الاتفاق النووي الايراني ،، خيارات الاطراف !!


 

يتعين على الرئيس ترامپ اتخاذ قرار بشأن الصفقة النووية مع ايران في المراجعة القادمة لها في الثاني عشر من شهر مايس / مايو ٢٠١٨ . هذه المراجعة تتم بشكل دوري بموجب القانون الامريكي حيث تقوم الوكالات الامريكية المتخصصة ، ومنها البنتاغون ووزارة الخارجية ، بتقديم نتائج مراجعتها للتحقق عن مدى الالتزام بالاتفاق . لقد أعرب الرئيس ترامپ منذ بدء حملته الانتخابية عن عدم رضاه عن الاتفاق وتراوحت مواقفه بين التهديد بانسحاب احادي منه والمطالبة بتعديله ، فيما أعلن ممثل الولايات المتحدة في الوكالة الدولية للطاقة الذرية ان الولايات المتحدة ترغب في ابقاء الاتفاق وعقد اتفاق ملحق لإكمال نواقصه وإصلاح عيوبه . جدير بالذكر ان :

١- ان الاتفاق النووي مع ايران هو اتفاق دولي متعدد الاطراف ضم الى جانب ايران الأعضاء الدائمين في مجلس الامن وألمانيا ، وقد كرس الاتفاق بالقرار ٢٢٣١ الصادر في ٢٠ تموز / يوليو ٢٠١٥ الصادر عن مجلس الامن وفق الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة ( تم ذكره حوالى عشرة مرات في نص القرار ) .

٢- ان الجهات المخولة بتقرير ما اذا كانت الاطراف قد خرقت او التزمت بالقرار هما حصراْ الوكالة الدولية للطاقة الذرية او لجنة خاصة تشكل للنظر في الخلافات والشكاوى وقد أفردت لذلك مواد خاصة في القرار .

٣- لم تقدم آية وكالة امريكية متخصصة شكاوى خاصة بخروقات إيرانية للقرار بل على العكس فان وزارتي الخارجية والدفاع الامريكيتين ووزيريهما أكدا في رسائل رسمية وفي شهادات منفصلة امام الكونغرس التزام ايران بالاتفاق ؛ ولو دققنا الخطاب الامريكي ، وخاصة الرئاسي ، فأننا سنجد انه يتحدث عن تعديل الاتفاق او إلحاقه باتفاق مكمل ولايتحدث عن خروقات محددة باستثناء حديث عام عن دعم إيراني للارهاب وزعزعة آستقرار الشرق الوسط وتهديد آمن حلفاء الولايات المتحدة ومصالحها وخروقات على خلفية حقوق الانسان ، وهي قضايا لاعلاقة لها من حيث الجوهر بموضوع ونص الاتفاق .

هذا الموضوع من جملة الموضوعات التي اتابعها واقرأ مايكتب حولها ، وقد كتبت عنه عدة مرات ، وما أقدمه في هذه المقالة هو حصيلة قراءات متنوعة عديدة بشأنه . مما لفتني ان بعض القضايا تعامل في بعض التعليقات الشائعة كما لو كانت من المسلمات رغم انها تعليقات ذات طابع دعائي واضح تصدر عن الجانبين الرئيسيين في الموضوع ، الجانب الامريكي – الاسرائيلي والجانب الايراني ، لذا اجد من المهم ، قبل المضي قدما في تحليل الموقف الراهن ، التأكيد على بعض الحقائق الثابتة التي تشكل عناصر أساسية لفهم الموضوع وهي تتعلق بظروف عقد الاتفاق ودوافع أطرافه حينها من اجل فهم الموقف الحالي الذي يبدو ملتبساً الى حد كبير .

يقال ان الاعتقاد الذي كان يسود اوساط صناع القرار في ايران بعد انتهاء حربها مع العراق بان آمنها وأمن النظام الديني فيها بحاجة الى قوة ردع حاسمة اذ لم تعد الجغرافيا وحدها ( المساحة والتضاريس والموقع ) كافية لتأمين هذا الردع كما عملت في الماضي . كانت مساحة ايران الممتدة وتضاريسها كفيلة بتبديد آية قوة غازية ، كما ان طول سواحلها وتعدد الممرات البرية التي تربطها بالأقاليم المجاورة لها يجعل من محاصرتها وعزلها امراً متعذراً ؛ لكن الحرب مع العراق بددت الكثير من ذلك ، وقد اصبح واضحاً ان تطور أسلحة الجو والصواريخ قد قلصت من قيمة الحصانة الجغرافية . لقد اعتقد القادة الايرانيون ايضاً ان نظامهم الديني الطائفي سيظل هدفاً للقوى الاقليمية والغربية وخاصة في المدى البعيد رغم ماقدمه من خدمات للغرب في اطار صراعه الأزلي مع الشرق . يقال ان المرشد خامنئي خاطب مجلس الامن القومي مرة مؤكداً على الحاجة الى قنبلة ذرية واحدة لتنهي كل مشكلة الامن القومي الايراني التي تركزت حول هوية النظام الاسلامي بصيغته الطائفية التي حددها الدستور .

بدات ايران منذ مطلع التسعينات جهوداً حثيثة للحصول على تقنيات ومواد نووية مخصبة للذهاب مباشرة الى انتاج قنبلة ذرية . تركزت الجهود باتجاه الجمهوريات السوفيتية السابقة التي كانت تسودها فوضى كبيرة انذاك ويقال ان الكثير من المواد الحساسة بما فيها مواد نووية قد فقدت من مخازنها وربما تكون قد وجدت طريقها الى ايران ، كما توجه الايرانيون الى شبكات السوق السوداء ومنها شبكة عبدالقدير خان الپاكستانية ، وفي جهد مواز تم المضي قدماً في برنامج تطوير الصواريخ البالستية .

كان الانشغال الامريكي بمعالجة موضوع العراق ومحاصرته فرصة استثمرتها ايران بشكل مناسب ؛ ورغم اعلان ادارةٍ كلنتون سياسة الاحتواء المزدوج تجاه العراق وايران الا ان الفترة شهدت تخفيفاً للعقوبات التجارية الأمربكية التي فرضت على ايران ، كما شهدت العلاقات تحسناً اضافياً خلال ادارةٍ بوش الابن وكان لايران الدور البارز في تسوية الملف الافغاني وتمت دعوتها الى مؤتمر المصالحة الافغانية في المانيا . لقد كانت ايران من بين دول قليلة أبلغت بقرار الحرب على العراق رغم انها كانت قد أدرجت ضمن دول محور الشر في خطاب بوش الذي اشتهر بهذا العنوان . شهدت الفترة اللاحقة لاحتلال العراق تعاظماً غير مسبوق في النفوذ الايراني في المنطقة بدءاً من العراق ، هذا النفوذ مثّل ، كما سنرى ، كسباً ستراتيجياً لايران من شأن السعي لامتلاك قنبلة ذرية أعاقته وربما تعريضه للانكفاء .

في الفترة ٢٠٠٣ – ٢٠٠٥ شهد البرنامج النووي الايراني انعطافاً حاداً غير من ستراتيجيته بشكل جوهري ، وقد كانت هذه الانعطافة قراراً ايرانياً بتفكيك البرنامج الخاص بأبحاث جهاز التفجير الذري او مايسمى جسم القنبلة الذرية ؛ عرف المشروع باسم آماد Amad وكان موضوعاً لاستعراض إعلامي مفصل قدمه نتنياهو مساء الثلاثين من نيسان / اپريل هذا العام ولم يأتي فيه بجديد لان هذه المعلومات كانت متاحة وكتبت عنه شخصياً مرات عديدة ، وهو ليس جزءاً من النشاط الذري بالمعنى الحرفي للكلمة ؛ أعقب ذلك البدء بكشف جميع الأنشطة النووية الاخرى ومخرجاتها ومواقعها . هذا القرار حير المراقبين لبعض الوقت لكنه بات اليوم مفهوماً في ضوء ماتيسر من معلومات حول البرنامج النووي الايراني . برنامج آماد الذي تم تفكيكه كان عبارة عن مجموعة مختبرات للابحاث الخاصة باختبار وتطوير التقنيات الخاصة بالمستلزمات الاساسية لإنتاج اليات عمل القنبلة الذرية مثل المسرعات النيوترونية ومواد التفجير التقليدية لبدء التفجير الذري والمواد المعدنية اللازمة لصناعة بدن القنبلة . ظل التفاصيل بشأن ذلك قيد الكتمان ، ومازالت الى حد كبير، تنفيذاً للفقرة العاشرة من الملحق ( A ) من قرار مجلس الامن المرقم ٢٢٣١ الذي عرف في الاعلام بالصفقة النووية ، وهي مادة تلزم الهيئات الدولية المعنية بالتحقق والتفتيش او التي تتلقى المعلومات الخاصة بالبرنامج النووي الايراني بالمحافظة على سريتها ؛ لقد اشتهر هذا الموضوع أحياناً باسم موقع ” پارتشين ” العسكري والذي علق عليه تنفيذ بعض فقرات الصفقة النووية لحين اعلان الوكالة الدولية للطاقة النووية انها قد استوفت كل المعلومات بشأنه من الجانب الايراني ، وهو امر تم في وقت لاحق بعد بضعة اشهر ، ويعتبر ذلك كسباً دبلوماسياً مهماً لايران ، ولو من الناحية الشكلية ، حيث يتم بموجب هذه المادة ضمان عدم تسريب المعلومات الخاصة بالتقنيات النووية الايرانية الى اطراف ليست معنية رغم انه بات من الواضح ، في ضوء استعراض نتنياهو ، ان الوثائق الخاصة بالموضوع وجدت طريقها الى اسرائيل .

لماذا قامت ايران اذاً بتفكيك هذه المختبرات والمباشرة بالاعلان عن بقية حلقات مشروعها النووي السرية ؟! ، وهذا تساؤل جوهري لانه يفسر ستراتيجية المشروع النووي الايراني واهدافه النهائية في المديين القريب والمتوسط ، كما يفسر دوافع ايران من وراء عقد الصفقة النووية والمدى الذي يمكن ان تذهب اليه في الدفاع عن مشروعها النووي مستقبلاً .

الجنرال الاسرائيلي عاموس يادلين من سلاح الجو هو المدير السابق للاستخبارات العسكرية الاسرائيلية واحد الطيارين الذين نفذوا عملية قصف مفاعل تموز النووي ، وقد كتب في جريدة انترناشيونال هيرالد تريبيون المعروفة مقالة في الثاني من شهر اذار / مارس ٢٠١٢ تحت عنوان ” متى تقوم اسرائيل بمهاجمة ايران ” وقد ورد فيه ” ان هجوماً اسرائيلياًً ضد ايران سيكون الملاذ الأخير اذا مافشلت الجهود لاقناع ايران بترك برنامجها للتسلح النووي . ان لحظة اتخاذ قرار الهجوم هي اللحظة التي تبدأ فيها ايران بتحصين ( بمعنى الاخفاء خلف درع او بعيداً عن الأنظار ) منشأتها النووية وجعلها عصية على اي هجوم ناجح وهو مايسميه قادة اسرائيل بمنطقة الحصانة ” ، ويعني هذا الجنرال هنا ان ايران ستكون عرضة لهجوم اسرائيلي حتمي حينما تصبح منشأتها النووية بعيدة عن أنظار وقدرة اسرائيل على تدميرها ، اي عندما تكون محصنة او بعيدة في الظل . هذه المعادلة الستراتيجية تقتضي جعل الاسرائيليين وأي طرف معني اخر على بينة من الصورة الكاملة لمدى التقدم الذي يحققه برنامج التسلّح النووي الايراني ، او ان ايران ستكون عرضة لضربة حتمية . لقد اختارت ايران خلال الفترة ٣-٢٠٠٥ ، وقد فهمت المعادلة بشكل جيد انذاك ، ان تقوم بانهاء العمل على أبحاث جسم القنبلة ومواصلة العمل في برنامج التخصيب النووي ، الذي يخدم الغرضين العسكري والسلمي في ان واحد لكنه ليس خطراً داهماً ويمكن التعامل معه من خلال المفاوضات .

