نصوص خطابية معاصرة تتوائم مع مسببات مردوداتها الأثرية عند الفنان – قاسم سبتي

 

لقد كان معرض ألفنان – قاسم سبتي – (حروف مخبوءة) في عمان، هو تكملة إلى ما كان يصبو إليه من محركات الدوافع والأهداف إلى معرضه السابق (أقنعة النص)، في نهاية عام الإحتلال. حيث جلب إنتباه ألفنان – السبتي – رد فعل على مؤثرات التخريب والدمار، وإذا كانت الأمور عامة تشمل الضحايا البشرية والجسور والبنايات المهمة، منها وزارة العدل ووزارة الشباب في وقتها ودائرة مركز الفنون وغيرها من الدمار والاندثار، فإن الإنتباه نحو تمزيق الكتب وحرقها وتلطيخها بالأوساخ والتلف، أبان الإحتلال، وبأول يوم مايزيد على عدد ال20 مكتبة، من بينها مكتبة كلية الفنون الجميلة، فإن الأسباب تكمن بأهمية الكتب ألتي تعني فكر الشعوب وتاريخها ومناهجها وتقاليدها وعقائدها عبر العصور.


مهما كانت محتوياتها الضمنية في الإختلاف والتوافق، فإنها في النتيجة تعني فكر الإنسان وتاريخه ومناهجه المتنوعة. تلك الإشارات للتنبيه في الشعور نحو الإدراك والإختيار والتنظيم تجسد ما تركته الآثار الموجعة للقلب في نصوص خطابية تتوائم مع مردوداتها الأثرية ألتي تركت خلفها آلاف القصاصات، تلك المؤثرات الفاعلة، تحولت إلى تجسيد أدائي بأعمال لها خصوصية الإختيار في المنهج الأسلوبي المعاصر. تجسد ذلك في معرضه المعنون «حروف مخبوءة» في غاليري الأورفلي في العاصمة الأردنية عمان، ألذي أكمل ما تم عرضه في معرضه السابق «أقنعة النص»،


وكما أشار في ذلك بأن («حروف مخبوءة» أعوام عشرة وأكثر وأنا أحاول أن أحصل على ما تبقى من متاهات الخرائط التي رسمها الدمار وأتى على ما تبقى من مكتبات مدينتنا المنكوبة «بغداد»! ما السبيل للتخلص من ثمالة تجربة باتت لا تستفز هدأة ذاكرة متخمة بالتجريب؟ وما ذنب أصابعي التي أدمنت الإمساك بتلابيب الكتب المحترقة التي استعرضها في مدن العصر في «بغداد وباريس وطوكيو ونيويورك». لقد بات هاجسي اليوم التملص من ظلالها العتيقة. ولكن من أين ابتدأ المشوار وكل ما يحيطني بها يحيلني ثانية إلى عوالمها الموغلة بالشجن. هذا المعرض ليس امتدادا لذلك فحسب، بل أنه عرض للمسكوت عنه في ذاكرة ما بقي من حروفها المخبوءة، التي طرزت تلك الخبرات العصية) لقد أستخدم بناءا على ما كان يوضحه للآخرين بأن فيه ثلاث تقنيات وهي، طباعة الأعمال على الكنفاس والكولاج التلصيق من مواد شبيه بالمواد الأولية الموجودة في الكتب، والرسم الأكريليك على بعض الأجزاء.

ورسالته «لازلنا على قيد الحياة، فالعراق ولود وينتج فنا ومواهب سنوية من كلا الجنسين». وتبقى أعماله تتوائم مع محتويات مضامينها وعوامل مسببات إنجازها من ضغوط وتغيرات وأحداث فاعلة وصاخبة من خلال نوع التكنيك والإختيار الأسلوبي المختزل، كي لايسرح المتلقي في أفق خيالي أو بحدود التمتع الجمالي، وإنما بالطرح الخطابي المباشر لإيصال ما يصبو إليه من أهداف كتسجيل تأريخي واحتجاج على ما جرى من أثر الأحداث ومنها حرق الكتب ألتي تتضمن أرقى الأفكار والمناهج العلمية.

