عدن الحرية الثقافية والتقهقر المدني

 

(( عدن الحرية الثقافية والتقهقر المدني ))

بعد طول اصطبار خرج إلى النور كتابي الجديد الموسوم بـ : ” عدن الحرية الثقافية والتقهقر المدني ” :-

* ماذا جرى في هذه المدينة العريقة بعد أن كانت مناراً للحرية والمدنية والتحديث؟

* ما التحولات القاسية التي حدثت في مدينة عدن ؟

* ما طبيعة التقهقر المدني الذي شهدته مدينة عدن ؟

هذه أسئلة ساخنة تهز كياننا وتقرع رؤوسنا في قلب الليل وخبيص النهار ، جعلتنا نجتهد ونقرأ الواقع ونقلب الأفكار ، لقد حاولنا قدر الإمكان الإجابة في هذا الكتاب على هذه الأسئلة ولو بصورة مبتسرة قد لا تشفي غليل المتعطشين للعلم والمعرفة ، فغايتنا التنوير

وغرس شتلات المعرفة وتفجير حوار هادئ غير متنطع يحتكم للعقل والبصيرة ويدفع قدماً بوعي التفسير والتحليل والقراءة النقدية والتأويلية إلى الأمام للوصول إلى الحقيقة التي قال عنها الكاتب والمسرحي الانجليزي الشهير وليم شكسبير أن : (( الحقيقة يمكن أن تدفن ولكنها لا تموت )).

يؤكد علماء الاجتماع أن نشأة المــدن وتطورها على همزة وصل قوية بالموقع الجغرافي والعوامل السياسية والاقتصادية والسكانية والثقافية والنفسية والدينية والعسكرية والسياحية ,ويزيدون بالقول , أن لكل مدينة وظيفة أو وظائف رئيسية ووظائف أخرى فرعية .

فعــدن ذات ماض عريق , كانت لها أدوار ووظائف متنوعة في سالفات الدهور , وكسرت وصاية القرون الوسطى بتمدنها , فهي مترعة بتراثها الثقافي وتسامحها الروحي ونموها الحضري وتركيبها السكاني المتنوع , وتتميز بموقع جغرافي استراتيجي – عسكري – تجاري عالمي يربط مابين الشرق والغرب . ولقد أضحت عـدن خاصة ( ما بعد الحرب العالمية الثانية ) مركزاً تجارياً – سياسياً مهماً يزخر بالانتظام العام والأمن وسيادة النظام والقانون وحضور قوي للمؤسسات وبيوت العدل وهيئات الضبــط والثقافة الحضرية والتخطيط الحضري والتنظيم الإداري والبلدي وفعالية منظمات المجتمع المدني والانفتاح والتلاقح والتثاقف والتعايش والتسامح والتعــدد الثقافي والروحي والتفاعل الفيزيقي الاجتماعي .

وفي ذات الإطار اتصلت الأعراق وامتزجت الثقافات في كنف الوئام الاجتماعي وازدهرت ثقافة العقل والحرية مرفوقة بخدمات نوعية في الصحة والتعليم والإعلام والثقافة والماء والكهرباء والطرقات والمواصلات والحدائق والأسواق والمتنفسات الترويحية والسياحية والملاعب الرياضية والفضاءات الحضرية وأماكن الاستهلاك والترفيه وانعدام التلوث البيئي والسمعي والبصري .

بين دفتي هذا الكتاب سيجد القارئ قراءة مفعمة بالعمق لحال مدينة عدن , وما حل بها من خراب مادي ومعنوي في حقبة حالكة الظلام ( 1994-2016م ) , ففي هذه الحقبة الحالكة , تم تكسير الهياكل والمؤسسات والنظام القيمي والتوازن الاجتماعي , وامتدت يـد الباطل لتحطيم الإنسان عماد الحضارة والثقافة والتمدن , وأدخلته في ظلمات الفوضى والفساد والبؤس وفي أتون التيارات المتلاطمة وصناعة الانقسامات والتشرذمات , متكئة على سياسة النهب وتجريف خيرات المجتمع من قبل صٌناع الخراب الذين كسروا أضلاع المجتمع وصمود وكبرياء الناس وأسرفوا في تخريب العمران .

الكتاب الذي بين أيدينا ثري بمضمونه وملامحه وبتناغمه الدلالي والمعنوي , طافح بكم هائل من الصور والوقائع والمشاهد والمعلومات والمعطيات الكمية والكيفية والتحليلات الدقيقة التي تبين حجم الخراب الذي حل بمدينة عدن والجنوب في سلسلة من الحلقات المترابطة وفق أســانيد وحيثيات وترسيمات علمية وواقعية تجنبت الوقوع في مطب الابتذال .

ففي الفصل الأول يسلط الكتاب عدسة الضوء على عدن كمدينة حضارية تفردت بالحرية والتمدن والتعددية الثقافية والاجتماعية وسكنت جنباتها قيم التسامح الفكري والعقائدي , ويتوج هذا الفصل بعرض لأهم ملامح السقوط والانهيار للحياة المــدنية .

وبعين شديدة الدقة وبحس بحثي لاقــط للواقع وبإشارات مكثفة نـقدم في الفصل الثاني مشاهدات بانورامية من إيقاعات الانهيار والخراب والهزات المؤلمة في صفحات الحياة اليومية لمدينة عدن من يوليو 1994- يونيو 2016م , المدبوغة بالعٌســر والفاقة والكرب وبخليط من الرعب والمرارة والتيه والحيرة والبوار .

ولا أنســى أن أنوه , أن بيت القصيد من هذا الكتاب تسجيل وتوثيق ملامح الانهيار والدمار الشنيع لمدينة عــدن , وإبراز خطورة تهديم مداميك وأسس دولة الحــق والقانون

الذي شكل أساساً متيناً للدمار والخراب المجتمعي وتسويق الفوضى والرذيلة والفساد وانهيار شروط الأمن والولوج في حياة غوغائية زلزلت كيان الإنسان في التراب الوطني وهيجت الغرائز والشهوات ونمت روح العــداء والتطاحنات والاحترابات والفتن العمياء وفعلت النزعات العصبوية الضيقة والهوس اللاعقلاني في إطار تفكيك اللُحمة الاجتماعية والإنسانية للمجتمع .

نأمل أن نكون قد غصنا في لب الحقيقة بموضوعية وبلغة التفكير العلمي , وقدمنا للقارئ حقائق وأطروحات تنير العقل وتزيح التكلس وتساعده على الإجابة عن الأسئلة المهمة والملحاحة التي تدق أبوابنا في هــذا الزمن القاحل والبليد الذي يتم فيه قلب الحقائق بشعارات مطاطية ملتهبة وبلغة خطابية متشنجة مبنية على الباطل والفهلوة والخيال المريض المتملص من منهج الحــق والفضيلة والإنصاف .

لا تعليقات

اترك رد