فنان الشعب يوسف العاني .. رجل لكل العصور


 

هكذا قيل عنه ربما مديحا ,أو حسدا ,أو تندّرا ,أو غير ذلك ,وأنا هنا لا أريد ان أثبت اي من هذه الصفات أوالاسماء ,لكنني اريد ان أقول ان يوسف العاني ليس اسم بسيط يمكن ان يمر مرور الكرام ,فهو ممثل ,وكاتب مسرحي ,وكاتب سيناريو ,ومخرج ,وناقد ,ومؤلف مهم جدا واسمه لايمكن تجاوزه ابدا ,ولا تأريخه الادبي والفني والابداعي.يقولالدكتور ثامر مهدي ان جورج سادول حينما كتب تأريخ السينما في العالم اتصل بيوسف العاني ليسجّل عنه تاريخ السينما في العراق, وكتب ماكتب نتيجة حواره معه,سمعت ذلك في محاضرة للدكتور ثامر مهدي ثمانينات القرن الماضي في أكاديمية الفنون الجميلة .اذن هو تأريخ شئنا أم ابينا ,وهو حاضر فينا ألان, حتى بعد ان توقف عن الكتابة للمسرح و للتلفزيون وللسينما أواسط التسعينات ,لأن فنّه استطاع ان يترسّخ في عقول المهتمين في الفن والثقافة رغم الاشكالات الكثيرة التي يشكلها البعض عن حياته السياسية ,والاوصاف الكثيرة التي تظهر هنا وهناك منذ ان كان طالبا في كلية الحقوق, ومعهد الفنون الجميلة وفصله منه قبل ان يكمل مرحلته الاخيرة ,ومن ثم التقائه بالزعيم عبد الكريم قاسم في محل( شريف حداد) لرشيد مطلك , وقيام ثورة 14 تموز وتعينه كأول مدير عام لمصلحة السينما والمسرح ,ومن ثم تكررت اللقاءات مع الزعيم حسب مايذكر يوسف العاني في لقاءات كثيرة له .وكان قد خرج من دورة المفصولين السياسيين في معسكر السعدية التي لم يخرج منها قبل ان يعمل أكثر من عرض مسرحي, مثل مسرحية (ثورة بيدبا),ومسرحية (جبر خاطر قيس) .وكان الشاعر مظفر النوّاب احد المساهمين في رسومات هذه الاعمال وديكوراتها .ثم كان في معسكر ابو غريب الذي عمل فيه مسرحية (مسمار جحا ,وماكو شغل ) وتم اخلاء سبيله بسبب هاتين المسرحيتين كما يقول هو . تأريخ شائك لايمكن التغاضي عنه تماما لان يوسف يتحدث عنه بصوت مسموع, لكنه لايجيب عن بعض الاسئلة التي تخص حقيقة انتماءاته السياسية’, اذكر. ذلك لان العاني لم يترك مناسبة أو مكان دون ان يستغلّها في عمل ,أو مفردة لعمل ,أو مكان لعرض لأحد أعماله المهمة كتابة واخراج ,وتمثيل.

اهتم العاني كثيرا بالاتجاه الواقعي في كتاباته المسرحية بالرغم من انه قارىء ومتابع ممتاز لكل التطورات التي تجري في عالم الفن والمسرح الذي يأتي من أولى اهتماماته .كما حاول ان يدخل مضمار هموم ومعانات الفئات المسحوقة من المجتمع العراقي ,وقدّم في اعماله تمجيدا للشخصيات الوطنية بالطرح المباشر أو الغير مباشر ,وما شخصية دعبول في مسرحيته المهمة (الشريعة ) الاّ أنموذجاللحالتين معا ,فشخصية دعبول البلّام الذي يسعى ان يدخل الى السجن, ليجالس الوطنيين, فيقوم بسب الحكومة علنا كي يتحقق مايريد, وغيرها من الشخصيات المهمّة .وكان يستخدم الاسلوب الساخر كي يصل الى المتلقي ويبتعد عن الرقابة التي غالبا مايتخلّصمنها بطريقة لايستطيعها الكثيرون ,ولا يجيدها اياّ كان .كان ذلك منذ ان كان طالبا في كلية الحقوق عام 1944 حينما أسس جمعية (جبر الخواطر ) مع مجموعة من زملائه ,وهي الجمعية التي اهتمت بنقد الواقع خارج الكلية .وأستمر على هذا المنوال في تفكيره الفني والحياتي الى أن طرح بعضا مما يفكّر فيه في أول عمل احترافي له هو (طبيب يداوي الناس ) عام 1948. وفي هذا العمل ركّز العاني اهتماماته من خلال بنية العرض التي تستند على الفكرة الموزّعة على الشخصيات الشعبية التي يجيد صناعتها, كما يجيد صناعة العلاقات التي تربطها ببعض, ووسيلته لذلك هي المفردة الشعبية الذكية المختارة من البيئة التي اقتنص منها الفكرة بذكاء حاد ,وحسن البناء الذي اكتسبه من اهتماماته القصصية والمسرحية العالمية ,ومتابعاته للبيئة التي حفظ منها كل صغيرة وكبيرة ,فاختار منها ارقّها وأكثرها طرافة وتأثيرا على المجتمع البغدادي الذي يبحث عن الطرافة والحوار الساخر الناقد الذكي الواضح دون الحاجة الى التفكير فيه كثيرا .اكتسب العاني ذلك من خلال اقترابه من الناس في البيئة التي نشأ فيها (سوق حماده) التي تتميز بأصالة ابناءها والتزامهم بقيم واصول الشخصية البغدادية التي تهتم بالسياسة بقدر اهتمامها بقيمها وتقاليدها الخاصة .واصل العاني نفس الاهتمامات في نصوصه اللاحقة فكتب (في مكتب محامي ,محمي نايلون ,محامي زهكان)كان ذلك في عام 1949 محاولا ان يمزج دراسته في الحقوق وتأثيراتها على البيئة التي استوعبها وأحبّها .بعد ذلك كتب مسرحية (جبر الخواطر قيس)عام 1950 وهي اخر مسرحية كتبها وهو طالب في كلية الحقوق .في هذه الفترة حاول العاني ان يجرّب الانواع المسرحية قبل ان يلج خانة الاساليب فجرّب المسرحية من فصل واحد ,والمسرحية من عدة فصول,والمونودراما ,كذلك تواصل مع اهماماته بالشخصية الشعبية التي تتداولها الالسن في المقهى وفي السوق والبيوت والتي لها خصوصية وأثر وتأثير وصفات يعيبها البعض,فكانت مسرحيات مثل (القمرجية ) وهي اول مسرحية من فصل واحد كتبها العاني ,ومسرحية (مع الحشّاشة ).


