قطار الثورة

 

الموعد : في بداية عام 1917 في جنيف في سويسرا
في ربيع عام 1917 كانت مدينة جنيف تعج بالأجانب من فرنسيين وروس وألمان وإنكليز ولكل واحد من هؤلاء الضيوف حكاية غريبة تمنعهم من الرغبة في العودة إلى أوطانهم فأخذوا من جنيف مقرا ومستقرا إلى أن يشاء الله أمرا كان مفعولا . وكان عدد الهاربين إليها من أوطانهم يزداد كل يوم فقد كانت هذه المدينة ولا زالت الفردوس المنشود للكثيرين .

المكان : إحدى الغرف المطلة على بحيرة جنيف .
في إحدى الغرف المشرفة على بحيرة جنيف يسكن كهل روسي هارب من بلاده منذ أمد بعيد فقد هرب من بلاده روسيا عام 1900 بعد الخدمة لمدة ثلاث سنوات في سيبيريا وكان الرجل معروفا جيدا لدوائر الأمن السويسرية. إنه فلاديمير اليانوف الذي لا يعرفه أحد إلا الأمن السويسري . لقد كان سلوك فلاديمير اليانوف عاديا طيلة إقامته في سويسرا لكنه في الداخل كان يختلف عن كل المهاجرين الروس فقد كان يحمل في داخله أفكارا ثورية . وفي بداية شهر أذار بدأت أعصاب الرجل تتوتر ويصيخ السمع لأخبار بلاده :هزيمة الجيش الروسي أمام الجيش الألماني والجوع والمرارة والرشاوي والاختلاسات المالية وفضائح البلاط وقصص راسبوتين الراهب المتوحش كما سمع أن القياصرة يفاوضون الألمان بعد أن اكتسحوا نصف روسيا.

بدأت أخبار الاضطرابات في عموم روسيا تنتشر في الصحف الأوروبية وبعد أسبوع سمع فلاديمير اليانوف أن القيصر فشل في إخماد الاضطرابات وتخلى عن العرش كما يتخلى الطفل عن لعبته وبدأ جنود الجيش الروسي بالفرار ثم شكل العمال والجنود مجالس محلية سميت في ذلك الوقت ” السوفيات” ونادى العقلاء لعقد مؤتمر عام شعاره توفير الغذاء والكساء للجميع وتوزيع الأراضي على الفلاحين وإنهاء الحرب مع ألمانيا .

كان الكهل فلاديمير إليانوف يدرك تماما أن القوى الثورية الجديدة في روسيا هم جماعته وهو منهم وإليهم . لكن كيف الوصول إلى بطرسبورغ ( ليننغراد حاليا ) والسبل مقطوعة والجبهات مشتعلة ولا يمكن الوصول إلى هناك .

في الثاني من نيسان 1917حدث ما لم يكن بالحسبان فقد تواصل ضابط في المخابرات الألمانية مع فلاديمير إليانوف وأخبره أنه إذا شاء السفر إلى روسيا فإن قطارا خاصا سوف يوضع تحت تصرفه لينقله إلى هناك مخترقا كل جبهات القتال. لم يتردد الرجل وأعطى الموافقة على السفر إلى مدينة بطرسبورغ وفعلا في السابع من نيسان كان قطار الثورة الروسية يشق طريقه عبر الجبال وجبهات القتال الألمانية في معجزة لم تكن متوقعة أبدا لتصل بالرجل الكهل إلى مدينة بطرسبورغ ويلتقي بشخصين هما بونشتاين وتيساريونوفيتش ليشكل الثالوث عقل الثورة ودماغها المحرك . قاد الثالوث أليانوف – بونشتاين – وتيساريونوفيتش سلسلة التحركات والمؤامرات والتظاهرات والإضرابات والاستقالات وحوادث الاغتيال ومجالس العمال ومشاكل الفقر والفاقة والجوع وعمليات الإصلاح الزراعي .

يسرد المؤرخ البريطاني شون ماكميكين في فصل بعنوان “ظهور لينين على خشبة المسرح” كيفية وصول لينين إلى صدارة مشهد الثورة الروسية. يؤكد ماكميكين أن لينين عاد إلى روسيا بإيعاز من الخارجية الألمانية حيث أذن بذلك شخصيا المستشار الألماني آنذاك تيوبالت فون باتمان – غولفيغ.

يقول: “لقد وفرت برلين خمس ملايين قطعة نقدية ذهبية من أجل انتقال لينين وبداية نشاطه في روسيا وبعد خمسة أيام كان لينين يستقل القطار من زيوريخ إلى ميناء ساسنيتس الذي تمتلكه ألمانيا على بحر البلطيق، وصحبه في تلك الرحلة كل من كروبسكايا، راديك، زينوفييف، فريدريخ بلاتين. من هناك رحل لينين إلى ستوكهولم ومنها إلى فنلندا ثم بتروغراد (بطرسبورغ ).

يضيف المؤرخ أورلاندو فايغيس أن اللحظة المفصلية في التاريخ والتي بدت كمصادفة بحتة كانت، في 24 أكتوبر 1917، في مقاله “السكير المسكين: لينين وانتفاضة أكتوبر” يكتب فايغيس: “في العاشرة من مساء 24 أكتوبر 1917، خرج لينين من مخبئه في حي فيبورغ ببتروغراد يرتدي شعرا مستعارا وقبعة مثل العمال وقد أخفى رأسه متلفعا برباط كان بصحبته البلشفي الفنلندي إينو راخيا. توجه الرفيقان إلى معهد سمولني مقر مجلس بتروغراد بغرض دعوة الرفقاء في الحزب إلى بدء الانتفاضة في اليوم التالي، عشية اجتماع النواب. وبالقرب من قصر تافريدسكي أوقفتهما دورية للشرطة، لكنها رأت في لينين (سكيرا مسكينا) وتركته يمر”.

وبعد مضي سبعة أشهر وجد الثالوث أليانوف – بونشتاين – وتيساريونوفيتش نفسه الكتلة المنظمة الوحيدة على الساحة فدبر انقلابا وأزاحوا الحكومة المؤقتة وأعلنوا قيام الثورة البلشفية .

كثيرون يبحثون في التاريخ الروسي ويتحدثون ويكتبون ولكن قليلون الذين يلتفتون للقطار الألماني الذي قاد الثورة الروسية إلى النجاح ومنذ ذلك الحين صار قطار الثورة مصطلحا يركبه كل الثوريين في العالم أما الثالوث فقد كان أليانون ( لينين ) و بونشتاين ( ترتسكي ) وتيساريونوفيتش ( ستالين ) .

وكان ما كان …..

لا تعليقات

اترك رد