عاش مفلسا و مات !

 

في رسالة من الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب الى الشاعر اللبناني يوسف الخال يقول له فيها : ( انني في فقر مدقع . انني مفلس ، مفلس تماما . قاتل الله الشعر لانه لا يشبع من جوع و لا يكسي من عري ) .
انها رسالة مفجعة و حزينة ، ان تكون حال شاعر رائد من كبار رواد الشعر العربي الحديث تفصح عن حالة العوز و الاملاق التي كان يعيشها ابان مرضه و هو في ايامه الاخيرة مرميا على سرير في احدى مستشفيات الكويت و ليس في مستشفى وطنه الذي كتب له اروع القصائد و الترانيم . قاتل الله الشعر ، فهو ليس من شعراء المنابر و جداول المناسبات طمعا في الحصول على جائزة من حاكم او وزير و لم يعرف عنه تملقه من اجل الحصول على حفنة من الدنانير بل ظل مفلسا لا غنى له سوى غنى الشعر الذي لم يشبعه من جوع و لم يكسه من عري
لم يمتلك في حياته قصرا و لا عربة نقل فقد ظل بيت اجداده في جيكور هو ملاذه الاول و الاخير و لم يبع تاريخه و وهجه الشعري و قدرته الفذة لاحد طمعا في مكسب مادي مكتفيا براتب ضئيل قطع عنه حين ترك الوظيفة باحثا عن شفاء له من امراضه المستعصية
قد كان يعرف معرفة حقيقية انه كان باستطاعته ان يكون كما كان اجداده الشعراء شحاذون على ابواب الخلفاء و الامراء و الوزراء بل وحتى من معاصريه و مجايليه و لكنه كان ابي النفس يرى ان للشعر غاية هي غير غاية التكسب في دواوين الحكام وذوي الجاه و السلطة و لكن الذي بقي لدينا من السياب هو اغنى من كل قصائد المتكسبين و اعظم و ارقى في سلم الحياة و الحضارة و المعرفة من المعبد الغريق الى شناشيل ابنة الجلبي . رحم الله السياب شاعرا و سيرة و رائدا و محدثا طفرة رائعة في مسيرة الشعر العربي المعاصر تجاوزت افاق ابي الخصيب الى كل ربوع الوطن العربي و مؤثرا في انقلاب لم يجرؤ عليه سواه في بنية النص الشعري شكلا و مضمونا .

لا تعليقات

اترك رد