 

أعمال تتناغم فيها المضامين مع صيغها الشكلية، حيث تستجيب ضرورات البنية التكوينية المستقاة من روافد الفكر والمحتوى لمحتويات الكتب المتنوعة، إنها تهدف إلى إعادة البنية التركيبة للأشكال السابقة بصيغة أدائية بصرية مختلفة. وبذلك فإننا نجد إن أعمال الفنان قاسم سبتي تهدف، أو تسعى إلى ربط منجزه ألفني بمؤثرات الأحداث ونتائجها السلبية على تلف مهام المحتويات الطباعية التربوية والفكرية، إلا إن صيغ الأداء التكنيكي المهاري يمنح المتلقي قيم التمتع والأمعان الجمالي، إنها إعادة إلى تمعن التراكيب البنيوية ألتي أنحدرت أبان الأحداث بما يتضمنه مجلدات (الكتب واغلفتها) وفي الوقت ذاته يسعى إلى الشروع نحو تنازع طرائق منهجية في التكوين والمفردات، كي تجترح لها إنفراديتها الخاصة بلبنات تكوينية ضمن نطاق مستوى الإستخدام التوظيفي لبنية أشكالها العملية. ومن خلال إستخدام هذه الرؤى الفكرية والوجدانية في داخل الإدراك المعرفي والشعور النفسي، أرفدت ألفنان – قاسم سبتي – في تحريك الخيال نحو إقتناء مصادر التطبيق الإنجازي.

يتم ذلك التنفيذ المهاري من خلال التجسيد على سطح اللوحة بما يتناظر بين المضامين والثيمات الهادفة، مجتازة أشكال الورق والأغلفة بهيئتها التقليدية. يتم ذلك ليس بالجانب القسري المفترض وإنما من خلال محصلة مراحل الخبرة ألتي قطعت مسافات من الأداء الأكاديمي، كما شخصت ذلك بنفسي من خلال متابعتي لمراحل التحولات في أعماله الفنيّة. تجسد ذلك بما تمتلكه الحداثة المعاصرة المجردة من التفاصيل والمحاكاة نحو الرموز التعبيرية التجريدية. إنها ضمن نطاق التطوير والتجديد المرن والحر في التطبيق والحركة. حيث تصبو بخطابها التأملي نحو الاستبدال والمعاصرة. وإذا كان العمل التجريدي لديه لاتتوافر فيه شروط أعماق المنظور البعدي بالقياسات التقليدية الأكاديمية، فإن تجسيد الإفصاح والرؤى تكمن في أبعاده تكويناتها المجسمة من الملصقات والمواد ألتي تناظر النحت الناتيء. حيث تجذب وتشد المشاهد نحو الإقتراب من الملمس والتفاعل الحسي، لما تمتلكه تلك المفردات من بروز يجاورها العمق في الظل. وبصورة متنوعة ومتفاوتة في الإتجاهات والميول، طبقا إلى نوعية الأشكال وأحجامها وإرتفاع علوها عن الأرضية التي أستندت عليها الأشكال التكوينية.

– عمومية الألوان المجردة –
أغلب أعماله الحديثة ما بعد عام 2003 يسودها طابع الإختزال والإقتصار في نطقها اللوني، والتي تميل إلى الألوان ألتي تتوسط الألوان الحارة والباردة، بدءاً من البرتقالي والأصفر ودرجاته، واللون الجوزي وتدرجاته، تتداخل في تحريك وتجسيم أبعاده وعمقه التأملي الألوان المحايدة، الغامق والفاتح. أي أن الألوان تبتعد عن الألوان المتضادة والصارخة، وتناظر أشكال الأخشاب والمواد الطبيعية بهيئتها التكوينية والشكلية. وإن جمالية التأمل تتوافر في عمومية هدوئها الباث للعيان.


مركزا في ذلك على ملائمة أجوائها العامة مع مضمون مقاصدها الفكرية للأسباب والحدث. كون الغرض هو ليس التمتع اللوني لمجريات الطبيعة وأجوائها التقليدية العامة، وإنما ما تصبو إليها مضامين الأسباب ومسبباتها الحدثية عقب أحداث الفوضى والتدمير عام 2003 لمختلف الأمور التراثية والأعمال الفنية منذ مراحل النشيء التأسيسي لرواد الحركة التشكيلية العراقية من متاحف ودوائر ومكتبات تمزق أوصال حفضها ووجودها بتمزيق وحرق وأساخ. مع كل هذه الأسباب ألتي حركت مشاعر ألفنان – قاسم سبتي – الوجدانية في تجسيد أثر إنجازه ألفني، لكن ليس بصيغة الإثارة والتشتت والتوتر، وإنما بصيغة الهدوء والإسترخاء والاستحسان التقبلي لدى المشاهد، أي نحو الغوص تدريجيا نحو ما تهدف إليه وتتضمن محتويات العمل الفني.

المقال السابقالتجربة الديمقراطية في دولة العرب الاسلامية
المقال التالى(قبري يتسعُ لشخصين)
ماضـي حســن نعمــة فنان عراقي وكاتب وناقد في الفن التشكيلي..حاصل على بكلوريوس فنون تشكيلية ..ماجستير طرائق تدريس الفنون التشكيلية .. دكتوراه طرائق تدريس الفنون التشكيلية . اقام العديد من المعارض الشخصية والمشتركة اخرها معرض شخصي في قاعة ادمينتن الكندية. لديه العديد من المؤلفات منها كتاب ( تنمية....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد