المصير كما تحدده الدعاية الانتخابية العراقية

 

عتبة البيت تدل على مستوى ما بداخله.. وواجهته تكشف محتواه، فالبيت الذي ترى بابه فخمة وواجهته أنيقة تخمن ببساطة أن داخله جميل وأنيق كذلك، ونحن الآن عند عتبة الإنتخابات من خلال ما نراه من وسائل الدعاية الانتخابية التي استهلكت بافراط جميع الوسائط المتاحة، البوسترات، الإذاعة والتلفزيون، الانترنت بنوافذه المختلفة.. ناهيك عن خطط التسقيط التي وضعت لها جميع المكونات السياسية غرف عمل وظفت فيها جيوشا الكترونية.. وضعتنا العتبة أولا أمام سؤال خطير… من أين جاء المرشحون بهذه المليارات التي أنفقوها لحملاتهم؟… لم نعرف أن فيهم من ذوي الثراء الفاحش، لذا فهناك احتمالان لا ثالث لهما، أما أنهم وظفوا الأموال التي حصلوا عليها من ممارسات فساد إداري ومالي واستثمار للموقع الإداري الذي كانوا يشغلونه ونعرف جميعا أن هذا وارد حتى أن حنان الفتلاوي ومشعان الجبوري وغيرهم اعترفوا صراحة بتقاسمهم الكعكة.. وهم يقصدون بالنتيجة لقمة العيش التي حرموا منها الإنسان العراقي ليكدسوا أموال السحت في بنوك كردستان وأمريكا وأوربا… والاحتمال الثاني هو دعم الدول الخارجية وجميعها تحمل أجندات معلنة للتدخل في الشأن العراقي… وهذا تمظهر أول لعتبة الإنتخابات القادمة… دعونا نشهد التمظهر الثاني متمثلا بالإعلانات التي اكتظت بها الشوارع في حالة فوضى بصرية مرعبة.. تفتقر إلى أبسط مقومات الذوق السليم…

ولندع هذا الأمر على سوءه جانبا ونتفحص بعض بوسترات الدعاية الانتخابية:

الحالة الأولى: الدكتورة عتاب الدوري، وأشدد هنا على كلمة الدكتورة التي أصرت على وضعها قبل اسمها… ومن المعروف بداهة أن من يحمل هذه الصفة يجب أن يكون منطقيا لا ممعنا في تجهيل الآخرين… نعترف أن العراق يعاني من جهل استشرى خاصة في السنوات الأخيرة وإذا كان النظام السابق بكل سيئاته عمل على محو الأمية وإشاعة الوعي بين الناس، نرى الطغمة السياسية المتربعة على صدر العراق اليوم تعمل بجهد حثيث على إشاعة الجهل وقيم الخرافة وإلا كيف نفسر أن (الدكتورة) تكتب وسط بوسترها الإعلاني جملة(أقسم أني رشحت نفسي بطلب في المنام من (أبا بكر وعمر)… هذه المرأة ليست ساذجة بالتأكيد، لكنها لا تمتلك الحق في تسذيج المواطن العراقي… فما العلاقة بين انتخابات ذات طابع سياسي ملوث بالغايات غير النزيهة والأساليب القذرة للوصول واستخدام رموز دينية تداعب بها هذه الدكتورة قناعات أبناء السنة لتحصل بالتالي على أصواتهم بطريقة وضيعة كهذه؟…

ونرى أن مقربا من نوري المالكي كأبي رحاب المنصوري يكتب: أقسم أني رشحت نفسي بطلب في المنام من فاطمة الزهراء… الأسلوب الرخيص الوضيع نفسه يستخدم في الجانبين السني والشيعي لنتأكد من أن السياسيين لا خلافات جوهرية بينهم فهم يتحدثون باللغة ذاتها، إلا إنهم يشيعون الخلاف بين الشعب للحصول إلى أصواتهم فحسب..

ونرى المحامي موفق العبيدي يكتب: أقسم بالله العظيم أني رشحت نفسي بأمر من رسول الله.. الجيد في الأمر أن رسول الله وفاطمة الزهراء وأبا بكر وعمر يتابعون الانتخابات العراقية ويبدو انهم اطلعوا على (سي في) جميع المواطنين العراقيين، وحددوا من يظهروا لهم كي يطلبوا منهم الإشتراك في الانتخابات القادمة… من المؤكد أن آخرين دخلوا المعركة الانتخابية بوصايا مباشرة من الرموز التي يحترمها الشعب ويخشاها، ولعل أحدهم دخلها بتكليف مباشر من الله، وهذا سيكون أكثرهم خطورة بالتأكيد، لأنه إن نجح في الانتخابات سيدعي أن الله اختاره نبي هذه الأمة أو صاحب زمانها…

أما ما هو أدهى من ذلك فما قرأناه في دعاية أمين حزب الله النبي ياسر ناصر حسين، فهو يقدم نفسه بصفته النبي السيد الإمام المجاهد آية الله العظمى زعيم الأمة…. لقد قدم نفسه في فترة الترشيح باعتباره نبيا، فماذا سيكون بعد أن يفوز؟…. الطريف في أمر دعايته الانتخابية أنه أعلن عن تعرضه للاعدام مرتين.. وكتب نصا: منفذ بالإعدام في زمن النظام البائد عام 2010 و2017 ولنقف عند كلمة منفذ، وهي تختلف بالتأكيد عن كلمة محكوم، لقد أعدم الرجل في عام 2010 ثم أعيد اعدامه في عام 2017 (زمن النظام البائد).. وها هو يرشح نفسه للانتخابات… أشعر بالحيرة فليس هناك ما أستطيع التحدث عنه أمام سخف وانتهاك للإنسان العراقي كهذا.. من خلال الإمعان في غرس المفاهيم الغبية المفرطة في السذاجة، ودفعه بالتالي إلى تجهيل يبعده عن أي احتمال للارتقاء الذي ما زلنا نحلم بتحققه كي نرى عراقا متقدما..

يعرف الكثير من المرشحين أن الدين منفذ مهم وناجح للحصول على أصوات الناخبين السذج لذا استثمروه بشكل بالغ الفجاجة أحيانا إلى درجة عدم التصديق، لقد سبق أن تعرفت على الدكتورة آمال كاشف الغطاء وهي مفكرة تمتلك عقلا راجحا لذا لا أصدق أنها سقطت في فخ هذه اللعبة الساذجة الغبية لتكتب على بوسترها الإعلاني (سفرة سياحية شهرية إلى السيد محمد لكل عائلة عراقية)… وفعلا أتمنى أن يكون هذا البوستر مفبركا أو غير حقيقي أو تكذبه الدكتورة آمال، فسذاجته تجعلني أعيد النظر في تقييمي لها بشكل مختلف… وإن حصلت على أصوات بفعل إعلان كهذا فهذا يعني أن علي أن أعيد النظر في تقييمي للإنسان العراقي الذي ينتخب مرشحا يدغدغ مشاعره الدينية بمثل هذه السذاجة…

الحالية الثانية: وهي التي نرى فيها لوحات إعلانية تظهر فيها المرأة منقبة أو تستخدم اسما حركيا أو تقدم نفسها على أنها زوجة فلان أو ابنة فلان دون أن تذكر اسمها، فما دامت لا تمتلك الجرأة لتقدم نفسها بشكل صحيح، فكيف ستكون جريئة لتدافع عن حقوق العراقيين.. ما الذي سيحصل عليه العراقيون من المرشحة أم جعفر إن فازت؟…

انها ترتدي الزي الذي تحاول من خلاله الوصول إلى الجنة، والبرلمان العراقي ليس طريقا إلى الجنة بالتأكيد، فهو ملغوم بالأكاذيب والفساد والمعارك التافهة والصفقات السياسية الوضيعة، إنها ستكون بين حدين أولهما أن تشارك في ممارسة الكذب والفساد والوضاعة وإن واصلت وضع نقابها وقتذاك فستكون محض كاذبة، أو تعلن أنها غير قادرة على اقتراف رذالات كهذه وهذا يعني أن عليها الإنسحاب الآن وصلاة ركعتين ابتغاء مرضاة الله ومواصلة النظر إلى طريق جنتها ان هي اختارتها طريقا…

الحاجة أم محسن، لا تجرؤ على كشف اسمها في لوحاتها الإعلانية فكيف تجرؤ عن كشف مواقف نزيهة تعمل من خلالها على انقاذ العراق مما يعانيه من هاوية… لكنها مرشحة عن قائمة ( احنه كدها) أعني الحكمة.. وهذا بحد ذاته يعني أنها ستكون مجرد عباءة حاضرة في البرلمان لن تهش ولن تنش ولن ترفع صوتها موافقة أو ترفض إلا بعد أن ترى إشارة رئيسها الحكيم…. هذا يعني أن مثل هذا النموذج لا يجب أن نخسر لأجله صوتا واحدا..

ومن المضحك المبكي أن نرى اعلانا انتخابيا للسيدة أم سجاد.. مع تعريف بأنها زوجة أحمد الكناني شقيق الشيخ مالك الكناني وتحتل صورتا رجلين مكانا بارزا في اللوحة الاعلانية.. لعله زوجها أو ربما كان شقيقه الشيخ.. لم أستطع الجزم في الواقع.. لأن الإعلان بحد ذاته ملتبس، فما معنى أن نقرأ اسم امرأة ونرى صورة رجل، ربما كانت المرأة المنقبة أكثر جرأة منها أما أم سجاد فلعلها ستقرر مواقفها اعتمادا على ما يقرره زوجها أو شقيقه الشيخ… ومثلما هي مجرد ظل لا قيمة له في الاعلان الانتخابي فستكون ظلا بلا قيمة في البرلمان ان حصلت على أصوات كافية.. وهذا احتمال وارد، فنحن نعرف أن ضعف الدولة منح الفرصة للكيانات العشائرية بالظهور، وممارسة سلطات خفية مؤثرة.. فأمر يوجهه شيخ العشيرة إلى أفراد عشيرته ربما سيعني منح أصوات تجعل من أم سجاد نائبة في البرلمان.. وينطبق الأمر نفسه بالطبع على السيد غفران الحوزي / زوجة السيد الخطيب أياد الحوزي.. وهي تحمل التسلسل 2 في القائمة أي أن فرص حصولها على مقعد برلماني كثيرة إن حصلت القائمة على أصوات كافية… وسيكون الدور المؤثر في قراراتها وقتذاك للسيد الخطيب أياد الحوزي.. الذي أظهر استثماره للقضية الدينية بدءً.. من خلال الشعار الذي وضعه : الحسين طريقنا نحو التحرر.. إنها مناورة بائسة ومراوغة ليست نزيهة لمداعبة مشاعر محبي الإمام الحسين للحصول على أصواتهم… وهذا يعني صراحة بأنه أو أن زوجته السيدة غفران الحوزي.. تقدما للإنتخابات باستخدام وسائل مفتقدة للنزاهة… فما الذي سيقدمونه بالتالي للمواطن العراقي… وهذا ينطبق على جميع من استخدم رمزا دينيا، فهو اعتراف صريح بافتقارهم إلى مقومات القبول في الشارع العراقي فاختاروا الاتكاء على رموز دينية يعشقها الإنسان العراقي ويتمثلها في حياته.. كالنبي محمد والحسين وعمر وابي بكر..

الحالة الثالثة: وتشمل حصرا المرشحات اللواتي يعرفن أنهن سيتعرضن للطعن والتسقيط لأنهن اقترفن أخطاء من الممكن أن تستغل بشكل سئ وفضائحي، إنهن مفتقدات للنزاهة والصدق واحترام الذات والآخرين قبل أن يقررن الترشيح، أما اتخاذهن للقرار فهو يشير صراحة إلى تحويل الممارسة غير الاخلاقية من حيزها الخاص والضيق إلى العام والواسع، فما الذي ستقدمه امرأة غير قادرة على مقاومة نزواتها، ومستعدة لانتهاك حرمة عرض زوجها وأسرتها وننتظر منها أن تقدم للعراق ما يدفعه للتقدم… ستعمل بالتأكيد على ما يحقق لها مكاسبها الخاصة ولن تتذكر أن هناك شعبا ينتظر الخلاص…

هذا غيض من فيض لن تتسع له أسطر كهذه لكن هذا المختصر دعوة للعراقيين جميعا للتفكير جيدا لاختيار الأكثر جدارة، رغم أني أعلنت صراحة موقفي الشخصي بمقاطعة الانتخابات كي لا أساهم في منح فرصة لفاسد كي يعود ثانية إلى الصفوف المتقدمة في البرلمان ويكرر لأربعة سنوات قادمة مفاسده وإضراره بالعراقيين..

لا تعليقات

اترك رد