وبعد ان تخرّج العاني كتب واحدة من اهم مسرحياته الشعبية الا وهي مسرحية (راس الشليلة)عام 1950 .ثم كتب أول مسرحية مونودراما في العراق وهي مسرحية (مجنون يتحدى القدر ) وذلك عام 1951 .ثم توالت مسرحياته التي تعتمد على الدقة في اختيار العنوان ,والالتزام بكل ما يشمل العنوان من خصوصية واحداث مختارة تمتاز بالطرافة والاهمية المجتمعية التي تمس البيئة وفق وجهة نظر سياسية تحاكي التطورات السياسية في البلد, ومحاكات لاحداث العرب القومية المهمة من الاحلاف والعدوان وحروب فلسطين, حتى تكاد لاتخلو مسرحية من مسرحياته من تلكالاشارات التي يبتغي منها محاكات الوجدان العراقي, قبل ان تكون موجهة للمجتمع العربي وهذا مايفسّر سبب انتشار مسرحياته ضمن بيئة محدودة وهي البيئة العراقية دون انتشارها قوميا وعربيا بذات التأثير والقيمة .

ذاع صيت يوسف العاني وبات اسمه مرادفا قويا لاسماء مسرحياته التي يرددها عشّاق الفن والثقافة ,فكانت مسرحيات (تؤمر بيك,موخوش عيشه)1952 ,و(لو بسراجين لو بظلمة,حرمل وحبة سودة )1954,ثم (فلوس الدوة,أكبادنا ,ست دراهم )1955,و(على حساب من ؟) ومسرحية(جحا والحمامة) وهي مسرحية بانتومايم قدّمها العاني في موسكو ضمن مهرجان الشبيبة عام 1957 وحينها اخذت الاهتمامات السياسية من العاني مأخذا كبيرا اذ بدأت اعماله تحاكي اهتماماته الكبيرة تلك خاصة بعد ان قضى عاما كاملا متنقلا بين الاتحاد السوفيتي سابقا وتشيكوسلوفاكيا وألمانيا الديمقراطية وقضّى اشهرا في مسارح فيينا وبان تأثير هذه الجولة واضحا في منجز العاني المسرحي وتأثره بالمسرح السياسي, و بالمسرح الملحمي لدى بريخت, وتمثّل ذلك في مسرحيات (المفتاح, والخرابة, والشريعة, والخان ). عاد من جولته الاوربية ليصبح مديرا للبرامج في مديرية الاذاعة والتلفزيون بعد ثورة تموز عام 1958,وكتب في هذا التاريخ واحدة من مسرحياته المهمة (اني امك ياشاكر) .بعد تأسيس التلفزيون في العراق وريادته في ذلك اهتم العاني بذلك وحرص على ان يتم تقديم بعض اعماله في التلفزيون وحدث ان تحولت مسرحيته (عمر جديد )التي كتبها عام 1959 الى تمثيلية باسم (ليطة ) اخرجها خليل شوقي عام 1962 ثم اعاد اخراجها كارلوهارتيون عام 1968 .

