استطيقا اركيولوجية تصارع الانسان في اعمال الفنان علي رسن


 

إن التشكيل بشتى انواعه واساليبه وتقنياته يعد حواراً نافذاً بين ذاتية الفنان والنتاج الفني ، الذي يشكّل هو الاخر حراكاً فاعلاً في منظومة التأويل لدى المتلقي ، الامر الذي يجعل من النتاج التشكيلي صورة لها تداعيات الخطاب الموجّه ، بمعنى أن الخطاب التشكيلي له مضامينية ما ورائية تخرج الى حيز الوجود بفعل التأمل الذي يستغرقه المتلقي ووضع المعاني الباثّة الى التعددية اللانهائية .. والفنان (علي رسن) في منحوتاته التي عرضت في معرضه (الخامس) (وجوه ملونة) استطاع ان يشتغل وفق اركيولوجيا تبحث عن استطيقا تغاير المألوف ، اذ تمكّن بحرفية عالية من التلاعب في الشكل النحتي ، فقد كانت منحوتاته تمثل شخصيات انسانية متعددة الوجوه وذات تعبيرات تحاكي الفعل الدرامي للانسان ، فهي تارة وجوه لشخصيات مقرّبة من الفنان ، وتارة اخرى ينحت الفنان صورته بتعبيرات تجسّد صراعه مع الحياة ، وهناك مشاهد نحتية لوجوه خيالية ، كما يقول الفنان ( انها شخصيات بعضها من معارفي وبعضها شخصيتي والبعض الاخر من الخيال) ..

الفنان (علي رسن) لم يعمل على تصوير الوجوه بالاسلوب الكلاسيكي المألوف ، بل جعل من منظومته التخيلية تشتغل وفق تمايزات لعالم تشكيلي جديد ، عالم ينبض بالصراع مع معطيات انسانية اصابها الذهول امام تحديات العصر .. فكل منحوتاته تضج بمعاني لا احادية ثابتة ، انما هناك تعددية للقراءة وهذا ما كان قريباً من حيثيات الفكر المعاصر الذي يركز على اللاثابت واللامستقر ، الحضور والغياب ، واللامركزية .. وهذه الاركيولوجيا ما هي الا تفعيل لمعطيات التخييل الذي كان واسع الافق في نحت تشكيلات بمادة (بولستر رزن) ، الذي اضيف اليها اللون في نهاية الامر ليمنح الخطاب النحتي طابع جمالي وتعبيري يحاكي ازمات الانسان الذي عاش صراعاً طويلاً من الالام والاحزان وتارة اخرى متفائلاً نحو ومضة امل بسيطة للمستقبل ..

 

 

ان الفنان ينغمس بإسقاطاته الداخلية على الوجوه النحتية مضيفاً الى تعبيراتها محمولات سيكولوجية ، فهو يعلن عن حقيقته الداخلية من خلال فيوضات تخيلية تغاير وتخالف المنظومة الزمكانية للعالم الحسي مستفيداً من طريقة التشكيل الادائية ، لخلق عالم غرائبي حافل بالحفريات والعلامات السيميولوجية لمنظومة اشارية ورمزية ايحائية .

لذا نلحظ في نتاجاته ممارسات التشكيل الجمالي الذي ينطوي على ثقافة التواصل مع التعبيرية الذاتية ، انها ثقافة الانتقال والتحول من التجسيد الظاهراتي الى التجريد العلاماتي والسيميائي المفعم بالدلالة اللامتناهية ، تلك الدلالة التي تحمل لغة خاصة بذاتها تتحرك عبر

القراءات المختلفة .. فالفنان (علي رسن) يمتلك مقومات الفرادة ، اذ يشكّل امتداداً لمقولات معاصرة ترى أن كل شيء يأتي عبر اللامعقول والمغايرة ، فنتاجاته تطفح باستطيقا حفرية جمالية تمتزج بين الواقعي والاغترابي وتشتغل مع فن الدهشة والصدمة لدى المتلقي .. انه يدعونا الى التأمل في ظاهرية الوجوه للغور والنفاذ الى جوهرها المتعدد المعاني ..

ان هذه النتاجات ما هي الا منحى رؤيوي له الاثر الفاعل في تشغيل منظومة التأويل ، وما هي الا حفريات اركيولوجية ترتبط بالاسلوبية لدى الفنان التي تتصل بتحولات تاريخية ذات علاقة بمعطيات الانسان وسلوكه ومواقفه مع المنظومة المحيطة وحيثياتها التي تتغاير من خلال التنظيم والتخطيط والتحليل بما يمنح سمة التجديد .. لذا ان نتاجات الفنان (علي رسن) النحتية لها منظومة جمالية تحاكي طروحات الفكر المعاصر المتجدد الذي لا يقبل الشروع بالكلاسيكي الفج ، انما هناك تشظي وتدمير لكل المقولات التي تحاكي المنطق بغية الوصول الى خطاب جمالي له رؤيته الشكلانية والمضامينية التي تستفز المتلقي ..

شارك
المقال السابقالهولوكوست وما يخفيه النفاق
المقال التالىالإعلان الدعائي الإنتخابي العراقي – ج2
الدكتور قاسم جليل الحسيني ، مواليد 1970 – دكتوراه تربية تشكيلية - عضو نقابة الفنانين العراقيين منذ عام 1988- عضو جمعية التشكيليين العراقيين – معرض اول عام 2008 على قاعة ملتقى الاكاديميين والاساتذة الجامعييين – مشارك في العديد من المعارض داخل القطر وخارجه – وحاصل على العديد من الشهادات التقديرية – مش....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد