دول الخليج بقيادة السعودية تعيش مرحلة تحول اقتصادي يتماشى مع تغير توازن القوى في المنطقة

 

منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003 وما تلاه من ثورات الربيع العربي، دخلت المنطقة في حالة من إعادة ترتيب نفوذ القوى الكبرى وحتى القوى الإقليمية، وهو ما جعل النظام العربي برمته مهدد، ويتحول إلى دائرة جديدة ممثلة في مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية، إلى جانب الدائرتين التركية والإيرانية.

تاريخيا ترى روسيا في إيران قيمة جيوستراتيجية عالية جدا بالنسبة لها منذ الحرب الروسية الفارسية عام 1796 حتى تغلغل روسيا مع مطلع القرن التاسع عشر في جنوب القوقاز بعد تلقي أكثر من طلب من جانب جورجيا لحمايتها من الغزوين التركي والفارسي، فيما شهد عام 1806 حرب بين روسيا وتركيا.

بدأ التنافس الروسي البريطاني في بلاد فارس استمر نحو مائة عام، وشهد عام 1834 الصراع على أفغانستان بعدما أحكم الفرس الحصار على هرات عام 1833 فرض على الانجليز قيادة مقاومة لتحرير هرات من الفرس.

بل حتى الصين ترى في إيران قيمة جيوستراتيجية كمحور رئيسي في تقدم الصين باتجاه الغرب، بل تعتبره ضروريا لمواجهة كل من استدارة واشنطن نحو الشرق والتفوق البحري الأمريكي.

ما يعني أن سياسة التحالفات تتغير في المنطقة، وهي ليست كما كانت خلال العقود الماضية، وجدت السعودية أنه من الواجب الاعتماد على الموارد الذاتية، خصوصا وأن خطط الولايات المتحدة قد تغيرت بعدما وجدت من إيران الدولة الوحيدة في المنطقة التي قدمت لها خدمات لوجستية في أفغانستان وفي العراق، فلما لا تتحول إيران إلى حليف استراتيجي خصوصا بعدما وافقت إيران على توقيع الاتفاق النووي.

ليس فقط السعودية وبقية دول الخليج قلقين من هذا التقارب بين الولايات المتحدة وإيران، بل حتى روسيا قلقة من هذا التقارب، وهي تشعر بالقلق إزاء بعض أنشطة إيران الإقليمية والتهديد المتمثل في تقارب إيران مع الولايات المتحدة، ودور إيران المحتمل كنقطة انطلاق في صراع آخر.

السعودية تلعب على عدد من الجبهات، أهمها إيقاف التمدد الإيراني في المنطقة عبر إنشاء عدد من التحالفات العربية والإسلامية، وأثبتت بأن التحالف ضد الإرهاب ليس فقط ضد داعش، بل يشمل أيضا ضد الإرهاب الطائفي الذي تتزعمه إيران ووقف تغولها في المنطقة التي تجد تغاضيا دوليا، ولن تسمح لها بأن تصبح شرطي المنطقة، إلى جانب إثبات للولايات المتحدة بأن السعودية قيمة جيوستراتيجية أكبر من القيمة الجيوستراتيجية لإيران، والجبهة الأخرى التي تعمل عليها السعودية البحث عن تقارب مع روسيا في الالتقاء حول مصالح جيوسياسية، مع محاولة إقناع الصين بالدخول في الصراع الشرق أوسطي كطرف فاعل.

استطاعت السعودية في قيادة حقبة جديدة في تصحيح التوازنات الإقليمية، ومواجهة الاندفاعات الإيرانية التي تريد أن تكون أمر واقع يسبق الاتفاق النووي، وان تصبح قوة محورية وحيدة في المنطقة بأن توافق على إعطاء الغرب اتفاقا نوويا وأن يغض الغرب الطرف عن دور قيادي إقليمي.

السعودية قطعت شوطا في قيادة تحولات كبرى في المنطقة، والانتقال من المهادنة إلى المواجهة في الحفاظ على الأمن الخليجي والعربي، خصوصا بعدما بدأت بالتحالف مع مصر والحد من توظيف الإسلام السياسي، رغم محاولة عدد من الأطراف في فك هذا الارتباط، وقطعت شوطا في محاربة الإرهاب وحرمانه من أهم روافده وأقوى دعائمه توظيف الصراع السني الشيعي بالتوازي مع منع التدخلات الإيرانية التي تمر عبر بوابة الدفاع عن الأقليات الشيعية. تعيش السعودية مرحلة تحول وطني شامل بكافة جوانبه الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية، حتى تثبت للعالم بأنها دولة تتمتع بثقل اقتصادي، بجانب امتلاكها قيمة استراتيجية علاوة على القيمة الدينية، خصوصا بعد التغيرات الأخيرة التي حدثت في دوائر السياسات الأمريكية ما إذا كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية يمكن أن تكون شريكا طبيعيا للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وهو ما جعل إيران تقرأ تغير السياسات الأمريكية وجعلها تتمدد في الشرق الأوسط على حساب دول المنطقة مستثمرة ما يسمى بثورات الربيع العربي، شعرت حينها بأن لها وزن وقيمة استراتيجية في المنطقة، تعتقد أن إدارة أوباما اكتشفتها مؤخرا.

لم يعد التنافس السياسي كاف، بل تثبت السعودية كذلك أنها منافس اقتصادي، وترفض السعودية أي دعوات ربط دول الخليج بتأجيج جذوة التهديدات الراديكالية الإسلامية من خلال دعمها ومساندتها، من أجل أن يجعل الإيرانيون شركاء طبيعيين لأمريكا بديلا عن السعودية، رغم أن السعودية لم تطلب شراكة طبيعية بديلة عن الشراكة الطبيعية مع إيران.

وبعد أن تعرض سوق النفط لهزة عنيفة ما بين يونيو 2014 ويناير 2016 وانخفض سعر سلة أوبك بنسبة 80 في المائة وهو أكبر نسبة هبوط في ست دورات عايش فيها السوق الانخفاض الحاد في الأسعار خلال العقود الثلاثة الماضية.

ومنذ دعوة الملك عبد الله للتحول من التعاون إلى الاتحاد ، والتي يعتبرها البعض بأنها جاءت استجابة للتحديات التي تواجه دول الخليج، رغم ذلك اعترض تحقيق هذه الدعوة عدد من المعوقات، بسبب أن دول الخليج الست لم تستعد لمثل تلك الدعوة ولم تكن جاهزة، وكل المحاولات باءت بالفشل، وبدأت دول الخليج تبحث عن صيغة تقود إلى تحقيق هذا الاتحاد.

لقد اكتشفت دول الخليج أن القطاع الخاص لا يتجاوز دوره عن دور المنفذ للتشريعات فقط في معظم دول الخليج، وكان خلال الفترة الماضية بعيدا كل البعد عن دور المبادر في صياغة مثل تلك التشريعات التي تتعلق بالتنمية الاقتصادية والتي تقود إلى التكامل الاقتصادي وهي أحدى العوامل الرئيسية في تحقيق قرار التحول إلى الاتحاد الخليجي .

ولا يعني التكامل فقط بين الدول الخليجية الست بل هو تكامل مطلوب وأساسي بين القطاعين الخاص والعام في كل دولة من دول المجلس، لذلك نجد أن التجارة البينية في دول الخليج هي أقل حتى من التجارة العربية البينية بين الدول العربية عام 2010 التي تصل النسبة إلى 8,3 في المائة بين الدول العربية والتي ارتفعت عام 2013 إلى 10 في المائة، بينما تنخفض النسبة بين دول الخليج إلى 6 في المائة، في حين نجد النسبة بين دول الآسيان تصل إلى 25,5 في المائة، ولكنها ترتفع بشكل كبير بين دول الاتحاد الأوربي تصل إلى 67,4 في المائة تحاول أمريكا أن تقتطع نصيبها من تلك النسبة عن طريق توقيع اتفاقية تجارة حرة عبر الأطلسي وحجم اقتصادهما يمثلان 40 في المائة من حجم الاقتصاد العالمي .

المشاركة في صياغة التشريعات التي تتعلق بالتنمية الاقتصادية بجانب الشراكة الكاملة مع القطاع الحكومي يذيب الفوارق بين القطاعين، وهي طريق للقضاء على الفساد في القطاع الحكومي، ولكن يحتاج القطاع الخاص ممثلا في الغرفة التجارية في دول الخليج منحة صلاحيات كاملة لمراجعة برامج التنمية الاقتصادية لتطوير هذا القطاع والانتقال إلى دور الشراكة الكاملة بين القطاعين من جانب، وبين الدول من جانب آخر ، وهذه الصلاحيات تفوض القطاع الخاص بإدارة ثروات دول الخليج التي يمكن أن تواجه ممانعة من قبل الجهات السياسية .

ووفق التصنيفات الدولية فلقد صنفت وكالة ( إم إس سي آي ) السعودية وقطر ودولة الإمارات إلى درجة الأسواق الناشئة بسبب نشاط البنية التحتية التي تتولاها الحكومات في هذه البلدان ، وهناك تقرير جيد عن أداء دول الخليج ، وهذا التقرير أشار إلى الأداء الجيد في النمو الاقتصادي المتصاعد، ولكن يتركز الانتعاش فقط في أسواق العقار، بجانب المبادرات الحكومية المستمرة والمعززة للبنية التحتية الاجتماعية، ويمكن أن يقفز حجم الاقتصاد الخليجي إلى ثلاثة تريليونات دولار بنهاية عام 2020 من 1.7 تريليون دولار عام 2014 والذي يمثل 40 في المائة من الاقتصاد العربي .

فيجب توجيه هذا النمو لصالح الاتحاد الذي بحاجة إلى سرعة اتخاذ قرارات في ظل وجود أجهزة مفرغة من العمل غير متواءمة ومتناسبة مع نمو الاقتصاد الخليجي الذي بلغ حجمه عام 2002 نحو تريليون دولار، بينما كان يتوقع أن يصل بنهاية عام 2012 نحو تريليوني دولار ولكن هذا التوقع لم يتحقق .

وعندما تتحول دول الخليج من التعاون إلى الاتحاد فهي مرشحة للتوسع والنمو الاقتصادي أكبر مما هي عليه الآن وسيقفز حجم الاقتصاد الخليجي ويتضاعف لأنه يمتلك كافة مقومات التوسع والنمو .

بالطبع اتبعت دول الخليج عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008 بسياسات مالية توسعية تساعد المنطقة على التغلب على آثار الأزمة المالية العالمية ومن متابعة صندوق النقد الدولي للإنفاق الحكومي في دول الخليج وجدت انه ارتفع عام 2011 في دول المجلس الست إلى 20 في المائة بسبب أن الحكومات كانت تواجه اضطرابات في الشرق الأوسط من خلال زيادة الإنفاق الاجتماعي .

وبنا التقرير على توقعات متشائمة بسبب أن اقتصادات الخليج لا زالت تعتمد على إيرادات النفط أكثر من 80 في المائة من الإيرادات الحكومية وقد يكون الصندوق محق في تلك النقطة، حيث تمتلك أصولا سيادية تقدر بنحو 1,9 تريليون دولار بنهاية عام 2012 ويحتمل أن ترتفع إلى ثلاثة تريليونات عام 2017 إذا استمرت أسعار النفط على ما هي عليه، فان إقدام دول المجلس على الاتحاد الخليجي سيغير من قواعد التكامل الاقتصادي بين دول المجلس. دول الخليج بقيادة السعودية تستثمر ظروف عالمية من أجل مسابقة الزمن لمواكبة التطورات الاقتصادية والعلمية في العالم وأن تتحول منطقة الخليج إلى محطة اتصال قارية، فمن خلال المنتدى الخليجي البريطاني يطرح خطى التنويع الاقتصادي بعيدا عن النفط من خلال تطوير الشراكة الاستثمارية وكيفية تطوير آفاق التعاون الاقتصادي بين الجانبين، خصوصا وأن هناك استثمارات سعودية فقط في بريطانيا تصل إلى 60 مليار جنيه.

هدف دول الخليج الإصلاح الاقتصادي كعامل نجاح في بناء اقتصاد متوازن وقوي وتحقيق نمو مستدام، وأهم عاملي إصلاح في دول الخليج هما أن تخطو نحو تقليل اعتمادها على البترول والعمالة الخارجية، خصوصا وأن السعودية عدد سكانها 31 مليون نسمة يمثل الشباب دون سن 25 عاما فيها نسبة 49 في المائة، ومن هم دون سن 35 عاما يمثلون 60 في المائة، وسيدخل خلال السنوات ال15 القادمة نحو 6 ملايين جدد من الشباب السعوديين إلى سوق العمل، وهو ما يعكس الطاقة البشرية الضخمة التي تمتلكها السعودية التي قررت أن تستثمر هذه الطاقات في صالح تطوير الوطن وتأمين العيش الكريم.

حيث تعاني دول الخليج تحديات على رأسها الأمن الغذائي والأمن المائي إلى جانب تأمين السكن بشكل خاص في السعودية والفرص الوظيفية للأجيال القادمة، حيث يختلف الإصلاح من بلد لآخر، حيث فقدت الولايات المتحدة بين عامي 1999-2011 2 مليون وظيفة على الأقل بسبب الارتفاع الهائل في الواردات الصينية، لذلك تعاني الولايات المتحدة نظرا لضيق حيز الحركة المتاح للسياسات من عدة أوجه، حيث يتعين العمل بكفاءة على نشر جميع أدوات الدعم الرئيسية المتعلقة بالسياسات، من سياسات المالية العامة الداعمة للنمو، والسياسات الهيكلية جيدة التسلل، ودعم السياسات النقدية لتثبيت التوقعات الضخمة

إذا كان العالم بعد ثماني سنوات من اندلاع الأزمة المالية العالمية، لا تزال تترنح عملية انتعاش الاقتصاد العالمي وسط خشية الكثيرين من انزلاق النمو العالمي إلى خطر العادي مجددا على نحو دائم، حيث خفض صندوق النقد الدولي توقعاته لمعدل النمو الاقتصادي العالمي للعام 2016 من 3.1 في المائة إلى 2.9 في المائة، وحذر صندوق النقد من أن هذه الفترة المطولة من النمو البطئ عرضت الاقتصاد العالمي لخطر الصدمات السلبية، ورفعت خطر انزلاق العالم إلى الركود.

انعقاد قمة مجموعة العشرين بهانغتشو للاقتصادات الكبرى في قمتها ال11 في يومي 4 و 5 من سبتمبر 2016 على أمال عالية معلقة في ثاني أكبر اقتصاد في العالم في قيادة العالم الذي تشارك فيه السعودية الدولة العربية الوحيدة للخروج من فخ النمو العالمي تحت عنوان بناء اقتصاد عالمي ابتكاري ونشط ومترابط وشامل.

السعودية باعتبارها عضو فاعل في مجموعة الاقتصادات الكبيرة، عليها أن تعيد قراءة النمو الاقتصادي الاحتوائي تماشيا مع النمو الاقتصادي في الاقتصادات الكبيرة التي تشاركها الاجتماع، وهو ما يؤكد ارتباط الاقتصاد السعودي بالاقتصاد العالمي، حيث أن النمو هو أبعد من الأرقام، النمو الحقيقي قادر على توزيع ثماره، ويكون قادر على توفير الوظائف، وقادر على الوصول إلى الخدمات الأساسية غير معتمد على المعاملة التفضيلية التي تقدمها الحكومة والتي قد تكون مؤقتة لحين تتحول الشركات والمصانع إلى شركات منافسة.

تتجه الدولة نحو التخلي عن النمو الاحتوائي حتى يتمكن النمو الاقتصادي من الإنفاق الأفضل جودة على برامج البنية التحتية والتعليم والرعاية الصحية، حيث يأخذ في اعتباره العدالة عن طريق منح الدعم لمستحقيه بدلا من استئثار الأثرياء به، مع وقف الامتيازات الخاصة، ما يعني إزالة جميع الثغرات التي شوهت الاقتصاد المحلي، وأعاقت نموه الحقيقي، واكتفت بالنمو الاحتوائي في الفترة الماضية الذي لا يحقق اقتصادا متين يتناسب مع حجم الاقتصاد السعودي وإمكاناته الضخمة.

تسعى الدولة نحو استدامة الإنفاق العام وما يتبع ذلك من تحسن في ثقة واستثمارات القطاع الخاص لكنها لن تفكر في حلول سريعة وارتجالية لحل مشكلات الاقتصاد المحلي، بل على العكس اتجهت نحو النظرة طويلة المدى المتمثلة في رؤية المملكة 2030، وتنظر لما هو أبعد من المنظور القومي المعتاد لتؤكد أنها تبحث عن حلول غير تقليدية بل تعتمد على الابتكارات لاعتلاء القمة.

وأشار التقرير إلى أن أبرز العوامل التي ستؤثر في توقعات النمو في الناتج المحلي الإجمالي لدول الخليج، تتمثل في انكماش الإنفاق الحكومي، وتراجع استثمار القطاع الخاص، وارتفاع تكاليف تمويل العجز في الميزان الحكومي، في حين أبرز العوامل المتوقع تأثيرها بزيادة معدل التضخم في أسعار المستهلكين رفع الدعم عن المنتجات النفطية.

وأشار التقرير الذي يركز على آفاق النمو الاقتصادي واتجاهات الأسعار في اقتصاد مجلس التعاون لدول الخليج العربية خلال الفترة 2016 – 2017 إلى تراجع معدل النمو في اقتصاد مجلس التعاون في عام 2016 إلى معدل 2.0 في المائة وهو معدل أقل من متوسط النمو خلال الفترة 2011 – 2015، والبالغ 4.9 في المائة، ولكنه سيتحسن عام 2017 إلى 3.4 في المائة بالأسعار الثابتة، ونمو القطاع غير النفطي 3.9 في المائة، وأن يأخذ دور القيادة في النمو الاقتصادي في هذه الفترة في ظل تراجع أسعار النفط.

وسينكمش الناتج المحلي بنسبة 11 في المائة خلال عام 2016، وذلك بصورة أقل من معدل الانكماش في 2015 والبالغ 15 في المائة، ويبلغ معدل التضخم في عام 2016 نحو 2.6 في المائة وفي عام 2017 نحو 2.8 في المائة وهي معدلات أعلى بقليل عن متوسط التضخم في الفترة 2011 – 2015 والبالغ 2.5 في المائة، رغم ذلك فهي أقل من معدل التضخم العالمي المتوقع في عامي 2016 و 2017 ليصل إلى 3.4 في المائة و3.2 في المائة على التوالي.

غير أنه مع تنفيذ الدول الأعضاء لسياسات التصحيح المالي في إطار سعيها لتحقيق التوازن بين المحافظة على معدل النمو الاقتصادي واستدامة الإنفاق العام وما يتبع ذلك من تحسن في ثقة واستثمارات القطاع الخاص، فمن المتوقع أن يتحسن النمو في عام 2017 ليصل في حدود 3.4 في المائة.

تتجه الدولة نحو تأهيل الاقتصاد المحلي وفق المعايير الدولية تتماشى مع التوجهات الجديدة للدولة وفق التحول الاقتصادي 2020 ورؤية المملكة 2030، فمنعت من المضاربة على الأراضي البيضاء، ووضعت الرسوم التي تغير من مسار سوق الأراضي البيضاء لصالح الإسكان، سيكون المستفيد الأول المستهلك الذي حرم من المسكن في الفترة الماضية رغم الجهود الحثيثة التي تقدمها الدولة للمواطنين لذلك تلك الخطوة ستحد من ارتفاع الأسعار لصالح فئات محدودة من المجتمع.

يبدو أن مشروع الخصخصة في السعودية تعثر خصوصا بعد الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من أمريكا، وتعثرت اقتصادات الدول المتقدمة وبدأت تبحث عن مخارج لاستعادة النمو الاقتصادي، لكن من اتكأ إلى هذه الأزمة فقد كانت قراءته خاطئة، وأن الأزمة المالية في الغرب لم تكن نتيجة الإصلاحات الاقتصادية أو الخصخصة بل كانت نتيجة أخطاء في الحوكمة والرقابة وفصل السلطات.

فالأزمة الاقتصادية المالية العالمية لم تكن وليدة قوى السوق التي تدعو لها الخصخصة أو أنها نظام قائم على قوى السوق، كما أن البعض روج بأن الخصخصة لا يمكن أن تنجح إلا في الاقتصادات الديمقراطية، وتم الترويج بأن الخصخصة لها عيوب خصوصا عند تطبيقها في الدول النامية التي تغيب لديها الحوكمة والرقابة والترويج بأن أملاك الدولة تتحول إلى نفس الفئات التي كانت تحتكر قطاعات بعينها في القطاع الخاص والتي يمكن أن تتحول إلى اقتصادات طفيلية.

خصوصا وأن السعودية تعاني من اعتماد القطاع الخاص على اليد العالمة الأجنبية، بينما تسعى الدولة جاهدة البحث عن سبل توطين اليد العاملة الوطنية، في حين أن الخصخصة تتخلص من جيوش العمالة باسم تقليص التكاليف من أجل الاستمرار في سوق المنافسة.

هدف الخصخصة تخفيض الالتزامات المالية للحكومات وتخفض حجم الميزانيات العامة وتقلل من الدور الذي تقوم به الحكومة في الاقتصاد، وليس هدف الخصخصة فقط تحويل أو بيع الأصول العامة إلى القطاع الخاص، بل العكس يمكن للقطاع الخاص أن يدير الأصول العامة بدلا من إدارة الحكومة بإدارة تجارية ترفع من كفاءة استخدام الموارد في المجتمع ومن ثم ترفع الكفاءة الاقتصادية بشكل عام.

فكيف اقتصاد بحجم السعودية يمتلك من المقومات ما يؤهله أن يكون من أكبر الاقتصادات في العالم، بل علينا تعزيز تواجدنا في قمة العشرين، وبالنظر إلى موازين السعودية خلال الفترة الماضية نجد أن الاقتصاد السعودي كان رهينة لمداخيل النفط، فمثلا نجد أن إيرادات الدولة في عام 2008 نحو 1101 ألف مليار ريال، بينما انخفض دخل الدولة في السنة التي بعدها في زمن الأزمة المالية عندما انخفضت أسعار البترول في منتصف العام إلى 35 دولار للبرميل انخفضت تلك المداخيل إلى نحو 510 مليار ريال، ثم ارتفعت تلك المداخيل بعدما ارتفعت أسعار البترول في الأعوام التي بعدها ثم عادت وانخفضت في عام 2015 إلى 608 مليار دولار منخفضة من 1044 ألف مليار ريال عام 2014.

بالطبع النفقات ارتفعت من 465 مليار ريال عام 2007 إلى نحو 1110 ألف مليار ريال عام 2014 ثم انخفضت إلى 975 مليار ريال في عام 2015 أي أن انخفاض المداخيل وصل إلى 50 في المائة أو أكثر، لكن النفقات لن تنخفض تماشيا مع انخفاضات الإيرادات، خصوصا وأن الدولة تتوقع عجزا مقداره 325 مليار ريال عام 2016 وقد يكون أكثر وهو ما جعلها تقدم على إصدار قرارات تخفض من هذا العجز، رغم أن الدولة تمتلك من الاحتياطيات التي انخفضت من 732 مليار دولار عام 2014 إلى 628 مليار دولار في نوفمبر 2015، لكن ليس من الحكمة السحب من تلك الاحتياطيات وجعلها تتآكل دون أن تقوم الدولة بإصلاحات اقتصادية وتمكين القطاع

الخاص أن يقوم بدوره، خصوصا وأنه يمتلك قدرات تؤهله القيام بمثل هذا الدور، خصوصا وأن أسعار النفط ستتأرجح ما بين 50 – 70 دولار للبرميل خلال الخمس السنوات القادمة بحسب أغلب التقارير.

ولجأت الدولة إلى خطوات ترشيدية سريعة خصوصا وأنه قدر دعمها للطاقة في عام 2015 نحو 107 مليار دولار، فاتجهت إلى رفع أسعار البنزين بنسبة 60 في المائة لتقليص العجز وإن كان محدودا، خصوصا وأن نفقات الرواتب تبلغ عام 2015 نحو 323 مليار ريال مرتفعة من 223.9 مليار ريال عام 2010.

فأبقت على الرواتب التي قيمتها تبلغ 239.4 مليار ريال التي تشكل 74 في المائة من المخصصات لكن اكتفت بتقليص جزء من البدلات التي تبلغ 79.2 مليار ريال من أجل تقليص العجز، وفي نفس الوقت لم تكن قد استهدفت الراتب الأساسي لحين تحقيق وجني ثمرة الإصلاحات الاقتصادية لتحرير موارد الدولة من الارتهان لموارد النفط، وفق التحول الوطني 2020 وتحقيق رؤية المملكة 2030.

الاقتصاد الريعي يعتمد على دخل وحيد كمصدر أساس للدخل، وينعكس ذلك على الآثار السلوكية على القطاعات الاقتصادية سواء أكان قطاع خاص أو قطاع عام مما ينعكس أيضا على سلوك المواطنين، ما يجعل المجتمع ريعي هش، سهل الانهيار، وهو نظام اقتصادي غير مستدام، بسبب أن الاقتصاد الريعي يكون بعيدا عن عمليات إنتاج، أو عمليات تصنيعية تحويلية.

الاقتصاد الريعي اقتصاد بعيد أيضا عن اقتصاد الدولة، والبعض يسميه بالاقتصاد الافتراضي، أو النقيض للاقتصاد الإنتاجي، بينما اقتصاد الرفاه الاجتماعي، أو دولة الرفاه الاجتماعي، يعتمد على التنمية الإنسانية، ومحاولة تعظيم المكاسب الليبرالية السياسية، ويتغلب في نفس الوقت على طغيان الليبرالية الاقتصادية المتوحشة، أي دمج مفاهيم العدالة الاجتماعية مع الليبرالية السياسية.

الاقتصاد الريعي يؤدي إلى هدر واستنزاف ثروات الدول، وإلى حدوث تشوهات هيكلية في اقتصاد الدولة، الذي ينتج عنه الاقتصاد الخفي يفشل كثير من الاستراتيجيات التي تولتها الدولة، مثل توطين العمالة المحلية، وتوطين محلات المستلزمات النسائية، نتيجة اعتماد الاقتصاد المحلي على العمالة الوافدة غير الماهرة، والتي تعمل بأسماء سعودية خصوصا في سوق التجزئة، مما خلق سوق قرصنة العمالة الوافدة.