من أهم الخطوات المسرحية التي قام فيها العاني هي تأسيس فرقة المسرح الفن الحديث مع الفنان ابراهيم جلال وبعض اصدقائهم في 3 ابريل /نيسان 1952 واستمراره في مد هذه المسرحية بنصوصة المؤثّرة وقيامه بالتمثيل في أهم عروضها .شارك يوسف العاني ممثلا في الكثير من العروض التي لم يكتب نصوصها وكان في كل مسرحية من تلك المسرحيات يعيش الشخصية التي يمثّلها وكأنه هو من قام بكتابتها فيجسّدها ويجعلها متميزة ويضيف لها من عندياته صفات حياتية دون ان يخرج عن روحها التي كتبت من اجلها .من هذه المسرحيات (مسمار جحا ,تموز يقرع الناقوس ,النخله والجيران ,ولاية بعير ,البيك والسايق ,بغداد الازل بين الجد والهزل ,القران ,مجالس التراث ,الليلة البغدادية ,مع الملا عبود الكرخي ,الانسان الطيب ,الباب القديم ,عمارة ابو سعيد ).وفي السينما لايزال اثره باقيا وزاهيا في فيلم (سعيد افندي ) اخراج كاميران حسني ,كما قام بكتابة قصة وسيناريو وحوار فيلم (ابو هيله ) اخراج محمد شكري جميل ,وكتب فيلم (وداعا يالبنان )1966,ومثل في فيلم (المنعطف)اخراج جعفر علي ,ومثّل ايضا في فيلم (المسألة الكبرى ),وفي فيلم (اليوم السادس )ليوسف شاهين ,وفيلم (بابل حبيبتي )لفيصل الياسري .وفيلم (في ليلة سفر )لبسام الوردي .في التلفزيون كانت اول مشاركة له حينما شارك في كتابة برنامج (شعبنا)عم 1959 ,و(بنات هالوكت ,واحد اثنين ثلاثه)اخراج خليل شوقي ,و(ناس من طرفنا,سطور على ورقة بيضاء ,عبود يغني وعبو لا يغني)اخراج ابراهيم عبد الجليل. كتب ومثل في تمثيليات مهمة جدا منها (رائحة القهوة ,ثابت افندي ,عزف على العود المنفرد ,بطاقة يانصيب ,الربح والحب ,يوميات محلّة ,بلابل ,). كما شارك بالتمثيل في مسلسلات (الايام العصيبة ,الهاجس ,هو والحقيقة ,الحضارة الاسلامية ,داود الانطاكي ,الانحراف ,الجرح,حكايات المدن الثلاث ج1وج2,احفاد نعمان ) .وله مسرحيات منشورة مثل (الشليك,مسرحياتي ج1 وج2 ,مسرحية الخرابة ,عشر مسرحيات ليوسف العاني,خمس مسرحيات قصيرة ,المكوك ) وكتب كتب (بين المسرح والسينما ,افلام العالم من اجل السلام ,هوليود بلا رتوش ,التجربة المسرحية معايشة وحكايات ,سيناريو لم اكتبه ,المسرح بين الحديث والحدث ,شخوص في ذاكرتي).حصل على اكثر من 28 جائزة ,و8 شهادات تقديرية مهمة,وحضر 64 مؤتمرا كبيرا عالميا .من أهم الاحداث في حياته تقديمه لمسرحية (اني امك ياشاكر ,ووفاة صديقه الفنان جعفر السعدي ,اللقاء مع زوجة بريشت في المانيا , عرض مسرحية البيك والسايق في مصر ,ولحظة تسميته بفنان الشعب من قبل الجمهور المسرحي ,واصدار كتاب يوسف العاني فنان الشعب تأليف الدكتور حمدي التكمجي )واخرى كثيرة .اهم المناصب التي تبوأها اضافة الى ماذكرته (رئيس هيئة تحكيم في عدة مهرجانات عالمية ,رئيس فرقة المسرح الفن الحديث ,السكرتير العام للمسرح العراقي ,عضو اللجنة التنفيذية للمركز العالمي للمسرح,رئيس لهيئة تحكيم مهرجان التمثيلية التلفزيونية في تونس 1981 ,عضو لجنة تحكيم مهرجان الشباب السينمائي في دمشق عالم 1972.ومراكز كبيرة مهمة ,وأحداث كثيرة لايكفيها مقال واحد .

ولد فنان الشعب يوسف العاني كما يقول هو على سطح مكشوف قرب نخلة بربن في الفلوجة بتاريخ غير ثابت, لكن يقال انه يوم 1 يوليو عام1927 ,وقبل ان يتوفّاه الله بأيام وفي لقاء متلفز قال له مقدّم البرنامج :بيكاسو يقول انا طفل بالتسعين .ماذا تقول انت ؟ قال العاني مايعني (ذلك ان وصلت التسعين ) توفي العاني قبل ان يبلغ التسعين بأشهر .رحم الله فنّانا كبيرا وانسانا ورجلا لكل العصور يعرف كيف يكتم اسراره, وكيف يعيش, وكيف يعمل ,وكيف ..وكيف .انه الذي يذكر اسمه في كل سطر يقوله ويكتبه ..وبعد.

لا تعليقات

اترك رد