استقراء مصادر الشخصية الدرامية ودعم حركة التنوير والتغيير

 

نوافذ وإطلالات تنويرية
نافذة 2: المسرح والحياة

لقد بات الإنسان اليوم، محور السياسات العامة والخاصة؛ والأساس في رسم المستهدفات البعيدة والقريبة. وبين خواء الشخصية وغناها نميز المجتمعات ومقدار عنايتها ببناء تلك الشخصية ورعاية تطورها وتفتح المفاهيم وفلسفاتها ومنطق اشتغالاتها.. ونحن اليوم، بخاصة في مجتمعات البلدان النامية و\أو المتخلفة نجابه مشكلات عصية في مسيرة التغيير بسبب انغلاق الشخصية وتقوقع منطقها العقلي على مفاهيم ظلامية ماضوية.. فيما العالم المتمدن يزهو بتفتح منطقه العقلي وعلميته، كما تتسارع خطى التقدم والتغيير بفضل قيم التنوير التي يحياها…

في تلك المجتمعات وحضارتها الجديدة وقيمها التنويرية، تشتغل البشرية بالاستفادة من تراكم منجزات الدولة المدنية ومن ذلك أبرزها ممثلا في المنجز الثقافي ومفردات إبداع جماليات خطاب التمدين والتنوير، وعلى سبيل المثال لا الحصر هنا، نشير إلى الدراما ودورها وطابعها المستمد من قوانين التطور الإنساني وتعبيرها عن تلك الهوية المدنية..

ومع تجسُّد قيم المدينة التي وًلِدت في رحم التطور الإنساني وتفتح القيم فيه، وُلِدت الدراما وفن المسرحية.. فكانت الحدث الأبرز في التعبير عن المنجز المدني للحضارة الإنسانية في تحولاتها المشرقة. وهذا ما منحها دورها الاستثنائي في بناء العقل المعرفي الذي جمع بين الإبداع الجمالي المستند للمستوى القيمي الأخلاقي بالمعنى الأشمل للمصطلح وإلى المستوى العلمي بما مثَّله التراكم من سجل في المسيرة الإنسانية…

إنّ هذا هو مدخلنا إلى توكيد وحدة الخطاب بتنوعات المنجز العقلي للبشرية ومن ثم في وضع استقراء الدراما وعناصرها في خدمة وظيفتيها الجمالية والفكرية.. وهنا سنرصد باستقرائنا المتغيرات الصنفية في إطار النوع الدرامي وشواخص كل مرحلة وعلاماتها في اشتغال الأثر الممييز للدراما وعناصرها ومن ثمّ أثرها على الحياة بوصفها المنبع والمصدر للدراما وبنيتها وكذلك المصب الذي يقع الأثر عليه وفيه.

وفي ضوء تلك الحقائق نجد أنّ استيعاب خصائصَ الدراما وحدثها، يتأتى عبر رصد مراحلِ التطورِ الدراميّ، بما جسّدَه مقدارِ انكسارِ المتغيّرات الفنية بنطاقِها الصنفي بوصفه تجسيداً لمنطق التطور في التشكيلات الاقتصا-اجتماعية للبشرية، تحديداً بولادة مجتمع المدينة وهويته الحضارية.

وما من شك فإنّ الدراما قد تغيرت عبر تاريخها الطويل؛ إلا أنّ أبرز تغيِّرٍ يستوقفَنا بعد الحقب التأسيسية: السومرية، الفرعونية والإغريقية هو ما جرى للدراما في عصر النهضة وتحديداً بنهايته بالخصوص في أعمال شكسبير؛ حيث برزَ الحدثُ الدراميُّ بتلك الإمكانات الجديدة التي كانت ما تزال كامنةً في أعماقِ الأعمالِ الدرامية القديمةِ، ولكنها تبدت بخصوصيتها لتنير دارسي العصر الألزابثي النهضوي عندما يركزون على قراءة ذهنية العصر ومنطقه العقلي عبر منجزه وأنواره..

