الدكتور أحمد ذياب – المبدع الموسوعة

 

طالما قلت لطلبتي إن عصر الموسوعية قد انتهى، فلم نعد نحلم بأمثال ابن سينا وابن رشد وابن خلدون وابن طفيل وغيرهم، لأن الانفجار المعرفي حتم الاصطفاف في تخصّص معرفي واحد، بل حتم تخصّص التخصّص، وكلما حقق صاحب المعرفة ذلك حقق الدقة والجودة، غير أن لقائي بالدكتور أحمد ذياب الصفاقسي منزلا التونسي وطنا قلب لدي هذه القناعة تماما، وأمكنني الآن أن أقول إن العبقرية العربية مازلت قادرة على خلق الاستثناء، ومازالت رحمها قادرة على إنجاب العبقرية. عرفت الدكتور أحمد ذياب عن بعد أستاذا في الطب متخصصا في جراحة العمود الفقري خاصة وفي الأعصاب عامة، وكنت حريصا على زيارته كوني أعاني من الانزلاق الغضروفي اللعين الذي لازمني من سنوات طويلة والذي يفرض علي أحيانا لزوم البيت، وكان موعدنا في عيادته بصفاقس ذات صباح من شهر أفريل سنة 2018، أول ما ينطبع في ذهنك عن الرجل هو حرصه على الحديث بالعربية الفصحى وهو المتخرج من جامعات الغرب، ثم هذا النبل وهذا التواضع الذي صار عملة نادرة في أيامنا هذه،


ثم هذه الروح الإنسانية الراقية التي تجعل أحمد ذياب من طينة الكبار، ولاشك أن لا علم ولا إبداع ما لم يزين بهذا البعد الإنساني. وحين حضور ندوة أدبية أقيمت عن تجربتي الروائية تجلى لي الرجل مستمعا جيدا ومحاورا حذقا ومطلعا فطنا، وقارئا عميقا وهو يطرح أسئلته المحرجة عن روايتي “الرماد الذي غسل الماء”. وسمح كرمه الحاتمي الذي جمعنا به في بيته إلى اكتشاف موسوعية مدهشة، فالرجل مبدع جمع بين سنابل الفن في غمر واحد، فهو شاعر ذواقة للشعر، وهو فنان تشكيلي أنجز عشرات اللوحات الفنية، كما يمارس في مرسمه النحت أيضا، ويشتغل على تشكيل الآلات ومن ذلك إعادة تشكيله للآلات الجراحية في الحضارة العربية، ثم هو عاشق للموسيقى، مترجم، محب للبحر متمرس فيه. وللرجل عشرات الكتب في الطب وهو تخصصه الأساس، وبقدر اهتمامه بأمراض الظهر فهو معجمي متخصّص قدم في ذلك معاجم طبية جمعت بين العربية والفرنسية والإنجليزية واللاتينية وصناعة هذا النوع من المعاجم المتخصصة يقتضي جملة من المهارات،

أولها تحكمه في الحقل المعرفي الذي يشتغل عليه وهو الطب، ثم تحكّمه في اللغات التي يشتغل عليها، وهو في هذا الجهد النبيل الذي يصدر فيه عن أصالة وإحساس بالمسؤولية لم يكن مجرد ناقل بل هو مبدع على حد قول الدكتور حسين عبد الرزاق الجزائري في تقديمه لمعجمه، يجب أن تلتفت إليه الدراسات في كليات اللغات والآداب وكليات الطب، وهو صاحب مشروع أصيل عميق لأنه مؤمن بعبقرية هذه اللغة، ومؤمن بعبقرية هذه الأمة التي سيكون مستقبلها عظيما مهما تعاورتها سهام الأعداء ومهما كان واقعها داكنا. هذه كلمات عجلى سقتها أو انساقت إلكتبتها حبا في رجل كبير كبير، وتقديرا لمبدع فذّ متميز أصيل، وأنا على يقين أنها أقل بكثير مما بلغه جهده وقلمه وعبقريته، فتحية صادقة وعميقة للأستاذ الدكتور أحمد ذياب

أرجو قراءة تقديم الدكتور حسين عبد الرزاق الجزائري للمعجم الطبي فهو تقديم مدهش في لغته لا يكتبه إلا الكبار

 

 

 

ي،

المقال السابقروح من روحي أنت
المقال التالىالمصير كما تحدده الدعاية الانتخابية العراقية
عزالدي جلاوجي أستاذ محاضر بجامعة العلامة محمد البشير الإبراهيمي بمدينة برج بوعريريج ، دكتوراه أدب حديث ومعاصر، مهتم بالمسرح إبداعا ونقدا وتدريسا إضافة إلى تدريس مقاييس نظرية الرواية، والسرد العربي. بدأ نشاطه الأدبي في سن مبكرة، ونشر أعماله الأولى في الثمانينيات عبر الصحف الوطنية والعربية، صدرت له....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد