فادية عفاش ، تحول أشياءها إلى صياغات إدراكية


 

” الفن شكل من أشكال الثورة ……، … عندما تحس بأنك عاجز على التغيير ، على تغيير أي شيء من الواقع عليك باللون فهو أداتك في هذا التغيير .. بالحب نتغلب على الحرب ”
مقولات قالتها الفنانة التشكيلية فادية عفاش و هي تكاد تكون بوصلتها في هذا العالم التعيس ( كعظمة في فم كلب ) ، فإذا كانت ترسم كشكل من أشكال العلاج النفسي لذاتها و ما أصابها من نخر قادم من نخر البلاد ، إشارة جميلة بأنها تدرك تماماً أين تقف و هذا بحد ذاته نعمة كبيرة ، فهي لم تخسر نفسها بعد كإنسان كما خسر الكثيرون ذواتهم ، إشارة إلى أن عفاش تملك عيناً ثالثة بها ترى الوثنيات و هي تسقط و تفعل المستحيل لتسقط معها الشعوب و الإنسان .


و قبل فترة زمنية ليست بعيدة أضربت عن الطعام مع زوجها الفنان جهاد عبدو تعبيراً عن موقفهما مما يجري في البلاد و داعين لوقف الحرب وبأن ما يجري تجاوزت كارثته و خسائره خسارة الحربين العالميين الأولى و الثانية ، حتى حينما حاولت زوجها ثنيها على كسر الإضراب قالت بعفوية إنسانة رقراقة : ” أنا مو أحسن من أهل الغوطة اللي عم يأكلوا أوراق الشجر ”

التي تحمل هذه الأحاسيس و تلجأ إلى الريشة و اللون فلا بد أن تحمل ريشتها هذا الوجع الكبير الذي يعانيه البلاد من شماله إلى جنوبه ، و من شرقه إلى غربه ، فالجرح واحد ، و لهذا بمقاربة أولية لأعمالها لن نتفاجأ بعناوينها : نزوح ، المنزل ، الموسيقار ( قصة مالك الجندلي مع الأمن السوري ) ، الطفل الذي في الداخل ، رؤيا ، الأم ، ملموس ، تحول ، كرسي ، تحت القصف ، حفرة سوداء ، إستجواب ، حرية و بس ، جريمة الشرف …… إلخ ،

فكلها مؤشرات لدواخلها و هي تعيش البلاد بكل وجعها و تعبها ، بكل طعناتها و دمارها ، و عناوين لمساراتها و وقائعها ، و لأحاسيسها كشكل من أشكال الإنتقاء الذي يحدد دوائرها التأويلية بما فيها تلك الدائرة التي ترسمها عفاش كعلاقة ما بين الإنسان و محيطه ، هذا المحيط الذي يتحول إلى فعل هدام له و لخصوبته و هذا باد في جل موضوعاتها الديناميكية بإعتبارها موضوعات تنتمي بمفرداتها و و بتفاصيلها إلى نسق من القيم تشتغل عليها عفاش و تصنفها كظواهر يمكن تحديد المتحول منها من الثابت ، و هذا يعود تبعاً للمحور الذي تعمل عليه عفاش و عليه تُمارس نشاطها منطلقة من إدراكها لتحديد سيرورتها كحصيلة إستدلالية ، حصيلة أشبه بما سرده ريجيس دوبريه ” طلب إمبراطور صيني من كبير الرسامين في القصر أن يمحو صورة الشلال المرسومة على الجدار ، لأن هدير المياه كان يمنعه من النوم ” .


فادية عفاش منذ أن وعت رفضت العنف الذي يمارس في المجتمع بكل أشكاله و لهذا كان لا بد لها أن تقف مع الحراك حين مورس بحقه العنف بأشد وجوهه ، فكانت ريشتها تغمس بموقفها لتندد بقوة بالعنف الذي تعاملت الأجهزة الأمنية مع التظاهرات ، و حين غاصت البلاد ببرك الدم و بأن ما يجري سلسلة هزلية لم يبق فيها قيمة للإنسان لازمتها كآبة أبعدتها عن الرسم لفترة زمنية ، لتعود فيما بعد و بإرادة تعترف بالجرح العميق وبأن الريشة أقوى من البارود ، عادت لتحول الأحداث إلى لوحات هي بمثابة شهادات عن الوجع السوري ، شهادات تخضع لمفاهيم جمالية تنتج بدورها عن إختلاطات و تدرجات لونية تحولها إلى عجينة متماسكة هي على علاقة بفضاء محدود ،

فغالباً تخضع عفاش عملها لنسبة ما من النصوع حيث الإضاءة و الإشراق في حالة تجانس يصعب تصنيف كل منها على حدا ، فظواهرها اللونية تتباين حسب حالتها النفسية ، و هنا التعبير يكون ملموساً و كأنها تصر على إعلاء شأن الإنسان ، و هذا ما يجعلها تحرر أعمالها من الرموز و الإيحاءات و كأنها تؤكد على مقولتها : ” علينا البحث في داخلنا و الكشف عن طاقاتنا الهائلة لأن سعادتنا المطلقة تكمن في إكتشاف ذاتنا ، و نحن لسنا بحاجة إلى أكثر من الإيمان بأنفسنا لأن أية لوحة هي جزء من شخصيتنا .

” أي أننا لا يمكن أن نفصل بين دواخلها و موقفها و ريشتها ، فهي مبللة بهم جميعاً ، و على صلة إلى حد التداخل لا التماس فيما بينها ، و هذا ما يرسم الأثر في تطور عملها الفني معتمدة على السعي إلى طرح الأسئلة و بأن الحياة تستحق أن تعاش و بأن صوت الحب أعلى من كل المدافع ، و بأن ضربات الهمس على قلب عاشق أقوى من ضربات المطرقة على صولجان الحروب .


و بناء عليه يمكن القول إن الروابط التي تجمع أعمالها فيما بينها من جهة ، و بينها و بين عفاش كفنانة من جهة ثانية و بينها و بين متلقيها من جهة ثالثة هي روابط تملك شروط الإدراك المشترك ذي أبعاد تشكيلية تتضمن رؤيتها كإنسان و الأمر يعود إلى قدرتها في تحويل أشيائها إلى صياغات إدراكية يمكن تصنيفها أو تمثيلها في بلورة المدلولات بأشكالها التآلفية دون حساب لأي خوف قادم من السلطات الإستبدادية أو من الحقيقة ذاتها فهي تهتم بما آلت إليه البلاد و لهذا تعجز أن تتخطى حالات كثيرة عاشتها أو شاهدتها ، فالأمر عندها تتجاوز القيم التشكيلية كوظيفة إتصالية تحمل كل أشكال القيم البصرية إلى قرابة ملتحمة مع الحالات التي عصفت بها و بالبلاد ،

فعوالمها تعزز قناعتها بضرورة إستلهام الحياة من الراحل و الغائب و الحجر ، إستلهام مفردات تتنفس الحرية بعمق عشق مم لزين ، و كائن خرافي لملاك ، و هذا يقودها بالضرورة إلى التعامل مع المشاهد البصرية بإنطباعات متزامنة و نابضة كناقوس يُدق في إحدى كنائس البلاد .

لا تعليقات

اترك رد