تجريف التاريخ


 

في الثامن و العشرين من حزيران 1914 وقف الشاب الصربي غافرييلو برنتسيب قرب جسر صغير على نهر ملياتسكا وسط سراييفو بانتظار موكب فرانسوا فرديناند وريث عرش إمبراطورية النمسا و المجر التي كانت البوسنة و الهرسك ضمن مستعمراتها و أطلق النارعليه فأرداه و زوجته قتيلين لتشتعل الحرب العالمية الأولى . و خلال أكثر من مائة عام على الحادثة تباينت وجهات نظر مواطني البوسنة و الهرسك إحدى جمهوريات يوغسلافيا السابقة ( عاصمتها سراييفو ) تجاه عملية الإغتيال بين من يفتخر بها و يعتبرها عملاً بطولياً و من يدينها و يعتبرها من الأعمال الإرهابية ، في الحقبة التيتوية أقيم لبرنتسب تمثال من البرونز و سمي الجسر باسمه فيما طبع موقع أقدام الشاب الصربي على الرصيف الذي وقف عليه لحظة إطلاق النار كشاهد تاريخي وكان المسؤولون الرسميون يصطحبون الزوار الرسميين لزيارة موقع الحادثة . عام 2005 زرت المدينة التي تخرجت من إحدى جامعاتها بعد عشرين سنة على فراقها و قد تحللت جمهوريات يوغسلافيا المتحدة فدرالياً إلى مكوناتها القومية و زرت نقابة الصحفيين والتقيت بعدد من الأصدقاء القدامى و أجريت معهم حوارات طويلة و من بين ما سألتهم عنه : ماذا حل بتمثال غافرييلو ؟ قالوا مازال موجوداً لكنه لم يعد محجاً للزوار ! لم يفتني أن أسأل عن تمثال المارشال تيتو ، قالوا أن تمثاله مازال منتصباً في مدخل المعسكر الذي حمل اسمه مذ كان رئيساً ليوغسلافيا و أن محبيه مازالوا يحملون الزهور ليضعوها تحت قدمي تمثاله يوم الخامس و العشرين من مايس من كل عام و هو يوم مولده الذي كان عيداً رسمياً قبل ” السقوط ” و مازال الشارع الرئيسي في المدينة يحمل اسمه . أما محبوا الزعيم البوسني علي عزت بيكوفيتش أول رئيس لدولة البوسنة والهرسك المستقلة 1992 فيحتفلون بذكرى ميلاده في الثامن آب من كل عام بوضع الزهور على قبر الرئيس المتوفى عام 2003

في روسيا يحيي أعضاء الحزب الشيوعي الروسي كل عام ذكرى جوزيف ستالين في الساحة الحمراء وسط موسكو ويضعون الزهور على قبره الواقع خلف ضريح لينين ، و هو ستالين الذي إذا ذكر ذكرت الديكتاتورية والذي أزهقت خلال العشرين سنة التي حكم خلالها الاتحاد السوفيتي السابق ملايين الأرواح ، لكن الشيوعيين ينظرون إلى الجانب الآخر من حياته حيث يرون أنه حول روسيا من دولة رجعية إلى قوة عظمى وساهم في هزيمة النازية .

الأمثلة كثيرة ، في كل بلدان العالم تحدث تغييرات ، تبيد أنظمة حكم وتسود أخرى لكن الشواهد التاريخية و الرموز الوطنية كالعلم و النشيد الوطني و غيرها لا تتغير ، مواقفنا من الأنظمة بائدها و سائدها لا يجب أن يكون لهاعلاقة بالموضوع . لكن ما الذي يحدث في دولنا العربية ؟

في البحرين اتخذ المتظاهرون عام 2011 من دوار اللؤلؤة منطلقاً لهم مثلما يتخذ العراقيون من ساحة التحرير و المصريون من ميدان التحرير مثابة للإحتجاج فردت الحكومة بإزالة نصب اللؤلؤة ” لإزالة صفحة غير سارة في تاريخ البلاد ” لكنها من حيث تدري أو لا تدري أزالت رمزاً لوحدة دول مجلس التعاون الخليجي حيث يرمز النصب الذي أنشئ في بداية الثمانينيات من القرن الماضي و يتألف من ستة أضلاع تستند إلى بعضها البعض ، تمثل دول مجلس التعاون الخليجي و تعلوه لؤلؤة تمثل البحرين درة الخليج العربي ، يرمز إلى وحدة هذه الدول .

في العراق أزيلت بعد 2003 العشرات من النصب و التماثيل من بينها على سبيل المثال لا الحصر نصب ثورة العشرين الذي يخلد الثورة ضد الاستعمار الانكليزي في محافظة النجف إحدى معاقل تلك الثورة ! و أزيلت تماثيل قادة ثورة مايس 1941 في بغداد و تمثال رئيس الوزراء الراحل رشيد عالي الكيلاني و نصب شهداء البسيتين في ساحة المستنصرية و الذي يحاكي قصة اعدام مئات الاسرى العراقيين بعد معركة البسيتين في الحرب العراقية الإيرانية و نصب المقاتل العراقي في الباب المعظم الذي صممه و نفذه فنان إيطالي و الذي يرمز لبطولة الجندي العراقي و جدارية الجسر المعلق التي تروي تظافر جهود أبناء البلد لاعادة إعماره بعد الدمار الكبير الذي حل به بعد عدوان التحالف 1991 ، أما نصب الشهيد و هو تحفة فنية و معمارية فريدة و يكفي إسمه للدلالة على رمزيته فتجري اليوم الاستعدادات لتسليمه إلى ” مستثمر ” بدعوى الصيانة لعجز مؤسسة الشهداء التي آل لها النصب عن القيام بهذه المهمة و من تجربتنا مع المستثمرين في أكثر من مكان نستطيع تخيل شكل دكاكين الباجة و جوبات الغنم و أحواض السمك التي ستحيط بالنصب ليتمكن المستثمر من خلالها استعادة أمواله .

من قد يتحمس لإزالة نصب ثورة العشرين الذي يرمز لكفاح شعب ضد المستعمر ؟

من قد يتحمس لإزالة نصب يرمز لشجاعة الجندي العراقي وقد خلا من أي إشارة لنظام ما أو لحقبة زمنية بعينها ؟

هل أنتم متأكدون أن داعش قام بتجريف آثار الموصل لتعارضها مع عقيدته الدينية أم لمسخ هوية و تاريخ حضارة نفتخر جميعاً بانتسابنا إليها ؟

المقال السابقملامح حداثة فنية معطوبة
المقال التالىالانتخابات التشريعية العراقية .. لنرسم المستقبل
عماد عبود عباس كاتب عراقي عضو عامل في نقابة الصحفيين العراقيين 1974 وعضو اتحاد الصحفيين العرب و الاتحاد الدولي للصحافة İFJ اكمل دراسته في جامعة سراييفو في يوغسلافيا السابقة عمل في مجال الاعلام مدير تحرير و مذيعا و منتج برامج، يكتب العمود الصحفي و المقالة في عدد من الصحف و المواقع الالكترونية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد