أكتشاف أمريكا وكارثة الهنود الحمر وغزو الفضاء الخارجي


 

التحضير لفيلم حديث حول “كريستوفر كولومبوس”
في الذكرى الخمسمائة لاكتشاف أمريكا، تم انتاج فيلمين سينمائيين، ولكنهما واجها فشلا تجاريا ونقديا لافتا، الاول من اخراج “ريدلي سكوت”، وبطولة النجم الفرنسي “جيرارد ديبراو” في دور كولومبوس، و”سيجوري ويفر” في دور الملكة ايزابيلا، مقابل جورج كورافيس بنفس الدور في فيلم “الاكتشاف” الثاني ، وراشيل وارد في دور ايزابيلا، فيما اعطيت الأدوار المساندة لكل من “مارلون براندو”، توم سيليك، “كاترين ريتا جونز وبينيو ديلتورو”، واخراج جون جلين، وكلا الفيلمين تعرض لتفاصيل وملابسات ومؤامرات المغامرة الكبرى، والآن بعد مضي أكثر من العشرين عاما هناك من يفكر جديا في اعادة انتاج هذه الملحمة التاريخية، بنفس جديد وبمواكبة أحدث المؤثرات التقنية والصوتية ومن ضمنها تقنية الثلاثة دي (البطيئة الحركة والابهارية )، فهل سينجح البليونير الأمريكي ريتشارد برانسون هذه المرة في هذه المحاولة الثالثة؟ وخاصة وان انتاج هذا الفيلم يتزامن مع تدشينه لأول شركة رائدة للرحلات الفضائية التجارية ، وهل سيساعد الانتاج الضخم مع عناصر الابهار في اطلاق عمل متميز يثير الدهشة؟

نجاته من استجواب الأكليروس!
في طريق عودته من متاهة بحرية طويلة، يواجه كولومبوس الأتراك باحتقار تام حيث يقول: هؤلاء الهراطقة يعتبرون نبلاء في الارض المقدسة، كما يحذر فتاة تركية من الاوروبيين والشياطين! فكولومبوس يحلم بتكرار تجربة ماركو بولو حيث الذهب والحرير .. ثم يحاول كولومبوس اقناع ملك البرتغال بتمويل الرحلة الجديدة فيفشل، وليس في جعبته سوى خبرة بحرية فاشلة استمرت ست سنوات، مع خريطة بحرية تقوده في بحر الظلمات. اما الأكليروس فلا تعجبهم شخصية كولومبوس المتمردة والتواقة للاكتشاف والبحث والمغامرة، فيتعرض لاستجوابهم القاسي في دهاليز واقبية محاكم التفتيش المرعبة، كما يواجه برباطة جأش استجوابا سريا يتحدث عن توبة أرواح المسيحيين الساقطة، وعن الهرطقة التي تصيب الأبرياء، وعن طريق للعودة مليء بالآلآم والمحن… ويرفض الاعتراف لأنه “استجواب اتهامي”، فينجو باعجوبة من براثنهم عندما يقول لهم : اني ابحث عن العودة بطريقتي الخاصة، متحديا جبروت الكنيسة: “فالمحيط الذي لا يمكن عبوره، يمكن عبوره الآن، فقد عثرنا على احياء في مناطق يدعى انها بدون احياء”، ويواجه الأكليروس بمعرفته الجيدة للجغرافيا والكتاب المقدس …. والقصد من رحلته كما يشرحه لهم هو : ” ايصال رسالة المحبة (واية محبة) كما اوصلها البرتغاليونعبر افريقيا “، هكذا ينجو من بطشهم، وتتزامن الأحداث، فاسبانيا أصبحت مسيحية بعد ان سقطت الأندلس، وتمت الموافقة على طرد جميع اليهود من اسبانيا، وكل من يبقى عليه اعتناق المسيحية والا اصبح مهرطقا! والملكة ايزابيلا تصرخ فرحة في وجهه ” الله اكبر”! ويبدو أن طموحات كولومبوس كبيرة: فهو يريد ان يسمى ادميرال المحيط ، كما يريد عشر العوائد بدون اقتطاع الضرائب، كما يبدو سخيا لحد ما وهو يعرض أن يتبرع بنصف حصته فيما بعد لتمويل حملة صليبية ضد تركيا تقودها الملكة ايزابيلا. ولكن عرضه الطموح لم يقبل بعد، قيقال له: اذهب لفرنسا او لجنوا مسقط راسك او عدل في طلبك …هكذا ينجح اخيرا، بعد مثابرة ودأب، وستصبح الملكة أكثر المتحمسين لمغامرته، وتهديه سلسلة عنق بصليب لتصبح “فال خير” فتمنحه القوة عند الملمات!

محاولة الامساك بالشمس!
كولومبوس الايطالي الأصل، يظهر بالغ التصميم والشجاعة، ويبدو أن لا احد بقادر على الوقوف امام تصميمه للقيام برحلته ….وتبدأ الترتيبات لرحلته، فيما هناك نقص في عدد البحارة اللازمين لانجاح الرحلة، حيث يتم تعويضه بواسطة السجناء الخطرين اصحاب السوابق الاجرامية…وبقدر ما تحيط الرحلة تمنيات البركة والنجاح، بقدر ما تحيطها النوايا السيئة الخبيثة: فالبرتغال جندت ورشت بحارا ليقوم بثقب السفينة واغراقها، كما أن كبير اساقفة الأكليروس لا يخفي استياءه الشديد وما زال عند تصميمه عل افشال الرحلة، حيث يقول: ” اذا كان الله عادلا ، فلن يعود أبدا، وستعود اسبانيا للايمان” وبدا وكأن كولومبوس هو المتفائل الوحيد ضمن فريقه: “اننا نطارد الشمس طوال حياتنا والآن اشعر أني امسك بها”! ….وبعد رحلة شاقة تبدو اليابسة فيها بعيدة المنال، يبدأ اليأس والارهاق يدب في نفوس البحارة: “لا يوجد سوى موتنا، من اجل جشع رجل من جنوا”، كما أنهم اصبحوا تائهين في بحر الظلمات الذي يبدو بلا نهاية … ثم حدث تمرد وعصيان، وما زال كولومبوس “الحديدي الارادة” متفائلا ومراهنا: ” ثلاثة ايام اخرى، واذا لم تشاهدوا الشاطىء سيتدحرج رأسي مقطوعا على سطح السفينة “!

الامعان في القتل حتى الارهاق!
راهن بشجاعة على قطع رأسه، وحلق رقبته وخلع السلسلة ” الملكية ” ووضع رأسه برباطة جأش نادرة منتظرا حد السيف (نموذج مذهل ونادر للقيادة والارادة)، ولكنهم في آخر لحظة شاهدوا نور الارشاد على الشاطىء البكر للعالم الجديد…اذن هذه هي اليابسة: “باسم الله واسبانيا ، شكرا للملائكة القديسين” أول الكلمات التي تفوه بها كولومبوس وصحبه عندما وطئوا شواطىء العالم الجديد، وركعوا على الرمال: أصبحت الآن أدميرال المحيط…فهؤلاء هم الهنود، وهم يعتقدون أننا آلهة حقا! الالهة كما في افريقيا لها وظيفة وهيبة ومقام، انها الوظيفة الاستعمارية المعهودة: “اعلن هذه الاراضي تابعة لفريديناند وايزابيلا من اسبانيا واسميها سان سلفادور”…وعندما يعجز خبير اللغات المرافق عن التفاهم والتحدث مع الهنود ، يقول له كولومبوس “اذا تكلم البرتغاليون مع الأفارقة، فسيتكلم الاسبان مع الهنود ( منافسة وغيرة استعمارية)”. ثم وجدوا حلية على انف هندي، وتبين انها مصنوعة من ذهب، اذن يوجد ذهب على سطح الجزيرة، لنقارن ذلك بالصراع الاستعماري الوحشي للاستيلا على مصادر الطاقة والنفط والمعادن. وبعد ذلك، أذاقوا الهنود المساكين طعم النبيذ الاسباني المعتق، واعطوهم خنجرا هدية لملكهم كبادرة لحسن النوايا، ثم ليكشفوا عن أنيابهم الاستعمارية-الوحشية وينكلوا بهم فيما بعد، وهكذا انتهى الأمر ببساطة واصبح العالم الجديد ملكا لاسبانيا، ثم جمعوا الذهب، واعدوا انفسهم لرحلة العودة، وبحث كولومبوس عن ستة هنود حمر لاصطحابهم معه في رحلة العودة بعد تنصيرهم، بعد أن قال لهم بصراحة: كل من لا يتحول لمسيحي يصبح عبدا، فاسبانيا بحاجة للاثنين معا، لقد اوحى لي الله للقيام بهذه الرحلة، ( لنتذكر حروب امريكا الصليبية ضد افغانستان والعراق…وكيف ادعى جورج بوش أنها مطلب الهي مقدس ايضا)!…اما كولومبوس فلم يشأ أن يلوث نفسه بدماء هؤلاء الهنود “الهمج” ربما للحفاظ على نقاء سمعته كمكتشف مغامر صاحب رؤيا، فترك المهمة وراءه على ارض الجزيرة لبحارة من عتاة المجرمين السابقين، فأمعنوا في اغتصاب النساء الهنديات، كما امعنوا في قتل السكان المحليين حتى اصابهم الارهاق وأزكمت الانوف روائح الدماء والجثث!

