ملامح حداثة فنية معطوبة


 

“ليس هذا المسار محاكاة مجردة للفن المعاصر، ولا نسخة مجزأة من الآثار المترتبة على التراث الفني المعاد اكتشافه، لكنها صياغة جديدة لا تزال في مهدها أو ربما، على الأرجح وصلت إلى نهايتها.”

(خليل المرابط، Eloge de la tradition plastique marocaine)

1-

هل هذه الصياغة الجديدة حقاً في بدايتها؟ إن فكرة “البداية” لن ترضي أبدا الناقدة طوني ماريني*، التي رفضت دائما في كتاباتها وتدخلاتها فكرة “الولادة” أو “التصوير الناشئ”. ففي عام 1960، سبق للكاتب غاستون ديهل Gaston Diehl (1912-1999) أن نشر سلسلة من الدراسات، على شكل منوغرافيا، لفنانين مغاربة، احتفالا بميلاد “التصوير المغربي الناشئ”. بعد ذلك، عام 1964، كتب ميشيل راغون Michel Ragon (1924-): “الفن المغربي ولد لتوه”. موازاة مع هذا كله كان هناك أيضا حديث عن ولادة طفل، من خلاله “المغرب يعيد اكتشاف هويته”. ويؤكد ميشال راغون في مناسبة أخرى أن الرسامين المغاربة يجب أن يبدأوا من الصفر، طالما أن فنونهم لا تعدو كونها زخرفة تقليدية لا ترقى إلى الفن العالمي. (كل هذا من “كتابات الفن” لطوني ماريني).

ترى طوني ماريني أن تاريخ التجربة التشكيلية المغربية ترتبط بأصول محلية متجذرة في التاريخ. “تاريخ مضمر، يبدو خلاله الحس التصويري خَدِر أو محتجب، يظهر بطريقة أخرى أو يتابع، جوفيا، مساره (…) فلن تكون هناك إذن ولادة مدهشة و”عذراء” عن طريق زرع خارجي للتصوير المغربي، ولكن بالأحرى، متجذرا في عمق “الدبال” الشامل للأمة وتطور تاريخها “(1).

يمكن للمرء أن يتساءل، إلى جانب طوني ماريني عن هوية هذا التاريخ الفني المغربي، والذي بحسبها، “يشكل كل شيء بدءا من عصور ما قبل التاريخ إلى فنون هذا القرن ويفضي إلى وعي بمعناه الخاص وبمنطقه التاريخي؟”

هل حقا يشكل تاريخ التصوير المغربي كلا متجانسا، يبدأ رسم خرائطه الأولى مع حقب ما قبل التاريخ ليتمدد بوعي إلى الفنون المعاصرة؟

أي الآثار الفنية المعاصرة تبرر هذا التمدد التكتني؟ أي من الفنانين المحليين أو العرب عامة يستشهد به لتعاقب هذا المسار التاريخي؟ تعجبني كثيرا هذه المصطلحات الخاصة بالجغرافيا ورسم الخرائط التي أصبح يستخدمها العديد من الكتاب في مُتنهم النقدية عن التصوير المغربي. فلها دلالتها الخاصة، إذ تعكس الوضع الحرج الذي يعيشه الإبداع التشكيلي المحلي. أعجبت كثيرا حين قراءتي لكاتب مغربي يحلل الوضع الحرج هذا وهو يقفز بين خرائط أطلس التصوير المغربي. إن هذه المقاربة الجديدة التي اعتمدها النقاد خلال السنوات الأخيرة

توضح بوعي فكرة “الجزر” المتباعدة، التي أشار إليها المفكر محمد عابد الجابري في نقده للعقل العربي.

إذا كان التصوير المغربي يعيش حالة تشظي ليتأسس على شكل “جزر” معزولة عن بعضها، فكيف يتحق لتاريخه الفني أن يعرف تمددا دياكرونيا سالما؟

لإضفاء الشرعية على أطروحتها تبنت طوني مارايني فكرة الناقد الألماني رودولف ارنهييم Rudolf Arnheim (1904-2007)، الذي يرى أن “الفن الحديث يعد تتويجا لتطور تاريخي طويل، وأن الوعي بهذا الماضي المتعدد يساهم في دلالته. (2) وتتابع: “لا يوجد سبب لعدم قبول حقائق مماثلة عن المغرب” (3)

إنها مقارنة بعيدة عن الشرعية! من الواضح وضوح الشمس أن التاريخ الفكري والفني للمغرب لا يمكن أن يكون مساوياً لتاريخ أوروبا. كيف يمكن مقارنة عقل مهيمِن ومستقر ومستمر بآخر مسيطَر عليه وغير ثابت ومفتت يجرجر وراءه تاريخا ممزقا؟

2-

لا غرو أن الوزارة الوصية لها حقها فيما آلت إليه وضعية الفن التشكيلي بالمغرب جراء الوضع الحرج المتأزم، فيلاحظ تثمينها للرداءة، ودعمها لنشاطات البهرجة، وتحيزها لوجوه دون أخرى، حيث نفس الأشخاص يتعاقبون على تمثيل المغرب في مناسبات وطنية ودولية: معارض، بيناليات … وتمنح أروقة العرض الوطنية حسب مقياس (عرفتني/عرفتك) وليس طبقا لمعايير الجودة والإبداع والتاريخ الفني للمترشح. ويلاحظ تراجع ملموس في أنشطة الأروقة الوطنية التابعة للمؤسسة الوصية: باب الرواح بالرباط ورواق أحمد الشرقاوي الذي أغلق بالتمام وقاعات أخرى مماثلة… نفس الأشخاص يحتلون باستمرار تشكيلة لجان الدعم والاختيار، مما يؤثر بشكل سلبي على سير الأنشطة الفنية ومِنَح الدعم، أضف إلى هذا أن بطاقة الفنان تبقى قطعة عفا عليها الزمن إذ لا جدوى من حملها ولا الإدلاء بها كما هو معهود به في الغرب.

