هل هو فعلا ،مشروع القرن الامريكي الجديد ؟؟!


 

هل فعلا نحن نعيش هذا المشروع، و هل لا زال الأمر مشروعا، أم أنه حي يرزق يمشي و يتجول فعلا بيننا على الأرض، نعم هذا هو ما يسمونه مشروع القرن الأمريكي ..

كان مجرد إشاعة أو فقاعة أطلقت أبان حكم بوش الإبن، المعتوه الآخر الذي أشعل العالم حروبا و دمارا و غزوات، و ربما كانت جهوده الهدامة تلك في سبيل تكريس و تثبيت دعائم هذا القرن الأمريكي الصرف الجديد، الذي ربما بدأت لبناته الأولى في عقول و أدمغة عدد من الساسة و المفكرين اليمينيين المتطرفين سنوات قليلة قبل ذلك الوقت، و بالتحديد أواخر التسعينات من القرن الماضي ..

و ربما ما يروج له المجنون الآخر ترامب هذه الأيام من شعارات و برامج و أهداف، تعتبر صفحة أخرى جديدة في الفوضى العالمية التي يحاول المشروع الأمريكي كما يبدو إعتمادها كبرنامج للعمل و الحياة و العيش و التعايش خلال القرن الجديد، الذي لا زالوا يريدون أن يكون أمريكيا صرفا، آخذين بنظر الإعتبار أن هناك الكثير من البرامج و النظريات و السياسات و الإستراتيجيات طرحت خلال الفترة الزمنية السابقة، لكن برأيي هذا المشروع يعتبر الأهم و الأخطر على الأقل في هذه الفترة ..

نحن نعيش هذه الايام احداثا و وقائع خطيرة و غريبة في عموم محيطنا و عالمنا, و ربما نحسها بشكل اوضح و ادق في حدود عالمنا العربي و الاسلامي ..

هذه الاحداث و الوقائع, بعضها او معظمها لم نكن لنتوقع او نتخيل امكانية و قوعها ربما لغاية احداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١, و التي اعتمدت من قبل الادارة الامريكية كبداية تقويم لاعلان و شن حربها على العالم, و لاعلان سياساتها الجديدة ربما في كل شئ ..

بالطبع لا يمكن لأي عاقل ان يتوقع ان هذه السياسات كانت بنت يومها, او انها فعلا وليدة و نتيجة و من تبعات احداث ١١ سبتمبر فقط, و التي لا زالت هي نفسها, أي هذه الاحداث, موضع شك او عدم يقين من قبل الكثيرين من المحللين و المفكرين و الدارسين, سواء من حيث المسببات او المسببين او النتائج او الذرائع رغم مرور هذه الفترة الطويلة عليها، بل أن البعض يرى أن أحداث سبتمر كانت مفبركة و معدة خصيصا لإطلاق هذا المشروع و إيجاد الحجج المناسبة و الكافية لإقناع و ربما فرض ما يتضمنه المشروع على المجتمع الدولي و المجتمع الأمريكي ذاته ..

و حيث انه لا يمكن كتمان أي شئ بشكل كامل, خاصة في ايامنا و عالمنا الحديث هذا, فقد بدأت تتكشف الكثير من اوراق اللعبة الامريكية العالمية التي تبغي من ورائها الى السيطرة على العالم و مقدراته و موارده، و محاولة توجيه سياسات المناطق المهمة و السيطرة عليها لخدمة المصالح الامريكية و الصهيونية ..

كما ان اوراقا كثيرة تكشفت عن العلاقة ما بين السياسات الامريكية خلال السنوات الأخيرة, و التي تبنى على افكار و معتقدات و توجهات اليمين المسيحي الصهيوني المتطرف الذي احكم قبضته شيئا فشيئا على توجهات الادارة الامريكية الحالية, و ما بين معتقدات و افكار صهيونية عالمية معروفة تتعلق بالسيطرة على العالم و حكمه من خلال حكومة عالمية قوية و نافذة و مسيطرة, و ربما هذا ما يفسر قوة العلاقة و التحالف ما بين الحكومتين الحاليتين الاسرائيلية و الامريكية ..

و ربما يعتبر ( مشروع القرن الامريكي الجديد PROJECT OF NEW AMERICAN CENTURY ) واحدا من اهم المرتكزات التي تبنى عليها السياسة الامريكية الحديثة, و التي يوضح في ابعاده و مفاهيمه العامة بعض خلفيات ما حدث و يحدث في العراق و افغانستان و الباكستان و ليبيا و مصر و السودان و اليمن و سوريا, و بعض ما يواجه العالم العربي والاسلامي و ما يمكن ان يواجهه مستقبلا, و ما يخطط من دور و فعاليات لدولة اسرائيل في هذه المنطقة ..

لقد اشارت بعض اهم المبادئ و القواعد الاساسية لهذا المشروع, و الذي يشار اليه اختصارا ب PNAC الى ان : ( في الوقت الذي يشارف القرن العشرين على الانتهاء, تقف الولايات المتحدة الامريكية كونها الدولة الاقوى في العالم بلا منازع، فهي التي قادت الغرب للانتصار في الحرب الباردة, و هي الآن تواجه فرصة و تحدي جديد و مهم هو : هل تكون لدى الولايات المتحدة الامريكية الرؤية الواضحة و الخبرة للاستفادة منها في البناء على اعتاب الانجازات التي تحققت خلال العقود الماضية ..؟؟ .. و هل لدى الولايات المتحدة القدرة في بناء قرن جديد وفقا للرؤية و المصالح و المبادئ الامريكية .. ؟؟ .. ) ..

في ضوء هذه المفاهيم و المبادئ الاساسية قدم دعاة و اصحاب هذه الوثيقة ( مشروعهم ) و مفهومهم لاميركا الجديدة في القرن الجديد, الذي نعيش سنينه أو عقوده الاولى الآن ..

كان ذلك في اليوم الثالث من شهر حزيران عام 1997, حيث قدم خمسة و عشرون سياسيا و مفكرا امريكيا هذه الوثيقة التي اعدوها لتتضمن تصوراتهم و معتقداتهم, و التي بنيت في ضوء تصورات و معتقدات ( اليمين المتطرف ) ..

و ما يزيد من اهمية هذه الوثيقة, خاصة و نحن نعيش هذه الايام العديد من الاحداث و الوقائع التي ربما استلهمت و استنبطت من افكارها و مبادئها و سياساتها المقترحة حينئذ, الاهم من ذلك هو التعرف على عدد من اهم الاسماء المشاركة في اعداد و بناء هذه الوثيقة المشروع, و التعرف على المواقع التي يشغلونها الآن, للتعرف من ثم على مدى اهمية هذه الوثيقة في رسم السياسات الامريكية الجديدة لهذا القرن ( على الاقل ), و على الاقل ايضا في ظل الادارات الامريكية السابقة و الحالية التي اثبتت بما لا يدع مجالا للشك ولاءها الكامل لافكار اليمين الصهيوني المسيحي المتشدد المتطرف, و كذلك للاشارة الى ان هذه الوثيقة قد خرجت من كونها ( مشروعا ) لتكون واقعا فعليا نعيش احداثه الآن ..

اما اهم هذه الاسماء, فهي :

* جيب بوش – أخ الرئيس الامريكي جورج بوش الإبن و إبن بوش الأب
* ديك تشيني – نائب الرئيس الامريكي بوش الإبن
* دونالد رامسفيلد – وزير الدفاع الامريكي في إدارة بوش الإبن
* بول وولفووتز – نائب وزير الدفاع الامريكي في زمن بوش الإبن, و كان الشخص المسؤول و المشرف المباشر على ملف الحرب على العراق و إحتلاله و تدميره

بالطبع لا تشير هذه الوثيقة صراحة الى نيتها في بناء ( الامبراطورية الامريكية الجديدة ), او الى رغبتهم في السيطرة الامريكية على العالم, بل تحيط كل ذلك بهالة و غطاء العمل من اجل تحقيق مصالح اميركا بالدرجة الاولى, و كل شئ آخر يجب ان يزال و يسقط في مقابل تحقيق تلك المصالح, أي كان ذلك الشئ ..

و هنا يفهم جيدا, ان مصلحة اميركا ( الوطنية ) ستكون فوق مصالح اية دولة اخرى, حتى الصديقة منها ( ربما ما عدا دولة اسرائيل باعتبار ان المصالح بين اسرائيل و اميركا قد اصبحت مشتركة تقريبا و وصلت الى درجة متقدمة جدا من التعقيد و التشابك في ظل حكومتي البلدين الحاليتين و اسلوب التفكير المتشابه اللذان يعتمدانه في ادارة دفة الامور و السياسات العامة ) ..

و ربما نفهم و نشعر للوهلة الاولى ان ذلك هو حقا صرف لأي دولة, لكننا ان تعرفنا على المعنى الحقيقي لذلك, و الذي قد يمتد الى تدمير مصالح و حقوق الدول والشعوب الاخرى على حساب المصالح و المنافع المترتبة للادارة الامريكية, او بتعبير اصح الاشخاص و الشركات المسيطرة و المستفيدة من الادارة الامريكية, لعرفنا واقع الامر و صعوبته و خطورته، و هنا لا بد من الإشارة إلى موقف ترامب و تعامله مع الدولتين الأعظم و الأكبر ، روسيا و الصين، و كأنه يعمل على تصفية حسابات قديمة بينهم، بعد أن عمل رؤساء أميركان أكثر رزانة و تعقلا على بناء علاقات ودية و علاقات عمل و تعاون مع هذه الدول و غيرها ..

من المبادئ المهمة التي تتضمنها هذه الوثيقة و تؤكد عليها, هو العمل من اجل السيطرة على الاقتصاد العالمي, وذلك لضمان استمرار سيطرة الاغنياء و الشركات الكبرى المؤثرة في السياسة والاقتصاد الامريكي ..

و ربما هذا ما نراه بوضوح بالنسبة لما حصل منذ احتلال العراق, و التي تشير كل الوقائع الى ان النفط و الاقتصاد كانا يعتبران من اهم الدوافع الكامنة وراء شن هذه الحرب, و ما نراه لاحقا من احالة الكثير من مشاربع ما يسمى ب ( اعادة الاعمار ) الى عدد من الشركات العملاقة ذات العلاقة ببعض رؤوس الادارة الامريكية في حينها, كشركتي بكتل و هاليبيرتون, لأكبر دليل على تأثير هذه الوثيقة على توجهات السياسة الامريكية في حينها و ربما لحد الآن ..

و ربما نجد ذلك اليوم أكثر جرأة و قساوة و عنفا، كما نشاهد مثلا أكثر وضوحا اليوم في تعامل الأخرق ترامب مع عدد من دول الخليج و على رأسها السعودية و العمل على حلبها و تجريدها من أموالها بشكل علني مخزي و مضحك لا يليق بدولة عظمى كبرى ..

من ضمن الافكار الاخرى المهمة التي تتداولها و تناقشها هذه الوثيقة, و التي كانت قيد التداول من قبل الادارة الامريكية زمن بوش الإبن, احلال الشرعية على اعتماد الحرب الوقائية او الاستباقية كأساس في السياسة الامريكية, و ان لا يعتبر ذلك خرقا لأي من القوانين و المواثيق المحلية او الدولية ( و هذا ما نراه الآن من اعتماد الادارة الامريكية لما تسميه بالارهاب كحجة لمهاجمة و محاربة الدول و المؤسسات و الاشخاص في كل مكان ) ..

كذلك يجب السماح ببعض ( الخرق ) و التجاوزات في مجالات حقوق الانسان, خاصة ( للدول الاخرى ), اذا كان ذلك يساعد في تحقيق الغايات و الاهداف ( الامريكية )، و هذا بالذات ما نلاحظه في التعامل مع إسرائيل و مصر و بعض دول الخليج ..

كما تروج هذه الوثيقة لضرورة تبوئ الولايات المتحدة الامريكية مركز القيادة العالمية و التوجيه للسياسة الدولية بدلا مما عليه الحال بالنسبة للامم المتحدة و مجلس الأمن، و أعتقد أن ذلك يتم الآن بشكل واضح من خلال سحب البساط من تحت الكثير من المنظمات الدولية المؤثرة، و مصادرة قراراتها علنيا، و إن تمردت فيكون قطع المعونات و المصادر المالية و تجفيف الموارد ..

كذلك تشجع هذه الوثيقة على ضرورة سيطرة اميركا التامة على الفضاء الخارجي ..

من الجانب الآخر, فأن هذا المشروع يحث على ضرورة الحد من المعارضة التي توجه الى السياسات الامريكية , سواء في الداخل او الخارج, بما في ذلك ما هو موجود على مواقع الانترنيت, و ذلك من خلال سن و تشريع عدد من القوانين و التشريعات و الانظمة, و هذا ما يعتبر فعليا اجهاضا لمبادئ

الحرية و التحرر و الديمقراطية التي طالما تفاخر الامريكان بها, و التي تدعي الادارة الامريكية الحالية رغبتها في نقل هذه المفاهيم و المبادئ و نشرها في عدد من دول العالم, بضمنها عدد من دول العالم العربي و الاسلامي ( و هل يستطيع فاقد الشئ ان يعطيه ؟؟ ) ..

ان ما يثير القلق لدى العديد من دول العالم و زعاماتها تجاه السياسات الامريكية الجديدة, حتى تلك الدول التي كانت تعتبر ضمن الاصدقاء او الحلفاء, هو ان التغييرات او ( الاضرار ) ان صح التعبير التي تنتج عن هذه السياسات الجديدة معظمها ذات اثر بعيد, او مما يصعب مراجعتها و اصلاحها لاحقا او اعادتها الى وضعها الاولي ..

على سبيل المثال, ان اعطاء الادارة الامريكية نفسها الحق في غزو العراق و أفغانستان, تحت غطاء عدد من الحجج و الاعذار الواهية كان مؤشرا و تهديدا خطيرا للحاضر و المستقبل, و ليس لهذا البلد بذاته فقط, بل الى الدول و الاقطار المحيطة به ايضا ..

كما ان اعطاء الادارة الامريكية نفسها الحق في التدخل في السياسات الاقتصادية للكثير من دول العالم, سواء من خلال البنك و صندوق النقد الدوليين او منظمة التجارة الدولية, فأنها انما تحاول التأثير في اعادة تنظيم بنية الاقتصاد العالمي و دول العالم المختلفة بما يتناسب ( فقط ) مع الارادة و المصالح و السياسات الامريكية في هذا المجال ..

و ابسط مثال على ذلك, قيام الحاكم الاداري الامريكي للعراق باصدار قرارات تتعلق بتغيير البنية الاقتصادية للبلد المحتل, دون استشارة او استفتاء لابناء البلد المعنيين بالامر اساسا, و العمل على خصخصة الاقتصاد العراقي بالكامل, و اعطاء المجال للاستثمار و التملك الكامل للشركات الاجنبية, بما يضعف من سلطة البلد ( المحتل اساسا ) على اقتصاده, و امكانية تدخل الشركات الاجنبية في السياسات العامة للعراق, عندما تكون قد تمكنت من احكام سيطرتها على اقتصاديات البلد, و من ثم ربما التأثير في الجوانب السياساية و الاقتصادية للدول المجاورة ايضا, و هذا في الواقع جانب مما تقصده الادارة الامريكية من خلال خططها و رغبتها في صياغة عراق جديد يكون ( مركز اشعاع ) للدول المجاورة و مثالا يحتذى به, وكلنا يرى الآن أي ( مركز للاشعاع ) قد اصبح العراق .. ؟؟

من الجوانب الخطيرة التي تنفذ في ضوء توصيات و افكار هذا المشروع, ما يسمى بقانون ( الوطنية ) الامريكي , و الذي يتيح المجال للتدخل في الكثير من الامور و القضايا و الحقوق التي كان يتمتع بها المواطن الامريكي, و قد تعرض هذا القانون لانتقادات شديدة من قبل دعاة و حماة حقوق الانسان و الحريات المدنية و الديمقراطية داخل اميركا ذاتها ..

و وفقا لهذا القانون, اصبح المعارضين للسياسة الامريكية في الخارج و الداخل, متهمين ( بعدم الوطنية, او معاداة الامريكانية ANTI – AMERICAN ), و يحق ملاحقتهم و اعتقالهم و التحقيق معهم ..

و بذلك, فأن مفهوم الرأي والرأي الآخر اصبح منعدما او محدودا جدا في السياسية الامريكية خلال السنوات الأخيرة, و اصبحت الادارة الامريكية لا ترى العالم الا من خلال منظار ( الابيض او الاسود ), او ( الاصدقاء او الاعداء ), فلا وسط بين الاثنين, و كل من يصنف في خانة الاعداء ( لمجرد مخالفة الرأي الامريكي ) فأن كل بوابات جهنم ( الاعلامية, السياسية, الدبلوماسية, و ربما العسكرية و الحربية ايضا ) تفتح تجاهه، و كلنا نتذكر مقولات الأهوج بوش الإبن عندما قسم العالم بين صديق مؤيد و مطيع بشكل أعمى أو عدو لدود مخالف للرأي أي كان رأيه ..

و ابسط مثل على ذلك ما لاحظناه من توجهات السياسة الامريكية نحو فرنسا و المانيا فيما يتعلق بقضية العراق, و الضغوط الامريكية على كل من سوريا و مصر و ايران و السعودية و كثير من دول المنطقة ..

و من اخطر ما تتضمنه السياسات الامريكية الأخيرة المبنية كما بينا آنفا على افكار اليمين المتطرف و على مفاهيم كثيرة من مشروع القرن الامريكي , تسخيرها لأجهزة الاعلام و الدعاية المختلفة, في نشر الافكار و المفاهيم و الاكاذيب و الدعايات, بحيث باتت معظم وسائل و اجهزة الاعلام الامريكية, و من خلال سيطرة الشركات المساندة للادارة الحالية, انها اصبحت اداة طيعة بيد الادارة الامريكية لا تتمتع بأي هامش من الاستقلالية و الحيادية في اعداد و صناعة و نشر الخبر, و هو ما كانت تتمتع به و تفتخر به في الايام الخوالي، و ربما جاء المجنون ترامب ليقلب الطاولة على بعض وسائل الإعلام التي بالرغم من كل شئ و ما أشرنا إليه، يراها لا تستجيب و لا تتماشى بشكل مناسب و كافي مع توجهات و تمنيات الإدارة الأمريكية ..

و من افضل الامثلة التي تذكر في هذا المجال, دور وسائل واجهزة الاعلام الامريكية و الصهيونية و الاسرائيلية و البريطانية في الترويج لفكرة الحرب على العراق و احتلاله باختلاقها العديد من القصص و الروايات و الذرائع و الاكاذيب لخداع الرأي العام المحلي و العالمي, و لعل اشهر هذه الذرائع والاكاذيب هي قضية امتلاك العراق لاسلحة الدمار الشامل و قدرته على استخدامها و تفعيلها و اطلاقها خلال فترة ٤٥ دقيقة فقط, و التي ثبت بالدليل القاطع بطلانها بتأييد العديد من الجهات و الخبراء المختصين ، كذلك الحال بالنسبة لدور هذه الاجهزة و المؤوسسات الاعلامية في صياغة و نقل الاخبار خلال فترة الحرب على العراق و افغانستان, و كذلك بالنسبة للاخبار المتعلقة بالنزاع الفلسطيني الاسرائيلي و غيرها من الأمور المتعلقة بالمنطقة ..

مما يثير القلق العالمي ايضا و كما اشرت, ان السياسات و المفاهيم و الافكار التي تطبقها الادارات الامريكية المتتابعة، و منذ بوش الإبن تحديدا، و التي تنبع من افكار و مبادئ اليمين المتطرف, و التي تستقي العديد من سياساتها و مفاهيمها من مشروع القرن الامريكي الجديد, و التي حاولت ادارة بوش الإبن و الإدارات اللاحقة وصولا للأهوج ترامب ، تأصيلها في السياسة الامريكية بعيدة المدى, من خلال اصدار العديد من التشريعات و القوانين الجديدة, او تعديل البعض من التشريعات و القوانين الحالية القائمة, ما يثير القلق هو صعوبة اجراء التغيير و التعديل في الامد القريب للآثار و الاضرار التي ستترتب على ذلك ..