وإن كان يجب عدم المبالغة كثيرا بأن اقتصاد السعودية اقتصاد ريعي، بل وإن اقتصاد السعودية ليس حديث عهد بالتطوير والإصلاح، وأن يوصف ارتباطه بمورد واحد هو النفط فيه شئ من المبالغة وتجاهل حقيقة الاقتصاد السعودي وثقله على المستوى المحلي والخليجي رغم ما يشوبه من تشوهات هيكلية.

الاقتصاد الريعي جعل الاقتصاد السعودي يبقى اقتصاد محلي يعاني تشوهات في هياكله الاقتصادية، يعتمد القطاع الخاص على اقتصاد الامتيازات، مما جعله اقتصاد طفيلي غير قادر على بناء قاعدة صناعية لمنتجاته التي يروجها عبر عقود عبر وكالات، أي اقتصاد لا يخضع لمعايير المنافسة مكبل بقيود الاحتكار.

ارتبط القطاع الخاص بشكل وثيق بأسواق النفط، والرهان على الميزة النسبية بمفردها لا ينهض بالاقتصادات وهو يساهم في الاقتصاد غير النفطي بنسبة 40 في المائة،، بينما في إجمالي الاقتصاد بنسبة 28 في المائة وهو يمثل 50 في المائة من جملة المشروعات القائمة في السعودية، لكنه يشكل 97 في المائة في أمريكا، وفي الصين نحو 80 في المائة، وهو المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي، ومشاركا في تقليص البطالة.

لذلك كانت نسبة مساهمة الصادرات غير النفطية 34 في المائة من الواردات السلعية عام 2014 أي 221 مليار ريال من مجموع واردات 652 مليار ريال، بينما وصلت الصادرات الخدمية إلى 15 في المائة فقط بنحو 44 مليار ريال من إجمالي واردات 290 مليار، بينما وصلت الصادرات السلعية غير النفطية في عام 2015 إلى 163.5 مليار ريال بنسبة 27 في المائة من إجمالي إيرادات الدولة البالغة 608 مليارات ريال، فيما تمثل الإيرادات النفطية 73 في المائة تمثل 444.5 مليار ريال.

ومبيعات سابك لا تتجاوز 60- 70 مليار دولار رغم أنها تنوي أن يتضاعف إنتاجها خمسة أضعاف عام 2020، لكن الصين أكبر منتج ب750 مليار دولار، والولايات المتحدة ب500 مليار دولار، واليابان ب200 مليار دولار، وهي دول لا تمتلك ميزة نسبية، ولكنها تمتلك ميزة تنافسية.

السعودية قوة جذب اقتصادية، ومركز ثقل اقتصادي تنافسي بسبب أنها تمتلك ميزة نسبية تؤهلها إلى أن تمتلك الميزة التنافسية لأنها تمثل شريان العالم التجاري، لذلك أدرك تلك الحقيقة الملك سلمان وصمم على إخراج الاقتصاد السعودي من المحلي إلى العالمي عبر تحرير تجارة التجزئة ووقع شراكة إستراتيجية للقرن الواحد والعشرين سميت بالشراكة المتجددة عن طريق ربط القطاع الخاص الأمريكي بالسعودية لعقود طويلة.

السعودية تتجه نحو قيادة ثلاثة مسارات في آن واحد، وهي السياسة النقدية والنفطية والاقتصادية، خصوصا ما يتعلق بالسياسات الاقتصادية التي تتعلق بدعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة والانتقال إلى عصر الصناعة ضمن إستراتيجية التنمية المستدامة وصناعة الخدمات والواردات.

تتجه الدولة إلى تنويع الاقتصاد والتركيز على الصناعات التعدينية بمختلف مراحلها بداء من الاكتشافات إلى الاستغلال ثم التصنيع كركيزة ثالثة في الاقتصاد السعودي بعد البترول والبتروكيماويات بل ستتفوق عليها مستقبلا.

السعودية ترتكز على قوة اقتصادية ومالية كبيرة تجعلها أكثر مرونة في تجاوز الأزمات مع هدف لرفع متانة الاقتصاد السعودي وتنوعه أمام الاقتصادات العالمية الكبرى خصوصا وأن السعودية إحدى الدول في مجموعة العشرين وهي الدولة العربية الوحيدة.

تقود الدولة التحول الوطني إستراتيجي في مداه وطموحه، إذ يتأهب للإبحار في مرحلة جديدة، وتسعى تلك الإستراتيجية للقفز فوق محابس تبعية النفط والريع والدخول في العصر النفطي الثاني ونقله من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي منهج إصلاح وتدرج في التغيير والتطوير، وهو تحول وطني من الرعوية إلى التنموية، بان تصبح مؤسسات المجتمع شركاء مع الدولة في التنمية.

تلك الطموحات تتحقق من خلال إعلان برنامج تطلعات باقتصاد متنوع ومنافس والبحث عن إيرادات مستقرة بعيدا عن إيرادات النفط المتقلبة، ما يعني أن ميزانية عام 2016 تحمل في ثناياها رفع كفاءة الإنفاق، ومواجهة انخفاض أسعار النفط بالانضباط المالي، ولكن باحتياطيات ضخمة ودين منخفض ومعدل تضخم متراجع إلى 2.2 في عام 2015 لرسم اقتصاد المرحلة المقبلة وهي ميزانية لا تميل إلى التقشف بل إلى الإنفاق على المشروعات الأكثر أهمية وبناء الإنسان، إذ تقدر الميزانية إنفاق بواقع 840 مليار ريال انخفاضا من 975 مليار ريال في 2015 وكانت الميزانية الأصلية تقدر الإنفاق بواقع 860 مليار ريال.

التحول الاقتصادي في السعودية الذي يمكن أن يتجه إلى استغلال المزايا النسبية الطريقة المثلى لأي تحول اقتصادي، حيث وفر التحول الاقتصادي في ماليزيا أكثر من 3 ملايين وظيفة، وفي نفس الوقت المجتمع بحاجة إلى محاولات فكرية جادة لتغيير النظرة الاجتماعية حول اقتصاد الرفاهية في زمن الخصخصة واللامركزية.

إعادة هيكلة الوزارات تدعم دخول الشباب للقطاع الخاص، التي تتماشى مع رؤية السعودية 2030 التي تهدف إلى رفع مساهمة القطاع الخاص بالناتج المحلي إلى 65 في المائة ارتفاعا من 40 في المائة في عام 2015، مع ضرورة تزامن الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية مع برامج تحمي متوسطى ومحدودي الدخل.

الاقتصاد يرسم خطة عمل للفترة 2016 – 2020 ب 14 محورا للإصلاح الاقتصادي والمالي والهيكلي، يستهدف التخلص من الكثير من أشكال الاحتكار أحيانا ، والتخلص أيضا من أوجه الفساد المالي والإداري أحيانا أخرى، إضافة إلى التخلص من أنماط البيروقراطية المهترئة التي تسببت في تعثر أو توقف مشروعات التنمية الشاملة، أو تسببت في تدني أداء الأجهزة الحكومية وقصور خدماتها وارتفاع نسب البطالة التي أثرت على المجتمع نتيجة تراكمها طوال الأعوام الماضية دون أية حلول أو إصلاحات حقيقية، ما اصطلح على تسميته الفجوة التنموية.

الدول التي لديها منظومة اجتماعية واقتصادية وقانونية وقضائية كاملة لم تواجه مشكلة التوطين مثلما يعاني المجتمع السعودي، وتقبل تلك الدول بنقل المصانع وحركة رأس المال باتجاه مناطق النمو الجديدة، لكنها لا تقبل أن تكون على حساب الأجور، رغم أن السعودية وقعت مع منظمة العمل الدولية على اتفاقية المساواة وعدم التمييز بين العمال سواء السعودية أو الوافدة، ومن ذلك المساواة في الأجر والمساواة في ساعات العمل وهي التي تخلق المنافسة الحقيقية وتخلق سوق عمل حقيقي، حتى ضغوط وزارة العمل والداخلية على السوق لم تنجح في تصحيح مسار السوق ويدفع المجتمع التكلفة بارتفاع نسب البطالة بين أفراده.

أصبحت وزارة العمل أمام معادلة صعبة رغم ضخامة الجهود التي تبذلها من أجل إقناع صاحب العمل بضم أكبر عدد ممكن من الأيدي الوطنية التي تسببت في سعودة وهمية وبأجور متدنية واتساع رقعة التستر ما جعل العديد من القطاعات الاقتصادية محتكرة للوافدين نتيجة غياب القوانين والتشريعات ومعاقبة المخالفين التي تحكم العلاقة بين المجتمع وأصحاب الأعمال كما هو سائد في جميع بلدان العالم.

ووفقا لتحليل وحدة التقارير الاقتصادية في صحيفة الاقتصادية بلغ معدل البطالة بين السعوديين نهاية عام 2014 نحو 11.7 في المائة وهو معدل أعلى بنسبة 6.2 في المائة عما استهدفته الخطة التاسعة التي انتهت عام 2014، وتستهدف الخطة العاشرة في ظل التحول الاقتصادي 2015 – 2019 خفض معدل البطالة من 11.7 في المائة بنهاية عام 2014 إلى 5.1 في المائة بنهاية الخطة العاشرة 2019 .

ورغم أن 150 مهنة مقتصرة على السعوديين لكن بسبب التحايل فشلت وزارة العمل في تحقيق تلك الاستراتيجية، بسبب أن وزارة العمل تهدد القطاع الخاص بوقف الاستقدام والخدمات عن الشركات التي تفصل المواطنين تعسفيا ما يجعل القطاع الخاص يتحايل على وزارة العمل بتوظيفهم برواتب ضئيلة بدلا من فصلهم حتى يستقيل المواطن ويحاول أن يبحث عن بدائل أفضل بسبب تدني الأجور، ووفقا للأرقام الرسمية فإن 55.4 ألف سعودي لا يرغبون في العمل رغم أن أعمارهم تتجاوز أل 15 سنة وليسوا طلابا، لكن هناك تراجع معدلات تسرب السعوديين من القطاع الخاص إلى 10 في المائة فقط، رغم ذلك فإن الوافدين يستحوذون على 54 في المائة من الوظائف التي يوفرها القطاع الخاص، وهناك 1.32 مليون منشأة تشكل نسبة 74 في المائة من إجمالي المنشآت السعودية التي لا يعمل فيها أي مواطن، وذكرت دراسة أن قوة العمل خارج سوق العمل تصل لنحو 10.3 مليون أي بنسبة 46.4 في المائة من السكان بعمر 15 سنة فأكثر منهم 8.23 مليون مواطن، ما يرفع نسبة الإعالة بين المواطنين إلى 1 لكل 2.7 فرد، ويتم إصدار 10 آلاف ملف تجاري جديد شهريا وتعترف وزارة العمل بان تلك الملفات بحاجة إلى 800 ألف عامل سنويا ما يعتبر استمرار فشل معالجة توطين الوظائف.

لا زالت جهود الوزارة احلالية أكثر منها خلق وظائف جديدة مثل برنامج تغيير أوزان العمالة الوافدة في نطاقات وفقا لأجورها وفترة إقامتها بهدف الاستغناء عن متدنية المهارات، وبرنامج التوطين الموجه لتحديد مسارات التوظيف تستهدف الإحلال التدريجي للمهن ذات المهارات العالية والمتوسطة في القطاع الخاص، حيث نسبة تلك الوظائف تمثل 11.8 في المائة من الأجانب العاملين في القطاع الخاص و88 في المائة من الوافدين أجورهم أقل من 3 آلاف ريال يتركزون في الوظائف الدنيا، و 76 في المائة من الأجانب في القطاع الخاص رواتبهم 1500 ريال وأقل.

نجد تقارب متوسط راتب السعودي والوافد في القطاع الحكومي إذ يصل متوسط راتب السعودي نحو 10145 ريال بينما الوافد يصل نحو 8425 ريال إذ وصل إجمالي مخصصات الرواتب في عام 2014 نحو 314 مليار ريال تشكل 37 في المائة من الميزانية، فيما تبلغ أجور القطاع الخاص نحو 23.2 مليار ريال بمتوسط 2311 ريال لكل موظف شاملا المواطنين والوافدين، لأكثر من 10.02 مليون مشتغل، منهم 929.97 ألف مواطن، متوسط راتبه 5586 ريال، لكن 52 في المائة من المواطنين رواتبهم 3 آلاف أو أقل، و28 ألف راتبه 1500 ريال و 59 ألفا أقل من 3 آلاف ريال و192 ألف مواطن في القطاع الخاص رواتبهم 10 آلاف وأكثر، و 1765 ريال للوافد 70 في المائة منهم في الخدمات والتشييد والبناء، ونحو 5.3 مليون عامل في قطاع الإنشاءات بينهم 600 ألف مواطن.

نصف السكان السعوديين فوق 15 سنة يدرسون في التعليم المتوسط والثانوي تكلفة تعليم الطالب سنويا على الدولة 11556 ريال حيث بلغت مخصصات التعليم عام 2013 204 مليار ريال ،فيما عدد الطلاب 17.65 مليون طالب سيدخلون سوق العمل في أقل من عقد من الزمن ما يعني أن استراتيجية الإحلال غير كافية لكن برنامج التحول الاقتصادي قادر على الاستعداد لتلك المرحلة، بدلا من أن تستمر السعودية في الاعتماد على استخدام العمل المستورد وخفض أهمية العمل ومستوى الأجور، ومن ثم زيادة الفجوة بين القطاعين العام والخاص من حيث متوسط الأجور.

حيث أن الرؤية تشمل خططا واسعة من بينها برامج اقتصادية واجتماعية وتنموية تستهدف تجهيز السعودية لمرحلة ما بعد النفط، تتضمن ثلاثة تقسيمات رئيسة هي: اقتصاد مزدهر، مجتمع حيوي، ووطن طموح، ولتحقيق اقتصاد مزدهر تستهدف الرؤية رفع نسبة الصادرات غير النفطية من 16 في المائة إلى 50 في المائة على الأقل من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي، حيث تستهدف تقدم ترتيب السعودية في مؤشر أداء الخدمات اللوجستية من المرتبة 49 إلى 25 عالميا والأولى إقليميا، والانتقال في مؤشر التنافسية إلى أحد المراكز العشرة، وزيادة حجم الاقتصاد السعودي وانتقاله من المرتبة 19 إلى المراتب ال15 الأولى على مستوى العالم، بعد تحقيق زيادة الإيرادات الحكومية غير النفطية من 163 مليارا إلى تريليون ريال سنويا.

تستهدف الرؤية زيادة الإيرادات غير النفطية بنسبة 224 في المائة أكثر من ضعفين في عام 2020، حيث سجلت 163.5 مليار ريال في عام 2015، وخمسة أضعاف عام 2030 بنحو 518 مليار ريال، وتستهدف إيرادات غير نفطية بنحو تريليون ريال مرتفعة من 163.5 مليار ريال عام 2015، كما تستهدف الدولة رفع الأصول غير النفطية ب67 في المائة من 3 تريليونات ريال إلى 5 تريليونات، لتحقيق التوازن المالي.

برنامج التحول الوطني يدرك ضرورة ربط خطة التحول بالعمل على محورين متوازنين من خلال زيادة الاستثمارات والتي تتطلب إلى إحداث ثورة جذرية في البيئة التشريعية والتنظيمية والإجرائية للاستثمار في السعودية، وهي تتضمن خطط تفصيلية وحوكمة لتنفيذ برنامج التحول على 5 مراحل، والتي تتطلب درجة أعلى من الشفافية باعتبار أن ذلك هو الوسيلة الوحيدة لهزيمة البيروقراطية العتيدة في الجهات الحكومية في السعودية التي أضاعت عديدا من الفرص الاستثمارية في المجتمع جراء تعقيداتها ورتابتها الإدارية وضعف الأداء والتي ثبتت نجاعتها في الدول المتقدمة من خلال دعم أكبر للقطاع الخاص الذي يفتح آفاقا جديدة للعمل وفق رؤية التحول الوطني من أجل رفع مساهمته في الناتج المحلي من 40 في المائة إلى 65 في المائة.

خصوصا وأن هناك مشاريع تنافسية على مستوى العالم مثل المركز التعديني العالمي الذي يدعم تحقيق الحلم الصناعي السعودي، حيث تهدف معادن للألمنيوم أن يكون منتجها الأقل تكلفة عالميا، ومع خطة التحول الوطني التي تهدف إلى فع حجم صناعة الدواء من 20 في المائة إلى 40 في المائة من حجم السوق المحلي لصناعة الدواء، أي أن ثورة صناعية كبرى تنتظر المنتجات الدوائية السعودية على خلفية مبادرة برنامج التحول الوطني المتضمنة.

كما أن تجهيز البنية التحتية ركيزة لاستقبال 15 مليون معتمر مع نهاية 2020، وهناك 3 جهات لتحويل التحلية إلى قابضة تضم 8 شركات، ما يعني أن هناك فرص استثمارية كبيرة بالشراكة مع القطاع الخاص كي يجعله قادر على توليد الوظائف بدلا من الاستمرار في اقتصار القطاع العالم على توليد الوظائف، وسيتم تحجيم الخدمة المدنية لصالح التأمينات الاجتماعية ما عدى رفع نسبة عمل المرأة في الخدمة المدنية من 39 في المائة إلى 42 في المائة خطوة مهمة رغم ضعف النسبة، مما يخلق سوق حقيقي لتوطين العمالة، بل سينافس القطاع العام، وسيكون أكثر مرونة وأكثر استقرارا لأنه سيغير سلم الرواتب بشكل تنافسي بين القطاعين العام والخاص والذي سيتجه إلى جذب الكفاءات والخبرات بل والقياديين من القطاع الحكومي.