3-

تتقاسم أروقة العرض الخاصة المسؤولية مع المؤسسة الرسمية، مما يعدها طرفا مساهما في أزمة الفن التشكيلي. فلم يعد الرواق يلعب دوره التثقيفي ولا حتى الترويجي لتعزيز مكانة الفنان وحضوره وطنيا ودوليا، كما كان عليه الوضع من قبل، خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي. لقد ظهرت ملامح أزمة الرواق واختناق نشاطاته مع نهاية الثمانينات، فلم يعد السعي وراء اكتشاف مواهب جديدة وواعدة يشكل إحدى مبررات وجود صالة العرض، وحين يتم الاكتشاف يتوج بالتضييق والعرقلة مما يقبر الموهبة في مهدها. وهناك شواهد من فنانين أنهوا عقودهم مع صالات العرض، ومن بقي ممتثلا لإملاءاتها سقط ضحية التكرار والاجترار.

عرف تاريخ التصوير الحديث بالمغرب اثنين من صالات العرض، حقيقية، كانت أهدافها واضحة ودقيقة، يحتل الجانب المركانتلي محطة ثانوية في مشارعها. أنا لا أقصد هنا أن على الرواق أن يشتغل وينشط دون التفكير في الربح المادي.

أسست بولين دومازيير رواق المعمل l’Atelier بالرباط عام 1971 (تحول هذا الفضاء التاريخي إلى مقهى أراده صاحبه قريبا من الفن فسماه مقهى بيكاسو). يعتبر هذا الرواق “مؤسسة فنية خاصة، ليس فقط في المغرب بل في العالم العربي بشكل عام. فخلال عشرين عامًا من وجودها، ومع تنظيم مائة معرض فردي أو جماعي، أظهر (الرواق) أكثر من تسعين فنانًا “(L’Opinion of 8/11/2013). جلهم أصبحوا من أبرز النشطين على مدى تاريخ الحركة التشكيلية المغربية أمثال: المليحي وشبعة وبلكاهية والشعيبية ولكلاوي والقاسمي وربيع وغيرهم. بجانب هؤلاء عرض الرواق أعمال كل من أدم حنين وضياء العزاوي والزندرودي ونجا المهداوي وآخرون من أوروبا وأمريكي وآسيا.

في الوقت الذي كانت اللوحة الفلكلورية المجترة للتصوير الواقعي المتآكل، بجانب الرسم الفطري والصباغة ذات الأساليب ما بعد استشراقية، هي المهيمنة على أطراف المشهد التشكيلي والقابضة على أذهان المهتمين والمتتبعين من الطبقة البرجوازية، طفى على السطح حراك قاعة المعمل للعروض الفنية تحد مشاريعه ذائقة جمالية طموحة، عمدت في كثير من الأحيان في اختياراتها الفنية إلى تفضيل الفنانين الشباب الحداثيين، الذين مالوا نحو التجريد بشطريه الهندسي والغنائي، والتراكيب اللاشكلية، والتكوينات ذات الأبعاد السردية.

تم تأسيس رواق Nadar في عام 1974 بالدار البيضاء، من قبل ليلى فراوي، التي التزمت بتنفيذ مشروعها الفني لأكثر من أربعين عامًا، تشجع الفنانين الشباب آنذاك وتروج للفن التصويري الذي كان في مهده. وكمثال على التعاون، تصرح مديرة الرواق أن الفنان “محمد القاسمي (1942-2003)، جاء من مكناس مع لوحاته ممتطٍ القطار. كان ينام معنا في المنزل، وأخذت سيارتي، ورافقته إلى مكناس لجلب اللوحات التي لا يستطيع هو نقلها. فعلت نفس الشيء مع محمد الدريسي (1946-2003). لقد كان هناك تعاون مخلص مع الفنانين “. (4)

مع بداية التسعينات لم تعد الأمور كما كانت عليه في السابق… اضمحل عامل الثقة بين الفنان وصاحب الرواق، وكثر الهرج، وتميعت الأنشطة الفنية إلى درجة التدجين، وارتقت العملة على الأخلاق، وباتت ملامح الإبداع تكسف لتبزغ طلائع فجر تميز بتكرار واجترار أساليب فنية وسمت حقبة أوج الحداثة الفنية: تخِم المشهد الفني بألوان التجريد، حتى أصبح الأسلوب معيارا للفنان الجيد. تفاقم داء الحروفية والرموز والأوشام والمواد المطبخية، بدعوى إثبات الهوية الحضارية والاختلاف عن الآخر وتأصيل المنجز التشكيلي. وقد لعب التعليم الفني دورا كبيرا وخطيرا في انحراف مسار الحركة التشكيلية عن سكته، كما أضحت اليوم، التجمعات والمهرجانات تشوش على الأنظار حتى اعتقد من ارتادها أنها منفذ الخلاص.

هوامش:

* طوني ماريني كاتبة وشاعرة ومؤرخة فن، ولدت عام 1941 في طوكيو (اليابان). كان لها الفضل في مصاحبة فناني الحداثة الفنية (جماعة 65).

1- Toni Maraini, Ecrits sur l’art, Ed. Le Fennec, Casablanca, 2014.

2- Idem.

3- Idem.

لا تعليقات

اترك رد