كَفَى بِأَقْلَامِهِمْ أَحْلَامًا


 

الوصف حُلّة خلعها الشّعر على أفنان شاركته آلةَ البيان فلا ينفكّ له فيها أثر ظاهر وميسم باد. ولا غرو فـ”الشعر إلا أقله راجعٌ إلى باب الوصف”(1). وما الوصف إلّا فتنة التّصوير؛ فتنة اللّون والشّكل، فتنة الضّوء النّافذ إلى خبيء يمور في النّفس عَيَّ به اللّسان، فتنة الأشياء والأحياء تغتذي من قلب رائيها تنعكس عليها ظلال نفسه وتتخضّب بتلاوين شعوره وتنبئ عن ذوقه وعقله.

والوصف في القصّ فسحة السّارد يرتّب أمر قصّته، ونزهة القارئ تتناوبه أحوال التّجلّي والتّشوّف والتّوقّع، ومحفل اللّغة تميس في حرف لها شفيف لطيف.

الوصف لحظة مكثّفة في حياة الشّخصيّة تعيشها بحواسها المتنبّهة وحساسيّتها المرهفة ووجدانها تعتمل فيه المشاعر، زمان نفسيّ يلتبس فيه الحاضر بالماضي والواقعيّ الموضوعيّ بالذّاتيّ الحميم؛ لحظة تضعنا وجها لوجه أمام أحوالٍ كابدنا أو عشنا في عيون صحب وأحبّة فإذا نحن في وهج الرّوح تألم أو في وجيب القلب يحنّ ويذكر أو في بارقة أمل نَشِيمُها…

كذا الوصف لا يكون إلّا شعريّا بلغته المتعالية وبمعانيه الثّواني وبنبوءته المعجزة، وإنّك – أيّها القارئ – لتلقى منه لوحات فاتنات تترى، تتراكب، تتداعى كخطرات نفسك، واندفاع أمانيك وأنت تقرأ المجموعة القصصيّة ” سأكتفي بك حلما” للأديبة التّونسيّة نجيبة بوغندة.

هي في أقاصيصها الثّماني عشرة لا تنفكّ ولا ننفكّ معها ” نركض على مشارف (الحلم ) نزيّنه بألف وشاح …ونرسم عليه أمانينا بعيون حانية وبأقلام الرّصاص…بالدّهن والفرشاة…نأمل أن نصنع منه قوارب النّجاة من أنفسنا إلى أنفسنا”. (2)

أقاصيص تستبدّ بها الأحوال فلا مكان إلّا مكان دعا إلى الطّرب والشّجا، ولا زمان إلّا زمان هفا إليه القلب، ولا فعل إلّا ما اضطرب في النّفس أو ما تناهى من مطاوي الذّاكرة، ولا حركة إلّا حركة النّفس تجيش قَدَحَ أشواقها قادح.

ها هي ذي أمام البحر تصغي في هديره الصّامت إلى نشيج قلبها وتسأل أمواجه الحائرة حبيبا لها استعار لقلبه النّابض زرقةَ عينيه ثمّ ها هي ذي تترصّده في الوجوه وتلمح طيفه ” من وراء الزّجاج البعيد يسوّي بعض الكتب على رفوف مكتبته”، وفي نظرتيْ عاشقين، وفي روائح العطر في يدها، وفي أحلام يقظتها.

وها هو ” شاهين” على حافّته ” كلّما انكسرت موجة عاتية وتلاشى رذاذها وغشّى جزءا من صفحة وجهه، شعر بهدهدة تسكّن أوجاعه وتخفّف ألمه” (3) إذا ناغاه الموج في مدّه فإنّه يقفل راجعا مع جزره ” حيث البساتين الّتي رسمها في ليالي سهاده…يراقص أزهارها الفاتنة”. بساتينُ تبحث ” زهرةُ” فيها عن حبيب لها ” تاه وسط الزّحام”.

وها يتّخذ ” مقعدا يشرف على وجه البحر” (4) فإذا به في مجلسه ذاك يشرف على ماضٍ طفلٍ يسكنه بصفائه وصدقه وروعته وقد أثقلته سنونه الخمسون.

وها هو من خلف زجاج نافذته الّذي تنقره زخّات الغيث تخطّ خدّه وقد التصقت به أنفاس قهوته يرسل بصره – وقد مسح الضّبابَ العالقَ- إلى شبابه اليافع يرنو – من شرفة غرفته – إلى فَتاتِه الرّاقصة على وقع نقرات المطر يرسم ثوبها المبلّل ” ملامحَ أنوثتها الفاتنة على جسدها، فتورّدت وجنتا الحديقة تحت غمزات البرق المومض ومغازلته لراقصته المجنونة” (5)

كذا على الماء، بحرا كان أو مطرا، تنعكس صورة الذّات بأوجاعها وأحلامها تندلق مع موجه أو دفقه الرّغبات الجامحة والآلام العظيمة وتتحرّر الذّات من قيدي الزّمان والمكان. أمّا البحر فمجلس الشّخصيّة تراه وترى من خلاله وتتراءى على صفحته تنظر في عيونه تسحرها ” زرقته الفاتنة وألوان نباتات الزّينة على أطرافه” وتحاوره وتقترب موجته منها تناغيها. وعُد – أيّها القارئ – إلى هاتيك الشّواهد في محلّها من أقاصيصها تَجِدْ الأزمنة والأمكنة تجتمع على تباعدها عبر التّذكّر والأحلام والأخيلة والمناجاة فإذا الوصف لوحات متتابعات تُسلم إحداها إلى أخراها تتولّد عنها أو تقتضيها اقتضاء، وإذا للوصف وظيفته البنائيّة يضيء الحدث السّابق ويمهّد لأحداث لاحقة تبذر السّاردة فيه بذورها. وأمّا الماء فطقس التّطهّر والاغتسال والعروج إلى حلم قَصِيّ “فتحتْ ذراعيها في الهواء كمن يستجمع قواه لمعانقة الحلم ومشت على أطراف أصابعها كفراشة حلوة رشيقة…تلثم ثغور الرّياحين ثمّ تطير بعيدا بعيدا حتّى تكاد تلامس وجه السّماء”

لوحات وصفيّة تمازجُ السّرد والشّخصيّةُ تنجز الحدث أو تتخلّلُ مخاطباتِ الشّخصيّات في لحظات البوح والمكاشفة، تبوح الشّخصيّات بأشواقها وتبوح الكاتبة من ورائها برموز حمّلتها موصوفاتها ” أيّتها القطرات النّاقرة مع همس اللّيل على زجاج نوافذنا بوقع حبّات مائك، اشهدي أنّنا غسلنا أدران قلوبنا عند أعتاب مطرك المنهمر” (6).

وتحضر صورة الماء في عالم نجيبة بوغندة القصصيّ جزءا من عالم أكبر وأفسح هو عالم الطّفولة بطهرها ونقائها فهما معا حنين إلى الينبوع الّذي منه تفجّرت أنهار الحياة. الطّفولة زمان تهرب إليه الشّخصيّات “تستنشق عطرا يذكّرها بما مضى من الزّمن الجميل” ” فلا الرّيف بقي ذاك المكان بلونه الأخضر بعد الشّتاء الممطر تضوع رائحة الثّرى بين مسالكه…ولا الصّيف حافظ على طعم الملح بين شرائح سمكه على شاطئ القرية، ولا الرّبيع استطاع أن يرسم ألوان فراشاته على جوانب الطّرقات … ولا الخريف ترك شيئا من الحَبّ للنّمل المنتشر في الحقول …حتّى أقلام الزّينة بكلّ أنواعها والممحاة والطّبشور فقدت رائحتها الّتي كانت تعتّق ثنايا الحقائب الجلديّة…” (8)

وذي صور من هذا العالم البديع الّذي يحملنا إلينا، يحملني قسرا إلى أبيات كنتُ كتبتها أوّل الشّباب أذكر منها:
يا حبيبي قم بنا نمش الهوينى               نتأسّى بعهود قد طــــــــــــــــــــــــــوينا
فإذا أنت معي تخطو وحيــــــــدا           وإنا نحن كأنّـــــــــــــــــــــــــا ما التقينا
وإذا الأبصار منّا قد تمطّــــــت            وتجلّى الأمس محـــــــــمولا إلينا
وإذا نولد أطــــــــــــــــــــــفالا صغارا    نحمل الحبّ جميلا في يدينا

وإلى أبيات للشّاعر التّونسيّ جعفر ماجد حفظتها طفولتُنا:
” العب بالرّمل ولا تتعب                    قد أوشك صيفك أن يذهب
وقريبا تكبر يا أمـــــــــــــــــــلي           ويعــــــــــود الصّيف ولا تلعب”

ما إن نصل الشّاطئ …حتّى نسارع نرمي بأجسامنا الغضّة بين أمواج لذيذة اشتقنا إليها” (7) ” كنت أبني القصر فتقبل الموجة غاضبة ساخرة وتهدم ما صنعت يداي، وأحيانا يسبقها صديقي فيهدمها بركلة من رجله ويهرب، فألحق به وأجرّه من شعره وأغمس وجهه زمنا تحت الماء حتّى تسترخي حركته…لكنّه لا يغضب منّي ويعود كلانا إلى الآخر بشوق أكبر” (9).

والطّفولة عند القاصّة نجيبة بوغندة ليست هذا الحنين المشبوب فحسب بل هي إلى ذلك مسبار تختبر به حرارة الحدث وجذوته الباقية وأثره الحيّ كوشم لا يعفو. هل يُنسى صديق الطّفولة وزينتُها؟، ألا نَذكر ضاحكين مخاوفنا الطّفوليّة البريئة خوف السّارد من أن يحرم القبّرة رؤية صغارها؟، ألم نجلس مجلسه إزاء جدّه ” غرزت مرفقي في فخذه وأرحت خدّي على كفّي والتفتّ أحدّق في وجهه ..وجعلت يدي الثّانية تتحسّس تجاعيده”؟ أيّ خلود كخلود الأب “الطيّب” في قلب ابنه ” المعزّ” رمز بطولة وجهاد؟ لولا أطفالنا الّذين كبرت طفولتهم بين أيدينا هل كنّا نستثقل ” مرور الوقت ونحن ننتظرهم على الأعتاب لنملأ أحضاننا برائحتهم ونخلع عنّا شوق السّنين إليهم؟ الفتاة الصّغيرة الّتي لم يكلّمها حاتم الشّهيد هل دليل أقوى على ثقته ” في سنابل القمح الّتي ستمطر البلاد حَبّا”؟ (10)، هل تحتاج الأمّ بعد موت طفلتها وجدان مثل هذا القسم: “واللّه لولا ضحكات الطّفولة وتحليقهم حولنا كالفراش في لهوهم لما استعذبنا حياة”؟ (11)، أيّ جرم أفظعُ ممّا شهدته عينا طفل اغتصبت أمُّه وقُتلت؟ انظره وهو يأوي فزعا إلى خربة يلملم جراح الرّوح فإذا الذّات تنشطر بين حلم ترتفع إليه نفسُه الصّغيرة وواقع يُرديه ولا قاعَ. وحسبك دليلا هذه الصّورة الدّراميّة الّتي تقلب بقوّة التّصوير السّمع بصرا “كانت تناديه من بعيد فاتحة ذراعيها لتحضنه …فتح ذراعيه الصّغيرتين وتقدّم نحوها يشبع منها اشتياقه لها ويستنشق عطرها …لكنّه وجد نفسه يسقط على وجهه بين حجارة ذاك المنزل المدكوك” (12).

لوحات طفوليّة ينتزعك عالمها الشّعريّ من واقعك لتردّك إليه أبصرَ وأحدَّ وعيا بالتّحوّل الطّارئ في حياتنا وقيمنا وعلاقاتنا، بل لتضعَكَ وجها لوجه أمام آلام الواقع وجراحاته ومآسيه.