وستلغي وزارة العمل استراتيجات الإحلال التي اتبعتها في الفترة الماضية بسبب ارتفاع نسبة البطالة واستحواذ العمالة الوافدة على القطاع الخاص بنسبة 90 في المائة بعدد رسمي يقارب 9 ملايين، ما يعد خلل في توظيف العمالة السعودية، فحرصت وزارة العمل على سعودة كثير من القطاعات من خلال البرامج المتعددة، رغم ذلك يوجد ملونا عاطل سعودي عن العمل منهم 600 ألف رجل والعدد المتبقي من النساء، بجانب أن أقل من 15 سنة يمثلون أكثر من 45 في المائة من السكان وهي شريحة بحاجة إلى أخذها في الاعتبار عند رسم الخطط، ما يوجب إيجاد حلول منها تنشيط المشاريع الصغيرة والمتوسطة ومعالجة جميع المعوقات التي تواجه هذه المشاريع أهمها التمويل والحد من التستر التجاري.

ما يعني أن برنامج التحول الاقتصادي أعاد هيكلة العديد من القطاعات التي فشلت كافة الجهود في الفترة الماضية في معالجة العديد من المشكلات، لأن برنامج التحول الوطني يتجه نحو إصلاح الخلل الهيكلي في كافة القطاعات الاقتصادية لتقوم بدورها بكفاءة عالية.

هناك محللون مستقلون من خارج السعودية يتابعون تلك التطورات يتوقعون طفرة استثمارية في السعودية ومزيدا من الاندماج في الاقتصاد العالمي، ما يعني أن برنامج التحول الوطني، يعد نقطة تحول لتنمية اقتصادية شاملة في السعودية، ومن الطبيعي أن تكون هناك تحديات باعتبار أن برنامج التحول الوطني ثورة انقلابية على كثير من المفاهيم وثورة على الفساد المقصود وغير المقصود الذي استشرى في القطاعات الحكومية والمجتمعية، نتيجة إرادة سياسية ووطنية لن تستطيع مثل تلك الفئات التي اعتادت على الثراء على حساب المجتمع من الوقوف أمام تلك الثورة، قد يضعون عدد من العراقيل ويحاولون التحايل على كثير من القرارات، لكن الإصرار على تطبيق برنامج التحول الوطني لن يعطيهم أي فرصة لأنه سيفرض واقعا جديدا.

اتخذت المملكة العربية السعودية مسارين للتحديث والتطوير حيث جعلت التنويع الاقتصادي والتوطين الصناعي جوهر رؤية 2030، والمسار الثاني جعلت الاستثمار في التقنية والمعرفة باعتباره الاستثمار الواعد لأي اقتصاد في العالم وأحد أسباب النمو السريع.

السعودية تتجه نحو اقتصاد جديد متنوع الطاقة أحد روافده الأساسية، حيث بدأت ترتفع مساهمة الإيرادات غير النفطية من 169.5 مليار ريال عام 2015 إلى توقع أن تبلغ 180 مليار ريال عام 2016 التي تتماشى مع رؤية 2030 حيث تستهدف رفعها إلى تريليون ريال في 2030، وإلى 530 مليار ريال بحلول 2020.

وحسب وكالة بلومبرج فقد توقعت بناء على هذا التحول خفض السعودية إنفاقها الرأسمالي بنسبة 71 في المائة خلال العام الجاري 2016، حيث قدرت الوكالة هذا الانخفاض اعتمادا على أن الإنفاق الرأسمالي سيبلغ 75.8 مليار ريال خلال عام 2016، مقارنة ب263.7 مليار ريال في 2015، بينما الذي وضعته الدولة في الميزانية بقيمة 183 مليار ريال بهدف مرونة الإنفاق الرأسمالي والتشغيلي على المشاريع القائمة والجديدة في ظل تراجع أسعار النفط.

وسيستمر الناتج المحلي بالأسعار الجارية عند 2.42 تريليون ريال في 2016 وهي نفس مستويات عام 2015، لكن بانخفاض العجز إلى الناتج المحلي من 15 في المائة عام 2015 إلى 13.5 في المائة في 2016، حيث بلغ العجز 362.2 مليار ريال في عام 2015، فيما متوقع بلوغه 326.2 مليار ريال في 2016.

تضمنت الرؤية الوطنية الطموحة، تمكين الشركات الناشئة التي ترتكز أعمالها على مجال التقنيات، على أن يؤازر كل ذلك تحالفات استراتيجية عالمية، وأرامكو بوصفها أقدم وأكبر شركة سعودية عالمية قادت رؤية تعزيز برنامج تعزيز القيمة المضافة الإجمالية لقطاع التوريد ( اكتفاء ) وهو برنامج بعيد المدى يهدف إلى تشجيع الاستثمارات والتنمية المضيفة للقيمة في الاقتصاد المحلي.

هذا البرنامج يمثل المنصة المثالية لتكريس شراكة والتزام شبكة الموردين العالميين العائدة للشركة لتنمية المملكة على المدى البعيد، ومن المفترض أن تطبقه جميع الشركات الكبرى في المملكة إلى الاقتداء بهذه المبادرة الناجحة والاسترشاد بها.

يهدف برنامج ( اكتفاء) مضاعفة نسبة المحتوى المحلي في سلسلة التوريد من المواد والخدمات المستخدمة في قطاع الطاقة لتصل إلى 70 في المائة بحلول عام 2021 من شأنه أن يعزز التوطين ويوجد عديدا من الفرص الوظيفية النوعية للسعوديين.

مثال على تحقيق هذا البرنامج ( اكتفاء ) افتتاح أرامكو توسعة مركز جنرال إلكتريك للتصنيع والتقنية ( جيمتيك ) الذي يضم مرفقا لتصنيع التوربينات الغازية فائقة الأداء، في المنطقة الصناعية الثانية في الدمام، وهي شركة رائدة في تزويد مختلف القطاعات بالمعدات النوعية، مثل قطاع الصحة والطيران وغيرها من القطاعات، وهي تمثل

حافزا فعالا لدفع عجلة الاستثمارات من خلال الشبكة العالمية الضخمة التي تمتلكها المملكة في قطاع السلع والخدمات المحلية، علاوة على أنه سيسهم في تحقيق فرص العمل التي تتطلب مهارات عالية للكوادر الوطنية.

تجربة جنرال إلكتريك، ستتاح لجميع الموردين الفرصة للانخراط في رؤية المملكة 2030 ونجاح برنامج ( اكتفاء)، تمكن القطاع الخاص من القيام بالتنفيذ والإنجاز، من خلال بناء صناعات منافسة عالميا، وبوسع الدولة والشركات الحكومية أن تكون شريكا مع القطاع الخاص في المشاريع التي تنطوي على مخاطر عالية.

تتجه الدولة نحو دعم المحفزات الاستراتيجية لخطة التصنيع، خصوصا فيما يتعلق بالصناعات الغنية بالوظائف، والشركات الصغيرة والمتوسطة، وهي مكملة للصناعات ذات رأس المال المكثف، وعلى المدى البعيد فإن أكثر الصناعات ربحية ستكون في الصناعات التي تتضمن محتوى معرفيا عالميا، مثل البرمجيات وتقنية المعلومات والاتصالات.

المسار الآخر الذي اتجهت إليه الدولة في التركيز على الاستثمارات ذات العوائد المالية المهمة محليا وعالميا على المدى البعيد من أجل دعم المسار الأول وهو تنويع الاقتصاد السعودي والتوطين الصناعي من خلال توطين وجلب ونقل التقنية، لذلك اتجهت الدولة إلى تأسيس صندوق الاستثمارات ليسهم في دعم الابتكار وتنويع الاقتصاد وتطوير القطاعات استقرت أصوله عند 160 مليار دولار في نهاية سبتمبر 2016 مرتفعة من 5.3 مليار دولار.

وهو صندوق تأسس عام 1971 بهدف تمويل المشاريع ذات الأهمية الاستراتيجية لاقتصاد المملكة وإدارة مساهمات الدولة في الشركات، لكن تم نقل الإشراف عليه من وزارة المالية في مارس 2015 إلى مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية الذي يرأسه الأمير محمد بن سلمان ولي ولي العهد وأعيد بناء استراتيجية الصندوق بما تتوافق مع رؤية المملكة 2030.

اتجه الصندوق إلى تأسيس ( صندوق رؤية سوفت بنك ) للاستثمار في القطاع التقني، حيث أن الاستثمار في التقنية والمعرفة هو الاستثمار الواعد لأي اقتصاد في العالم وأحد أسباب النمو السريع، ويعد الصندوق خطوة مهمة ستكون إحدى ركائز تنويع مصادر الدخل في المملكة، كما سيرسم الملامح والخريطة التقنية التي تستهدف المملكة تحقيقها.

الاستثمار في التقنية لها دور في توفير التكاليف ورفع كفاءة الإنفاق التي تقود إلى توطين الصناعة المنافسة عالميا، بل يلعب هذا الاستثمار أيضا دورا في تحسين وكفاءة وفعالية كافة القطاعات من خلال تكنولوجيا والمعلومات والتحول الرقمي لتحقيق الأهداف الاستراتيجية للجهات المشاركة في برنامج التحول الوطني.

الشراكة في صندوق ( رؤية سوفت بنك ) خطوة كبيرة على الطريق بل تمثل شراكة الثقة في المستقبل بتمويل سعودي وتكنولوجيا يابانية في لندن عاصمة المال والأعمال العالمية، 100 مليار من صندوق الاستثمارات العامة السعودي ومجموعة سوفت بنك وشركاء آخرين سيتم ضخها على مدار خمس سنوات في صندوق استثماري تقني، رقم كفيل بتغيير أوضاع قطاع التكنولوجيا حول العالم، القطاع السريع التغير بطبعه.

هذا الاستثمار وهذه الشراكة هي تأكيد على رغبة التنويع التي تنتهجها حكومة المملكة وفقا لرؤية 2030 وهي تضحد كل الشكوك التي نالت من هذه الرؤية، التي كانت تعتبر نظرة قصيرة غير مدركة للتحول الذي تعيشه المملكة والتحديات التي تواجها في عالم مضطرب تزداد فيه المخاطر الجيوسياسية، وتتأرجح معدلات النمو على الاستثمارات.

السعودية مقبلة على تقدم صناعي ولديها طموح مشروع في ريادة العالم يخدمها موقعها الاستراتيجي واستغلالها للتقدم الصناعي الذي حققته في قطاع البتروكيماويات وهي تمتلك كل مقومات التنافسية في هذا القطاع خصوصا وهي مزمعة على تحويله من صناعات أساسية إلى صناعات وسيطة ونهائية، وتوقيع مثل تلك الاتفاقيات يحررها من سلاح الإغراق الذي تتبعه الدول لحماية منتجاتها الصناعية وهو سلاح ذو حدين تستخدمه الدول الكبرى.

السعودية تستلهم التجربة الألمانية في الصناعات التحويلية والطاقة المتجددة، وشركة أرامكو بصدد إنشاء مدينة الطاقة الصناعية، حيث يبلغ حاليا مبيعات الصناعة في السعودية 627 مليار ريال لأكثر من 1800 مصنعا وباستثمارات تبلغ أكثر من تريليون ريال لعام 2015.

انخفاض أسعار النفط حسب تقديرات بعض المؤسسات الدولية المعنية يمكن أن يتحول إلى فرصة حقيقية للإسراع في الانتقال من الاقتصاد النفطي إلى الاقتصاد القائم على التصنيع مستخدمة عناصر القوة الأخرى التي تمتلكها من موقع جغرافي متوسط وإمكانات الانتقال للطاقة البديلة وتنوع سوق العمل.

العشر السنوات الماضية كانت زاخرة بالأحداث الكبيرة التي كانت لها آثار مركبة ومتداخلة على اقتصاد السعودية والمنطقة بشكل عام، ومن تلك الأحداث الطفرة النفطية التي جاءت على مرحلتين ابتدأت المرحلة الأولى منهما بشكل متصاعد ووصلت ذروتها في عام 2008، وشهد قطاع الصناعة ازدهارا لافتا للنظر خلال العقد الماضي خاصة في السعودية ودولة الإمارات، وباتت تشكل دول المجلس رقما مهما في عالم التجارة والاستثمار، خاصة في محيطها العربي ولا سيما أنها تشكل نقطة ربط بين الدول العربية ودول جنوب شرق آسيا.

تمتلك السعودية البيئة الاقتصادية الملائمة ومستعدة لاستقطاب الاستثمارات حيث استقطبت دول المجلس بعد عام 2008 نحو 285.2 مليار دولار في عام 2009، ما جعل القطاع الصناعي الخليجي يستحوذ على استثمارات تقدر بنحو 53 مليار دولار تقدر بنسبة 14 في المائة من إجمالي الاستثمارات في القطاع الصناعي الخليجي، فيما تبلغ إجمالي أصول أجنبية مستثمرة في الاقتصاد السعودي بنهاية الربع من عام 2016 تقدر بنحو 277.3 مليار دولار، وبلغت الاستثمارات الصناعية في السعودية 266 مليار دولار، وتخطت مبيعات المصانع 167 مليار دولار ل1800 مصنع، فيما تضاعفت صادرات السعودية غير النفطية 4 مرات منذ 2002 إلى 58.13 مليار دولار عام 2014، وبحسب تقارير هيئة المدن السعودية فإن عائدات الصناعات التحويلية غير البترولية في الدخل القومي ارتفعت عام 2014 بنحو 50 في المائة إلى 40 مليار دولار.

هناك مخاطر تواجه أساسيات سوق النفط وتؤثر في الإنتاج ولم يعد الاستثمار في الأساسيات مجديا، ولكن هل خطة إنتاج قطاع البتروكيماويات السعودي التي سيصل إلى 126 مليون طن بحلول 2020 مجديا اقتصاديا في ظل تلك المتغيرات، فإذا كان هذا التوسع من أجل دعم الصناعات المحلية، فهو توجه استراتيجي واقعي، خصوصا عندما يتزامن مع الاستحواذ على الشركات التقنية التي هي أحد الحلول المناسبة لمواجهة مشكلة توافر التقنيات المطلوبة للقطاع من أجل تنويع المنتجات البتروكيماوية من اجل المحافظة على قوة أداء سوق البتروكيماويات بعد انخفاض أرباحها أكثر من 30 في المائة، بينما كان انخفاض الأسعار أكثر من 60 في المائة لأسعار البترول الخام، فهو كسب غير متوقع بالنسبة للشركات البتروكيماوية الأوربية حيث قدم هدية لا تأتي إلا مرة كل جيل لقطاع كان يعاني من المتاعب.

وذكرت الإحصاءات الصادرة عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، أن حجم الصادرات السلعية من جميع دول مجلس التعاون عام 2015 تراجعت بنسبة 35.6 في المائة إلى 554.1 مليار دولار مقارنة بعام 2014 البالغ 860.2 مليار دولار نتيجة استمرار انخفاض أسعار النفط، فيما تراجعت صادرات دول المجلس السلعية غير النفطية خلال عام 2015 بنسبة 5.2 في المائة إلى 195.8 مليار دولار مقارنة ب206.6 مليار دولار عام 2014.

والمطلوب ليس فقط النمو والإنتاج في الاقتصاد، بل أهم من ذلك زيادة التنويع في الإنتاج، واكتساب الخبرات في مجالات وصناعات أكثر تطورا وتعقيدا، خصوصا وأن الإنفاق الحكومي سجل ارتفاعا من 70 مليار دولار في عام 2005 إلى 193 مليار دولار في عام 2015، وهو مؤشر جعل السعودية تحتل المركز الرابع عالميا من حيث قوة الاقتصاد الكلي وفقا لتقرير التنافسية الدولي ( 2015- 2016).

التوجه نحو رفع كفاءة الإنفاق الرأسمالي من أجل سد الفجوة التنموية، فالانخفاضات في أسعار النفط شكلت فرصة سانحة لإعادة هيكلة اقتصاداتها على المدى الطويل، بحيث يتوقف الهدر في الاستخدام المفرط لمصادر الطاقة والاستمرار في الاعتماد على موارد النفط لتغطية النفقات الاستهلاكية دون التركيز على الاستثمار نحو تحقيق تنمية مستدامة في تطوير القطاعات الإنتاجية.

السعودية تقارن بالدول العشرين وفقا لإمكاناتها ولا تقارن بالدول العربية والخليجية، ولا يمكن أن يستمر ضعف مساهمة القطاع الصناعي في الناتج الإجمالي عند نسبة 11 في المائة أو أكثر قليلا، وتتجه الدولة لرفع مساهمة القطاع الصناعي نحو الاعتماد على الشركات الريادية مثل أرامكو وسابك، والتركيز على خمسة قطاعات مهمة، تشمل صناعة السيارات والبتروكيماويات والصناعة الملحقة بها، وقطاع المعادن والطاقة، وتحلية المياه، بسبب أنها تخدم قطاعات عدة، سواء عسكرية أو غير عسكرية، وتشمل الصناعات قطاعات استراتيجية للاقتصاد الوطني من بينها القطاع الملاحي، وقطاع معدات الطاقة والمياه والكهرباء، وقطاع معدات صناعة النفط والغاز.

يجب أن تستعد الصناعات السعودية لمنافسة نظيرتها في الدول الكبرى، خصوصا وأن أكبر تحد لها في كيفية سد حاجة السوق السعودي والتي تستورد 90 في المائة من المنتجات من الخارج، بإدخال المزايا النسبية لتنويع الاقتصاد من خلال الصناعة والمعرفة وتعزيز الاقتصاد المعرفي والذكي لا التقليدي، حيث منحت وزارة التجارة مصانع ذات القيمة المضافة إعفاءات جمركية، واتجهت أيضا إلى توطين الصناعات التحويلية المرتبطة بقطع الغيار، وتوطين صناعات السكك الحديدية والمترو.

هناك عدد من الفرص الجاهزة يمكن أن تشغلها مصانع وطنية بالتعاون مع عدد من الجهات خصوصا مع شركة الكهرباء التي وصل حجم صرفها 356 مليار ريال سنويا منها 168 مليارا يتم تأمين موادها وخدماتها من مصانع محلية، فيما يتم صرف 187 مليار ريال لمصانع خارجية لا يوجد لها مثيل لمنتجاتها في السعودية حتى الآن وهي تتمثل في 25 فرصة صناعية.

كما تعاقدت وزارة الدفاع السعودية مع 250 مصنعا محليا لكسر الاحتكار من الشركات العالمية للاستغناء عن 70 في المائة من استيراد قطع الغيار العسكرية المستوردة من الخارج من خلال تقديم 20 ألف فرصة لتصنيع المواد والقطع التي تحتاج إليها أفرع القوات المسلحة والخدمات الطبية الذي يعد الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط وهي تحقق علاقة استراتيجية مع القطاع الخاص لتوطين صناعة المواد وقطع الغيار ودعم الصناعة الوطنية من خلال 46 مجموعة تصنيعية من خلال إبرام 550 عقدا عسكريا والتعاقد مع 300 مصنع، حيث بلغ عدد القطع المصنعة محليا نحو 7025000 منها 48 ألف قطعة غيار عسكري عرضت في معرض القوات المسلحة ( أفيد ) في شهر فبراير 2016.

السعودية ستتجه نحو طفرة عقارية كبرى وهو بحاجة إلى منتجات مثل الكابلات وأدوات الكهرباء والدهانات بجميع أنواعها والأبواب والنوافذ والستائر ما يبشر بمستقبل كبير للطلب على المنتج المحلي، وهو ما يوسع من القاعدة الإنتاجية حيث لا يزال هناك نحو 6902 مصنع عامل في السعودية.

أي لابد أن تتجه نحو التنمية المستدامة، وتعتبر الصناعات البلاستيكية من الصناعات التي لم تأخذ دورها الطبيعي في الدخل القومي، فهي بحاجة إلى الدعم والاستفادة من الميزة النسبية التي تتمتع بها الصناعات الأساسية، بدلا من الاستمرار في تصديرها كمادة خام بأسعار قليلة لتعود كمنتج نهائي بأسعار مرتفعة مثل البروبلين الذي يصدر ب1500 دولار للطن ويعود كمنتج نهائي بأكثر من عشرة آلاف دولار على هيئة أطباق وغيرها بالإضافة إلى أن الصناعات التحويلية لتلك المادة تستوعب ستة أضعاف عدد العمالة في الصناعات الأساسية ما يجعلها تساهم بشكل مباشر في القضاء على البطالة، وتأسيس مرحلة جديدة من توطين العمالة وفق أساسيات السوق بدلا من

استراتيجة السعودية التي لم تحقق إلا سعودة وهمية، وليس توطين وظائف، وهناك فرق كبير بين الاستراتيجتين.
مما يتطلب على سابك إعادة هيكلة عملياتها العالمية لتعزيز خدماتها في سياق تنفذ استراتيجية الشركة لعام 2025 وتشمل تلك التحديات التغيرات في مشهد السوق، فضلا عن حاجة الشركة إلى تعزيز جانبي التقنية والابتكار، لذلك هي أعلنت عن إعادة توزيع أعمال وحدة الكيماويات المتخصصة بين وحدات أخرى، فقد استحدثت وحدة جديدة تحت مسمى المتخصصة التي ستعنى بجزء من أعمال الكيماويات المتخصصة، وبما تبقى من حلول البلاستيكيات المبتكرة، وذلك بعد أن تمت إعادة توزيع أعمال وحدة العمل الاستراتيجية للبلاستيكيات المبتكرة بين الكيماويات والبوليمرات، وستسهم إعادة الهيكلة الجديدة في زيادة تركيز الموارد بشكل مكثف على الاحتياجات المطلوبة في كل مسار من اجل الانتقال إلى مستوى أعلى في إدارة منتجاتها المختلفة.

حيث تركز الشركة على عقد الشراكات والاستحواذ على التقنيات التي من شأنها أن تثري منتجات الشركة الحالية وتخدم خطط التطوير المستقبلية من أجل تحقيق قيمة مضافة، وتعزيز القدرة التنافسية من حيث التكلفة والجودة.

وفي ظل ارتفاع الطلب العالمي ووفرة احتياطيات الغاز الطبيعي الذي يبلغ 41.8 مليار متر مكعب في دول الخليج بنسبة 20.8 في المائة من الاحتياطيات العالمية، فإن قطاع الأسمدة يتجه نحو ثورة صناعية، حيث أن الأسمدة الكيماوية العصب الرئيسي للنباتات، المتمثلة في الأمونيا واليوريا لأنها توفر التغذية المتوازنة لها وتعمل على إمدادها بالعناصر الغذائية اللازمة، حيث تنتج دول الخليج نحو 11.3 مليون طن عام 2014، تنتج السعودية نحو 37.2 في المائة من إنتاج دول الخليج، وغيرت اسم الأسمدة إلى المغذيات الزراعية وفق منهجيتها الاستراتيجية الجديدة، حيث قدمت سابك سماد نخيل التمر المركب الذي يعتبر أحد المغذيات الجديدة، وهذا المنتج الجديد هو نتيجة ثمرة جهود البحوث والتطوير.

وسابك تكشف عن مشروع تحويل النفط إلى كيماويات الذي يمول الصناعات التحويلية من أجل تحقيق هدف التنمية المستدامة، بل رفعت سابك كفاءة التشغيل وعززت من وجودها في أفريقيا وفي أسيا خصوصا بعد افتتاحها مصنع في أولسان في كوريا لإنتاج مواد البولي إيثلين منخفض الكثافة لتلبية الاحتياجات المتنامية في قطاعات صناعية متنوعة مثل التغليف المتقدم، وصناعة السيارات، والرعاية الصحية، وصناعة الأحذية،

وصناعة الكهربائيات والإضاءة، بجانب افتتاح بالشراكة مع و إس كي جلوبال كيميكال مركزا متقدما للأبحاث والتطوير في مدينة دايجون ويشرف على عدد من البحوث في الجامعات.

وستتحول شركة أرامكو من شركة نفطية إلى شركة طاقة صناعية والاتجاه نحو تأسيس تكتل صناعي متكامل، وسبق أن دشنت شركة أرامكو مشروع صدارة العملاق للبتروكيماويات يتكون من 26 مصنعا دفعة واحدة في الجبيل يعتمد على النافتا كلقيم أساسي لتغيير مشهد صناعة البتروكيماويات على مستوى العالم، والذي يوفر 20 ألف فرصة عمل على المدى الطويل في السعودية وتوسيع القاعدة الصناعية.

كما ستتجه أرامكو إلى تكرير 9 ملايين برميل نفط يوميا عبر مصافيها في الداخل والخارج ارتفاعا من 5.4 مليون برميل قدرة التكرير الحالية يوميا بسبب أن التكرير ليس من الصناعات الاستراتيجية للدول المنتجة للنفط في العالم، وذلك بسبب ثلاثة تحديات كبرى تواجه هذه الصناعة وهي نقص الربحية، قدرة المصافي التحويلية التي تتطلب تطويرا وتغييرا مستمرا من خلال البحث والتطوير، وتزايد صرامة التشريعات والمواصفات التي تحكم صناعة التكرير، ما يتطلب إلى إيجاد توازن بين الخام والمكرر، حيث يشير تقرير لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي إلى أن الطلب العالمي على الخام المكرر قارب 82 مليون برميل يوميا في عام 2014، ومن المتوقع زيادته إلى 96 مليون برميل يوميا حتى عام 2040، حيث أن بناء المصافي يحتاج إلى استثمارات كبيرة جدا، لكنه علاجا لتعويض فارق هبوط أسعار النفط الخام قد يكون حلا جيدا لتنويع مصادر الدخل بدلا من تصدير النفط خاما، بجانب أن أرامكو أطلقت مركزا جديدا للأبحاث وتطوير أعمال الطاقة في ديترويت حيث يشكل المركز خطوة مهمة لابتكار تقنيات خفض الانبعاثات واستدامة البترول كوقود أمثل لوسائل النقل.

لا تعليقات

اترك رد