مابعد 12 مايس


 

يرى المراقبون ان شهرنا الجاري سيشهد احداثا ربما يصفها البعض بالخطيرة او الجسيمة، وقد استند البعض منهم الى ماقاله ترامب وتوعد به في مؤتمره الصحفي مع الرئيس الفرنسي، وكان ترامب قد قال (لا يعرف أحد ماذا سأفعل يوم الثاني عشر من الشهر، على الرغم من أنّ لديك فكرة جيدة عن ذلك يا سيدي الرئيس ) وهو يقصد الرئيس الفرنسي بالطبع وهذا يعني ان هناك تفاهما اميركيا اوربيا حول الاجراءات التي يزمع ترامب اتخاذها..

من المهم ان نعرف ان حديث ترامب كان يخص الملف النووي الايراني، ولكن اية اجراءات في هذا الشان اذا ما كانت خارج المتوقع وهو – تعليق الاتفاق او انسحاب اميركا منه – لايمكنها ان تتجاوز اوضاع المنطقة برمتها، ومع ان مسالة الملف النووي ليست وليدة الساعة فقد كانت في صلب خطاباته الانتخابية مثلها مثل اشياء كثيرة غيرها توعد بها وفعلها وبالذات فيما يخص كوريا الشمالية وفرض نظلم الاتاوة على دول الخليج العربي، وكان ترامب قد كرر في مؤتمره مع الرئيس الفرنسي عبارة (سيدفعون مقابل ذلك) ويقصد دول الخليج ثلاث مرات اضافة لعبارة عليهم ان يدفعوا ، الا ان ما استجد في هذه القضية هو تسريب اسرائيل لنصف طن من ملفات التسلح النووي الايراني كانت قد اخفتها طهران اثناء محادثات الاتفاق سابقا، وحسب الادعاءات الاسرائيلية فان الوثائق تم الكشف عنها عام 2016 في مستودع سري في طهران تمكن منه الموساد وان التاخير في الاعلان عنها لغاية اليوم هو لفحصها وتحليلها اذ انها باللغة الفارسية، اما طهران فقد ردت في بيان لخارجيتها معتبرة ان هذه القضية فبركة من نتنياهو المدمن حسب تعبيرها على الكذب، اما رد وزير الخارجية ظريف فقد كان باهتا وغير حاسم اذ غرد عبر تويتر متهما وزير الخارجية الامريكي بومبيدو بالتناقض في تصريحاته اذ انه سابقا كان يدافع عن الاتفاق النووي بعكس تصريحاته الاخيرة ضد ايران، ولكن الردود الايرانية لم تكن كلها بهذا البرود فقد جاء اقوى رد على لسان وزير الدفاع الايراني امير حاتمي الذي حذر فيه اسرائيل قائلا (ان الرد الايراني سيكون مباغتا ولاينفع فيه الندم)، معتبرًا أن ما تقوم به إسرائيل والغرب مؤامرة خارجية على إيران. يمكن ايضا الاشارة هنا الى التحرش الاسرائيلي المتواصل لايران في سوريا خلال الفترة الاخيرة..

في جانب مقارب اعطى الكنيست الاسرائيلي لنتنياهو ولوزير الدفاع صلاحية اعلان الحرب دون الرجوع اليه، وهذا القرار ياتي ليصاعد من تكهنات المراقبين في ان الاحداث القادمة ستكون ذا طابع خطير، رافق ذلك طلب وزير الخارجية الامريكي بومبيدو من القيادة السعودية انهاء حصارها لقطر – بعد ان دفعت قطر الاتاوة المطلوبة – استعدادا لما هو قادم..

في العراق هناك نقطة قد تكون فاصلة وهي الانتخابات البرلمانية في 12 مايو الجاري ، وهو ذات التاريخ الذي ستعلن فيه القدس عاصمة ابدية لاسرائيل، وهو ذات التاريخ الذي توعد فيه ترامب باتخاذ اجراء لايعرفه احد، وقد تكون بداية الشرارة لاجراءات ترامب من العراق، اذ وفق تسريبات الاستخبارات الامريكية فان العراق سيشهد صراعا طويلا، وهذه المعلومة ليست من الهين ان يطلقها رئيس الاستخبارات الوطنية دان كوتس، من جهتي اعتقد ان الانتخابات القادمة في العراق ستضع الشعب بكل اطيافه ومكوناته امام مجموعة من المرتزقة والعملاء واللصوص والفاسدين، وارى ان مهما كانت نتائج تلك الانتخابات فان الشعب لن يثق بمصداقيتها ولا بالفائزين مثلما هو كان قد فقد الثقة بنظام الحكم اساسا، وستشكل فصلا بين ان يتم اخماد ماتبقى من صوت الشعب لزمن طويل او اشعال فتيل بركان هامد لن يتوقف حتى كنس الحثالات وازاحتهم عن الطريق، فيما ستضع الانتخابات ايضا ان مضت

الامور بهدوء، الفائزين وجها لوجه امام بعضهم خاصة وان الكثير منهم يطمح لمنصب رئيس الوزراء الذي ستشكل مسالة اختياره والاتفاق عليه لاحقا عقدة يصعب حلها..

الشرارة ضد ايران اذا ما اريد لها ان تشتعل في العراق فهي سهلة جدا، يكفي دفع الميليشيات للتصادم مع بعضها لكي تغرق ايران من جديد في صراعات معقدة وشائكة، ويبدو كقراءة لتصريحات رئيس الاستخبارات الوطنية الامريكية ان هذا السيناريو هو الاقرب وهو المتبقي في جراب الحاوي بعد ان انتهت صفحة داعش، وتم تجاوز الصراع العربي الكردي وخفوت الصوت المعارض السني وانخراط السنة في العملية السياسية وهي السيناريوهات الثلاثة التي اشرنا اليها في مقال سابق قبل بدء عمليات تحرير الموصل ..

قد يذهب البعض الى ان ترامب قد يتخذ قرارا بتوجيه ضربة للمنشات النووية الايرانية، او ان تقوم اسرائيل بذلك، وفي كل الاحوال فان هذه الضربة ستمضي كما مضى العدوان الثلاثي الاخير على سوريا، وستختفي اثاره تدريجيا ولن يحقق سوى شرعية الموقف المناهض في الداخل الايراني لاميركا والغرب وسيزيد من تلاحم الشعب الايراني مع قيادته، ولكن حروب الوكالة التي يعتمدها الغرب هي الاكثر تدميرا واطول استزافا وتمنح فرصة كبيرة لاستمرار نظام الاتاوة على الخليج كما ستزيد من اضعاف المنطقة برمتها وسهولة تفكيكهها اذا ما اقتضى الامر ذلك لضمان تام لامن اسرائيل وهو الهدف الاخير وراء كل ما يجري..

النظام في العراق متهاوي وتحكمه الميليشيات وليس الدولة ولعل تصريحات العبادي الاخيرة بشان اغتيال المسؤول المالي للحشد قاسم ضعيف تمثل اعترافا صريحا بان الدولة في العراق نظام مافيات وليس نظام قانون وسيادة، ويشكل الدعم الايراني للميليشيات سر قوتها ، ولاتوجد اية فرصة للصراع في العراق اكثر احتمالا من صراع شيعي شيعي بهدف استنزاف ايران مع استمرا ر التحرش الاسرائيلي بها في الارض السورية مما سيدفعها لتركع لشروط اتفاق جديد يتعلق بالصواريخ البالستية وبانهاء تدخلها في دول الجوار..

يمكن ان نخلص من كل ذلك الى ان المنطقة لابد ان تمر بوضع جديد، وفق تصورات تشمل اما تسوية شاملة تتضمن انهاء التدخل الايراني وتصفية الصراعات، او ان تمضي باتجاه معاكس وهو ضم ايران ذاتها لحلقة الصراعات والحرب والحلب ايضا اذ ليس من المعقول ان تدفع دول الخليج الاتاوة فيما تتمتع ايران بمواردها الكبيرة لوحدها.. يبقى الامر كليا خاضعا لارادة اسرائيل واميركا وليس لارادتنا شعوبا وحكاما..

لا تعليقات

اترك رد