ولد وفي رأسه بوصلة!
قبيل وصول السفينة لشاطىء اسبانيا في طريق العودة، لفظ أعز اصقاءه انفاسه بين يديه قائلا: ” لقد شاهدتك تبحر مع الرياح، السر هو حيث توجد الرياح، هذا هو سرك الدفين..لا تدع الأكليروس يقيدونك بالسلاسل، اذهب والعب دور نصرك … ليكن الله معك” ، وقال معجبون يصفون كولومبوس: لقد ولد وفي رأسه بوصلة! أما المشهد الأخير في الفيلم فهو بالغ الدلالة، حيث يقول الملك “علمت بانه سينجح، وأنه سوف يعيد الثروة والشرف لأهل جنوا”، وتقول الملكة: “وكذلك لاسبانيا”. ثم يقول كولومبوس موجها كلامه ضمنيا لكبير اساقفة الأكليروس” لقد أوصلت بركة الله عبر المحيط ، وجلبت ارواحا مسيحية جديدة للمملكة “، فيقاطعه كبيرالأساقفة الذي يبدو منزعجا من نجاح رحلته: الآن اعلنت نفسك رسولا، فالله هو الذي قادك لما فعلته، ثم يقول الملك لكولومبوس: ” اركع امامي ….الان اسميك..ادميرال المحيط ونائب الملك في الهند، لقد حصلت على الاحترام والاعجاب فأين ذهبي”؟! ويأخذ صناديق الذهب ويغادر، كما يغادر كبير الأساقفة الذي لا ينسى ان يوجه نظرات استياء نافذة تخترق كولومبوس، وتبقى الملكة البالغة الاعجاب بكولومبوس ورحلته، فتقول باندهاش ودلال “أرني العالم الجديد”، فيعرض امامها خريطة بحرية قائلا:”انه عالمك الجديد”! ولا ينسى “كاتب السيناريو” الشاب الذي رافق كولومبوس في رحلته وأبدى قدرا كبيرا من الذكاء والفطنة، حيث يوجه هذا الشاب نظرات اعجاب ووفاء واضحة لسيده الذي أنقذه باصطحابه له من العقاب والعذاب المخصص للمتمردين للهراطقة.

كارثة قومية للهنود الحمر!
لقد واكبت حدث الاكتشاف والرحلة التاريخية هالة من الهيبة الزاخرة بالأقاويل، وقد دار سجال منذ مدة حول دور مزعوم محوري للرحالة العرب في مغامرة الاكتشاف نظرا لخبرات العرب المتميزة في الجغرافيا البحرية، وربما تم اخفاء هذه الحقائق بقصد هنا، ولكن يجب الاعتراف بحيادية الرؤيا التي طرحت في هذا الشريط، حيث يظهر حدث الاكتشاف والظروف التي واكبته بلا هالة مزيفة من العظمة التي تصاحب عادة شخصيات الغزو والاكتشاف، فرؤيا “جون غلين” تتحدث هنا عن طموحات رجل شجاع ومغامر مقدام وقائد نموذجي من الطراز الأول، كما تشير لبدايات النظرة الاستعمارية الحديثة، ولكن للهنود الحمر أًصحاب الأرض الحقيقيين رأي آخر، فقد احتفلوا بذكرى اسطورة الاكتشاف بطلبهم الملح للعودة لاراضيهم المغتصبة والحصول على استقلالهم الذاتي ….ولكن بعد فوات الآوان، فهذا الاكتشاف الذي غير مجرى التاريخ وربما الحضارة البشرية، يعتبر كارثة قومية للهنود في الأمريكتين حيث “البؤس والعزلة والاهمال” التام أصبح قدر حوالي خمس وأربعين مليون انسان هندي احمر، يعيش أربعون مليونا منهم في امريكا اللاتينية وثلاثة ملايين في الولايات المتحدة ومليونين في كندا، كما يرزح خمس وستون (بالمئة) منهم تحت خط الفقر ..ويعانون من أعلى نسب الانتحار والادمان على الكحول والمخدرات، وبالتالي فانه عكس ادعاء فوكوياما في “نهاية التاريخ” فقد كشف هذا العمل الفني الجدير بالتقدير على أن وصول المهاجرين الأوروبيين الى الأمريكتين، كان عملا بربريا بالغ القسوة والوحشية، عكس غزو العرب لاسبانيا الذي وصفه غارودي بالغزو الحضاري الانساني.

وبعد أن بدأت وكالة الفضاء الأمريكية (الناسا) مشروعا طموحا للبحث عن حضارات ذكية في الفضاء الخارجي وسعيهم لدراسة امكانية ارسال رحلة مأهولة للمريخ في غضون عقد، ومع تزامن ذلك مع الذكرى الستين تقريبا لبداية عصر الفضاء الأمريكي، وسعي الروس ايضا لرحلة مأهولة محتملة للقمر …فماذا ستقتبس مشاريع اكتشاف الفضاء والتنافس الدولي من رحلة كولومبوس التاريخية هذه: روح التعاون الانساني والاكتشاف والمغامرة والبحث عن آفاق رحبة جديدة للحضارة الانسانية، ام روح التنافس الاستعماري وعسكرة الفضاء والهيمنة والاستغلال الأناني للموارد؟ وهل سينجح الشريط الجديد المتوقع ام سيلاقي منتجه و مخرجه مصير “جون جلين” الذي خرج نهائيا من عالم السينما بعد تحفته السينمائية التاريخية هذه؟ وللمفارقة فرائد الفضاء الأمريكي الأول كان اسمه أيضا “جون جلين”!

لا تعليقات

اترك رد