد في أن يختار عشتار زوجة له.

والطغاة الذكور استعاضوا فكرة الخلود المستحيلة بفكرة توريث الحكم والسلطة من بعدهم لأولادهم وأحفاد أحفادهم؛ حتى إن اضطروا إلى تعديل الدستور ألف مرة، ولن يترددوا في أن يحرقوا شعوبهم وإبادة مدن بأكملها على أن لا يتنحوا عن الحكم ولا يتنازلوا عن العرش، وبهذا هم يحققون فكرة الخلود والأبد؛ فالسلطة تنتقل من الأب إلى الولد ومن الولد إلى ولد الولد.

يموت صديقه أمامه ويخرج في جنازته ويُدفن أمامه ومع ذلك هو يستثني نفسه من حادثة الموت فلا يغيّر هذا الموت من سلوكه السيء ولا يعدّل من اعوجاج أخلاقه ولا يجعله يتراجع عن فكرة الخلود التي تتملكه.

يتسلى بمشاعر امرأة أجنبية عنه، لا تربطه بها صلة دم أو قرابة، وليس لها أسم مدون في دفتر أحواله المدنية، يعبث بعاطفتها كما تعبث الريح بالغبار، ولا يكترث لمشاعرها التي جرحها حين ترك خنجر الخذلان يحفر قلبها؛ لأنه يستثني شقيقته من الخطيئة ولا يتصور بأنها قد تكون ضحية لذكر مثله ويطعن قلبها بسكين الغدر كما سبق له وأن طعن قلب أنثى؛ وكأن شقيقته مستثناة من ارتكاب الحماقة أو الوقوع في فخ الحب أو أن عائلته كلها لديها حصانة إلهية بعدم المساس وعدم الخطيئة.

تخضع زوجته للفحوصات الكثيرة وجميعها تثبت سلامتها من العقم ويحاول الأطباء أن يشرحوا له بأن زوجته ليس بها أي عيب يمنعها من الانجاب وإنما العلة به وعليه أن يخضع لفحوصات واتباع العلاج؛ لكنه يكابر ويرفض تقبّل فكرة أنه عقيم؛ فليس من المعقول أن يكون فحلاً مثله عقيماً ولابد بأن هناك خطأ في التحاليل التي خضعت لها زوجته. ويرفض البتة أن يذهب إلى الطبيب أو أن يخضع للعلاج؛ فهذا الأمر يخدش زجاج رجولته وفحولته. وتصبح الانثى هي المتهمة الوحيدة بالعقم، وعليها أن تطوف عيادات الأطباء وأن تخضع للعلاج وإن لم توفق بالعلاج ذهبوا بها إلى السحرة والدجالين والمشعوذين وتصبح كفأر أبيض تُجرى عليها اختبارات السحرة وتلتهم في جوفها ما يصفون لها من أدوية وعليها أن تمارس طقوس الشعوذة الغريبة لتلد لسيدها

ذكر الخلود؛ وإذا لم تأت بنتيجة يرفع الرجل بوجهها الورقة الحمراء التي منحته إياها العشيرة والقبيلة والتي نالها من المجتمع الذكوري ورقة الزوجة الثانية أو الخصوبة الثانية التي ستنجب له ذكر الخلود المنتظر ليخلده إلى الأبد.

تنجب زوجته، فيكون المولود الأول أنثى والثاني أنثى والثالث أنثى؛ يغضب ويثور عليها ويتهمها هو وأمه الأنثى بأنها امرأة يابسة لا تنجب إلا الإناث وعليه أن يتزوج بامرأة أخرى. يشرح له الطبيب المعالج بأن الرجل يكون شريكاً في تحديد جنس المولود وقد يكون الرجل هو السبب المباشر في هذا؛ إلا أنه يرفض ولا يقبل التحليل المنطقي ويشير إلى زوجته بأنها السبب وبأنها جذع يابس لا تنجب إلا الإناث.

يخون زوجته ويعاشر نساء غيرها ويعبث بالوقت كيفما يشاء، يسرح ويمرح من بلد إلى بلد ومن امرأة إلى أخرى ولا يتصور ولو مجرد خيال بأن زوجته قد تفعل ما يفعله هو؛ لأنه رجلٌ يرى نفسه من المخلصين ومن النخبة المصطفاة ومن المستحيل أن يقترب أحداً من حصن بيته المتين أو يقترب من زوجته رجلاً غيره فهي مستثناة من آفة الخيانة اما باقي النساء فهن مشاع لا حصانة لدين ولا استثناء.

يُحَاكم طاغية غيره، أمام عينه، ويُعدم على مرأى منه، ويمثل بجثته وتحرق صوره وتهدم أصنامه وتضرب بالنعال لكنه لا يتعظ، ولا يتصور للحظة بأنه قد يصل إلى مصير ذاك الطاغية، ويستمر في التنكيل والتدمير ويُهلك شعبه؛ لأنه ذكرٌ ويستثني نفسه من أن يسقط من على عرشه أو أن يُعدم أو أن يُغتال من حارسه الشخصي وتظل فكرة الخلود والأبدية تداعب خياله المريض.

<<الموتُ نهرٌ كل إنسان ذكراً كان أم أنثى، رجلاً كان أم ذكر وارده، والعين بالعين، والسن بالسن، والآثام بالآثام، والغدر بالغدر، والخيانة بالخيانة، ولكل طاغية أجل. لا أحد منا مستثنى، وليس فينا من نبي مصطفى وليس فينا من هو منزه عن الخطيئة.

لا خلود لأحد، ولا وجود لإنسان عاش إلى الأبد. والخطيئة خطيئة ليس لها جنسية ولا جنس بعينه. والذكورة ليست خلقاً ولا هبة من السماء؛ إنما هي مرضٌ اجتماعي تفشى واستشرى. الذكورة آفة اخترعتها العشيرة وسيد العشيرة كان وما زال ذكراً ..

لا تعليقات

اترك رد