فمثلا موضوع العراق سيضل حاسما ومؤثرا, و لن يكون سهلا على أي ادارة امريكية تجاوز التخريب و التدمير الذي حصل هناك و احداث تغيير فوري و جذري و مفاجئ في السياسة الامريكية تجاه هذا الموضوع ، كذلك الحال بالنسبة لموضوع الشرق الاوسط، إسرائيل و فلسطين, و موضوع افغانستان, و الارهاب الدولي حسب التعبير و المفهوم الامريكي ..

كذلك, فأن العلاقة الوثيقة الاستراتيجية التي صاغتها ادارة بوش الإبن و إستكملها ترامب مع اسرائيل و عدد من الدول, لن يكون سهلا الخروج عنها ..

نفس الشئ يقال عن التوجهات الأمريكية نحو الامم المتحدة, و عدد من القوانين و الانظمة و الاتفاقيات الدولية ، فالادارة الأمريكية و من خلفها القوى المحافظة اليمينية الصهيونية المتطرفة,

اخذت تستخدم القوانين و الانظمة و التشريعات, سواء على الصعيد المحلي او العالمي, كأداة لترسيخ المبادئ و المفاهيم و السياسات التي تنفذها, و بالتالي لتمهيد الطريق لتنفيذ كامل برامجها و اهدافها على المدى البعيد, و كما يتضمنه المشروع او الوثيقة موضوع البحث, لضمان ديمومة و استمرار ( القرن الحالي ) أن يكون امريكيا خالصا, وفقا لمفهوم و وجهة نظر هذه الادارة او واضعي هذه الوثيقة ..

ان الاضرار التي احدثتها سياسات ادارة بوش و الإدارات اللاحقة وصولا إلى ترامب، في العديد من الجوانب, سوف لن يكون من السهل معالجتها و تقويمها على اية ادارة مستقبلية اكثر تعقلا, واكثر ايمانا بالديمقراطية و الحرية, و اكثر شعورا بالمسؤولية, و اكثر رغبة في التعاون الاممي الدولي, و اقل رغبة في السيطرة الرعناء الجوفاء، إن وجدت، نعم، إن وجدت، و أنا أشك في ذلك، لكن بالرغم من كل شئ, فأن ذلك سيبقى ممكنا و ليس مستحيلا، و أنا أجد أن أوباما كان نسبيا أكثر تعقلا و حاول جهده إحداث بعض التغيير و اللمسات المختلفة المتميزة في الإدارة، بالتأكيد هو لم يكن ملاكا و لا نبيا، لكن التيار المعاكس و المضاد الذي جلب ترامب كان أقوى و أشد منه ..

و هذا باعتقادي ما يغذي شعور الكثير من مواطني و مفكري و سياسيي دول العالم, الامل في مجئ ادارة اكثر تعقلا و توازنا, وا كثر مسؤولية, تحاول ترميم وبناء ما تهدم و تحطم, و قبل كل شئ بناء الثقة و اخلاقيات التعامل السليم على المستوى الدولي ، فقد ثبت ان التعامل بمفهوم القوة و الهيمنة و السيطرة و التسلط و الاجبار, و عدم الاحترام كلها تنم عن ضيق الافق و قصر النظر و عدم سعة الحيلة ..

و ربما يستطيع البعض من عقلاء هذا العالم لو اجتمعوا ان يضعوا اسسا اكثر عدالة و اكثر عقلانية, لعصر او قرن جديد يسوده العلم و الثقة و العدالة و المساواة و الحرية و التحرر و الديمقراطية ( لكن ليس وفقا للمفهوم الامريكي لها ) ..

ما نراه الآن في الافق يبدو قاتما بعض الشئ, خاصة مع سيادة و تعاظم قوى الشر من يمين متطرف و صهيونية و ماسونية، لكن لا بد لنا من التفاؤل و مزيد من الامل, لكي يكون هناك مزيد من العمل و الاندفاع و الحيوية و الرغبة في التغيير و الاصلاح ..

لا تعليقات

اترك رد