وفي حين كشفت قراءة إطلالة سابقة بأنه من أجل تنحيةِ التناقضِ في الكوميديا الإغريقية وحل الصراع والوصول إلى الخاتمة، كان يكفي فيها، أنْ يُقادَ الحدثُ إلى موقفٍ يُعدّ متعارِضاً مع الوضعيةِ الأساس؛ فإنَّ التمعن بقراءة الدراما الشكسبيرية صار يؤكد أمراً متغيراً مختلفاً جديداً يرى أنّ حل التصادم يعتمد تحقيقِ تعارضٍ نفسيٍّ داخليٍّ يمتازُ بمزيد عمقٍ وتركيب أو تعقيد. وبهذا فمنذ عصر النهضة باتت الشخصيةَ وليست الحبكة هي ما يمتلك الأهمية الحاسمة في تطور الحدث الدراميّ وحلّهِ.. وهذا هو بالضبط تجديدُ دراما عصر النهضة، حيث الاهتمام بات ينصب على الإنسان ومستوى ما وصل إليه بناء شخصيته وعمقها وتعقيدات وجودها.

وفي نطاقِ هذا التجديد ورصد نبادل التأثير بين الإنسان ومنجزه بالخصوص الدرامي هنا، سنرصدُ فقدان الوضعية الأساس للدراما بمرحلتها الجديدة، دقة أبعادِها عما كانت عليه بمرحلة سابقة كما في الدراما الإغريقية التي قدمتها بحدود برولوج خاص أو في أول مشهد درامي بينما صار هذا متعذراً في أغلب أعمالِ عصر النهضةِ حيث تتعدد الخطوط الدرامية لهذه الأعمال.. ولا ترتبطُ تلك الخطوط بعضها ببعض إلا من ناحية الخطةِ الفكرية المضمونية في المسرحيةِ.. فلكلِّ خطة نقطةُ انطلاقِها الخاصة بها ومسارها الخاص أيضاً. والوضعية الأساس تتجزّأ عبر مشاهِد واسعة فاقدة التموضع بالمقدمة أو التطابق بينها وبين الاستهلال.. إلا أنها بوضعها الجديد، تتسعُ وظائفُها وتتعمقُ وتحافظ على أهميتها في تحريك الحدث الدراميّ…

وأعود للتذكير بأنّ التعدد في برامج العمل الدرامي واستقلالية خطوطه بحقيقته هو تمظهر متنوع الوجوه في الوضعية الأساس ما يمنحها غنى وثراءً يغادر التحقق في الحكاية كما كان بمراحل سابقة، ليتحقق فعليا في سياق الفكرة العامة وتجسّدها في الشخصيات، تلك التي باتت تلعب الدور الأبرز كما أشرنا على خلفية الاهتمام بالإنسان وحقوقه وحرياته مع دخول البشرية عصر النهضة وقيمه الثورية الجديدة..

أما في المسرحيةِ الكلاسيةِ الجديدةِ فسيبرز العامل الذاتي بصورة أوضح في توجيه مسار الحدث. فالحدث يتم بالاستناد إلى الصراع النفسي بين منطق العاطفة ومنطق الواجب. وبخلاف دراما عصر النهضة التي تحلّ العقدة عبر كفاح الأبطال ضد المبادئ المتعارضة مع طموحاتِهم أي عبر الانقسام الكلي في المجتمع؛ يتوقفُ حلُّ العقدة كلاسيا لا على ما يحمله البطل من قيم اجتماعية تجدُ نقيضها في الآخر وإنَّما على هوية هذا البطل وموقفه من فكرة الواجب والقرار يحتكم إلى العقل حيث ذات الفرد البطل أوضح من العامل الاجتماعي. ومن هنا تترسخ ثيمة عدم كفاية الظروف (الموضوعية) في تحديد بداية الحدث الدرامي وفي خلق وضعيته الأساس في الدراما الكلاسية.

ومجدداً نتابع ظاهرة أثر الشخصية في التحكم بسياق الحدث وما يمنحنا ذلك من فرص في استقراء الدراما عبر ما يتحكم برسمها ومن ثمّ في التحدث عن علاقة مباشرة بالواقع وتقمص تنوعاته بحجم تنوعات الشخصية الإنسانية التي تعني المنبع المصدر للشخصية الدرامية ولمعالجاتها وما يعنيه هذا من بحث في الحقوق والحريات عبر تسليط الأضواء الكاشفة عليه لتبيّن معالمه ودفع عناصر الإيجاب أو التنوير فيه..

وما أن ندخل عصر التنوير حتى تؤكد الدراما على الأهميةِ الخاصة لماضي الشخصيات في إطارِ تحريكِ الحدثِ الدراميِّ ورسمِ مسارِهِ؛ إذ مع تشعُّبِ قراءة (الشخصية) تزداد غنى وحاجة لتلك التفاصيل المتشعبة بنيوياً، ما يدعو من جهةٍ إلى اضمحلال الأشكال الصنفية القديمة للدراما بالإشارة إلى التراجيديا والكوميديا ومن جهة أخرى إلى استيلاد أصناف تتلاءم وإمكانات تقديم الشخصية الجديدة وهو ما يعنينا سواء في استقرائها درامياً أم في إيحاءات الاستقراء إنسانيا حيث المنبع الواقعي ودرجة الارتباط والتنوير فيه…

لقد اتسمَت الدراما التنويرية بتجنب قواعد تحطيم الوضعية الأساس كما كان الأمر بنيويا في مراحل سابقة وهو ما يعني بصياغة أخرى في اتسامها بالبحث عن استقرار يستند إلى تفسير ملابسات الوقائع والظروف المحيطة بالشخصية وصراعها بدل البحث في فرص تغيير ذلك الواقع جوهرياً. هنا سنجد كيف تقدم حركة التنوير بديلاً فنياً يمتلك إمكانات هائلة في تعقيد التصادم الدرامي سايكولوجياً ولكن ذلك لا يتم بصورة ساذجة بسيطة بل عبر الكشف بعيد العمق عن المصادر الاجتماعية لهذا الصراع تلك الموجودة في الواقع الإنساني. وكان بودي هنا التوسع في إشكالية حل الصراع وقصور فكرة معالجته فرديا سايكولوجيا مقابل ما ينبغي من ضرورة بل حتمية حل الصراع موضوعياً، لكنني أؤجل هذا إلى موضع لاحق…

إن تأجيل البحث في الموضوعي، اشترطته ظاهرة التعمق في عرض الشخصية في دراما القرنين الثامن عشر والتاسع عشر ما جعلها تمتاح أكثر من الغنائية من جهة ومن سيادة الطابع الملحمي على حساب الطابع الدرامي.. وما كان يسوّغ ذلك، هو كون الأدبِ آنذاك لم يعد يحصر مهمته بالتصويرِ المباشرِ للصراعِ وإنَّما اتسعت تلك المهمة لتشملَ إدراكَ مقدماتِ ذلك الصراع المنطقيةِ وفهمَ القوى التي تختفي في أعماق الحياة المعاصرة تلك التي جسدت ينبوع الشخصية الدرامية وأساس حدثها الدرامي وما تتطلبه العلاقاتُ في الواقع الجديد من شروط استيعابها ومن ثمّ إمكان تصويرِها ومعالجتها درامياً.

أما وقد وصلنا نهايةِ القرنِ التاسع عشر ومتغيراته، فإنَّ الدراما جسدت بنيتها بوساطة الظهورِ التدريجيّ والتغيّر الداخليّ العميق للوضعيةِ الأساس الأمر الذي يقودُ إلى إعادةِ البناءِ العميقِ في دواخل الشخصية إذ تبدأُ الدراما الحديثةُ تعلنُ عن نفسِها لا في كشفِها عن الشخصيةِ الجديدةِ وعلاقاتِها الموضوعية بل عبر انفتاحِ البنية الدرامية ووضعيتِها الأساس بطريقةٍ صنفية جديدة تتفرد في عرض الشخصية يومها.. بالإشارة هنا إلى أنَّ قوة ظهور الشخصية قد فرض تمظهرها بوساطة الأسلوبَ الذي بدأَ يلعبُ منذ مطلع القرن العشرين، دوراً مهماً في تحقيقِ الحدثِ الدراميِّ وتحديدِ خصائصه… وبناءً على هذا التحول فقد أصبحَ تمييزُ البنيةِ لا يتم بالاستنادِ إلى العلاقةِ الانعكاسيةِ المباشرةِ بين الوضعِ الحضاري وأجناس الدراما وإنَّما بالاستنادِ إلى أساليب غنيةِ التنوّعِ تعدّ انعكاساً لمتغيراتِ العصرِ المتسارعةِ بكل ما يتضمنه ذلك من عناصر.

فظهرت الاتجاهات العديدة منها: الطبيعي والرمزي ثم الدراما العصرانية وأشكال ومذاهب عديدة، بتعدد أشكال النماذج التي تشكّل فيها المجتمع الإنساني.. أما الاتجاه الطبيعي فظهر بسبب قسوة الدقة الرياضية في القوانين العلمية حيث بدا اتجاه الحدث وحل عقدته لا يجري بتحطيم أو قلب الوضعية الأساس بل بالكشف عن مَنَعَة منطق الجبرية لتلك الوضعية التي تشمل كلياً جميع الشخصيات بذات العلاقة العضوية الملزمة أو تتحدد في ضوء مواقفهم جميعاً من القيمة التي تحكمهم جبرياً…

فيما جاء الاتجاه الرمزي من أجلِ فهمِ ما رآه أنصاره حياةً فقيرةً، فكان لابد عندهم من إضافةِ شئٍ ما إلى تلك الحياة، لا تكون الشخصية هي من يخرق الحدودَ التي تقيدها في وضعيتها الأساس التي تنطلق منها الدراما ولكن الهدف هو من يدخل إلى حيث تنغلق تلك الوضعية، بصيغة أخرى بألا يجري خرقها أو تحطيمها.. وتلك هي سمة الرمزية التي تدفع إلى اعتماد الحوار كأغنى عناصر تشكيلها ومسار إيقاعها؛ لأنَّ كل وسائلَ تحقيقِ الحدثِ الدراميّ يجري إضعافُها واختزالُها حيث لا تشابكات ولا شخصيات تقليدية ومن ثمَّ لا سايكولوجيا، وإنما حركة ذاك الصنف الدرامي (الرمزي) تمر عبر ربط شخصياتها ليس مباشرة ولكن بشيء ما ثالث لتختفي وراء أكداس من السواتر والأقنعة التي تنحل بوسائل تحليل قياسية معيارية تقع في منطقة الفكر والخطاب الذهني التنظيري.

ومجدداً نعود لتوكيد ثيمة هذه المعالجة التي ترى أنّ استقراء مصادر الشخصية الدرامية هي إشكالية بارزة ومهمة في دعم حركة التنوير والتغيير. فمنذ أنْ انعكس تطور العلاقة بين الواقع والشخصية على بنية خطوط الحدث الدرامي بصيغه الجديدة، عزَّزَ ذلك اشتغال خطابه جمالياً فكرياً، بمنطق تنويري؛ تعاظم دوره في حياة الشعوب. من هنا تحديداً، فإنَّ استقراءَ الشخصية الدرامية ما عاد مجرد قضية جمالية تخص منجزاً إبداعياً منغلقاً منفصل البنية بل باتت عملية الاستقراء تلك، فرصة استثنائية جد مهمة في دعم حركة التنوير العقلي العلمية وإحداث التغيير البنيوي مجتمعياً، حيث بناء الشخصية الإنسانية وهوية التفكير عندها بإعادة علاقتها ببيئتها على وفق جسور سليمة الربط بين طرفي المعادلة حيث المصادر الواقعية، ممثلة بالشخصية المعاصرة ومنجز العقل ممثلا في الخطاب الدرامي هوية حية قرينة بمنابعها.

أفلا نتحصل من استعراضنا حركة الشخصية الإنسانية عبر الحقب والعصور على معاني إشكاليةٍ للعلاقة بين المسرح والحياة؟ ألا يفرض استعراض هوية الشخصية عبر عصورها كشفاً عميق الغور لقوانين تبادل التأثير والتأثر بيت المسرح والحياة؟ ثم ألا تدفع إنارةُ معالم اشتغال الشخصية الدرامية المتلقيَ باتجاه تطوري تقدمي لا يقبل الارتداد والتراجع في ضوء ما يعنيه منطق إنتاج تلك الشخصية واستعراضها دراما مسرحياً؟؟؟؟

تلكم هي أبرز مستهدفات هذه المعالجة التي تتطلع لمزيد تفاعل من قارئاتها وقرائها كيما يجري استكمال ما تناولته في ضوء الحوار الموضوعي الأنجع…

لا تعليقات

اترك رد