هي الطّفولة الشّاهدة والشّهيدة بعينيها التقطت “بوغندة” من ذاكرتها وحياتها وواقعها اللّحظات الأقوى جعلتها بؤرة الحدث القصصيّ تعيشها الشّخصيّة على مستوى كثافة ضميرها أصوغها كما انفعلت بها نفسي: الأحلام تتوسّد أمواج البحر العالية، حبّ تتراسل له القلوب، حنين إلى صديق طفولة، الحرب على الإنسان، فداء زهرة المدائن، ألوان طفولة ترسمُنا، الحريّة الضّحوك، أن تكون جديرا بالوطن، للجمر المحرق ضوؤُه، صوت ماضينا، “ما حُبّ الدّيار شغفن قلبي”، “لا بدّ للّيل أن ينجلي”، لحاتم أحلام يُكمل رسمَها وشمٌ على وجه أمِّه، طفولة ضاحكة تحلّق بعيدا، حبّ من صقيع.

أحداث لم تهتمّ الكاتبة بحبكتها على نحو مدهش أو مفاجئ بل تركتها تنمو داخل الذّات عبر أزمنة نفسيّة جلّاها الاسترجاع والحوار الباطنيّ والأحلام والمناجاة هيّأت لها مواقف التّأمّل الّتي أشرنا إليها والبوح على نحو ما نجد في أقصوصة ” سنوات الجمر” و” سأكتفي بك حلما”… وكان الوصف مجالَ الكاتبة للتّبئير كشفا للبواطن ورصدا لحركة النّفس ومجالا للتّحليل والإيضاح. ولم يكن همّها التّبشير برؤية فنيّة وجماليّة جديدة في كتابة القصّة قدر اهتمامها لتوقيع قيم في قرائها الأطفال واليافعين – وهي كاتبتهم الأثيرة – إذ يتصدّون لقراءة مجموعتها القصصيّة ” سأكتفي بك حلما”. ولعلّ ذلك ما دفعها أحيانا إلى إعلانها واضحة سافرة درجَ مخاطبات الشّخصيّات. على أنّها أيقظتْ أخيلتهم وقدحت زناد فكرهم ودفعتهم إلى التّأمّل في ذواتهم يصلحون من شأنها ويؤمنون بقدرتها بذاك الحوار المتخيّل بين ذلك الشّاب وتلك الفتاة السّيجارة في أقصوصة “الموؤودة” وبين الإنسان وظلّه في أقصوصة “الظّلال المنكسرة”.

وحسب أبنائنا التّلاميذ أن يأووا إلى أنفسهم بعد التّنزّه في هذه اللّوحات المشاهِدِ المضاءة ببريق عيونهم والملوّنة بألوان أقلامهم والمختطَّة بمضاء عزمهم فيرون رؤاهم فيقول أحدُهم محدّثا:

” رأيت في ما يرى النّائم زربيّة ذكّرتني خطوطها بخطوط الحراثة في أرض جدّي البهيّة… انظر يا جدّي لقد صدقتك الوعد، لقد جعلتها جنّة على وجه الأرض، اقترب منها، اشتمَّ رائحتها…إنّ رائحة عرق أقلامي كرائحة عرق العمّال وسط حقلك يا جدّي” (13)

(1) ابن رشيق. العمدة.
(2) نجيبة بوغندة. سأكتفي بك حلما. أقصوصة ” يا بحر”. ص 10.
(3) ن م. أقصوصة ” همس الوسادة “. ص 17.
(4) ن م. أقصوصة ” وشم على وشم “. ص 23.
(5) ن م. أقصوصة ” زخّات مطر” . ص 114.
(6) ن م. ص 118
(7) ن م. أقصوصة شقاوة الألوان. ص 64
(8) ن م. أقصوصة شقاوة الألوان. ص 69
(9) ن م . أقصوصة وشم على وشم. ص 27
(10) ن م. أقصوصة الاغتيال. ص 154
(11) ن م. أقصوصة: “الفراق المحتوم” ص 165
(12) ن م. أقصوصة” عزيزة قومها تغتصب”. ص 52
(13) ن م. أقصوصة شقاوة الألوان. ص 68

لا تعليقات

اترك رد