هذا النشاط يؤمن لايران ورقة مهمة تتلخص في استمرار التراكم المعرفي وتراكم خزين اليورانيوم المخصب الى درجات عالية نسبياً ( ٢٠٪‏ ) كما يؤمن عمل مفاعلات الماء الثقيل التي تنتج بشكل عرضي مادة الپلوتونيوم عالي التخصيب الذي يستخدم هو الاخر في صناعة سلاح نووي . لكن كما ذكرنا فان الجزء التنفيذي الذي يجعل من امكانية حيازة قنبلة ذرية تم تفكيكه ، رغم ان حجمه ومداه ونوعية ماتم التوصل اليه من تقنيات لم يكن معلوماً بدقة ، خاصة وانه قد ثبت ان جزءاً من المعلومات الخاصة بالموضوع قد تم الحصول عليها من خلال شبكة عبدالقدير خان الپاكستانية ، وهو امر يزيد الموضوع تعقيداً حيث لايعرف على وجه الدقة ماهي المعلومات التي تم الحصول عليها وماهي تلك التي توصل اليها العلماء الايرانيون من خلال أبحاثهم الخاصة ؛ ولكن الإجراء الايراني جعل من آية ضربة إسرائيلية او امريكية غير ذات موضوع في وقتها ، او انها لاتتناسب مع درجة الخطر رغم انه قائم ولكنه ليس وشيكاً .

في هذا الاطار ينبغي الإشارة الى الفتوى المنسوبة لاية الله علي خامنئي التي تحرم استخدام السلاح النووي وبقية أسلحة الدمار الشامل على أسس دينية باعتبارها أسلحة تقتل المدنيين الابرياء دون تمييز . يزعم الايرانيون ان الفتوى قد صدرت عام ٢٠٠٣ ولكن لم تتم الإشارة او الترويج لها الا عام ٢٠٠٥ وأعلن عنها رسمياً في اجتماع لوكالة الطاقة الذرية في ڤيينا عقد في ذلك العام ، ولم تظهر الفتوى على الموقع الالكتروني الرسمي لاية الله خامنئي الا بعد ذلك ، وهو امر يوحي بانها جاءت في الاطار العام لبث الطمأنينة للطرف الاخر بان ايران ليست على وشك صناعة سلاح نووي ، وان كان الخيار في ذلك يبقى مفتوحاً من خلال الإبقاء على برنامج التخصيب ودورة الوقود النووي بمعدلات تصاعدت حتى نسبة ٢٠٪‏ تحت ذريعة انتاج نظائر مشعة لاغراض طبية ووقود يحتاجه مفاعل طهران البحثي الذي أقيم منذ عهد الشاه تحت رقابة وإشراف الوكالة الدولية للطاقة النووية ، اي انها قريبة بماكفي من بلوغ ” العتبة النووية ” ولكنها لن تسعى اليها او تجتازها الى مابعدها اذا ماتم القبول بها ضمن مجموعة الدول صاحبة البرامج النووية بدورة وقود نووي كاملة ولكن منخفضة الدرجة ، كماً ونوعاً ، والقبول بكافة الإجراءات الدولية الخاصة بالتفتيش والتحقق وفق الپروتوكول الاضافي الملحق بمعاهدة حظر الانتشار النووي .

منذ ذلك الحين تحول الموضوع النووي الى سكة الدبلوماسية والضغوط السياسية والاقتصادية من جانب الولايات المتحدة والمجموعة الدولية والضغوط الايرانية المضادة من خلال تصعيد النشاط النووي بما يؤدي لحصول ايران على أفضل تسوية ممكنة طالما ان ذلك يبقي الافاق مفتوحة على خيارات عديدة ، ولكنها ليست مفتوحة الى الحد الذي يشكل خطراً دائماً يستحق تبديلاً شاملاً في الستراتيجيات المضادة للمشروع من جانب الولايات المتحدة واسرائيل . لقد اثبت صاحب القرار الايراني انذاك قدراً من الحنكة في ادارةٍ ملف على هذه الدرجة من الحساسية وذلك من خلال ابقاء الطرف المعادي في المساحة الرمادية التي تضطره في نهاية المطاف الى القبول ببعض الشروط الايرانية التي تضمن لايران حقوقاً لم يسبق ان سلم بها الغربيون لطرف من دول العالم خارج المنظومة الغربية ، واهمها الإبقاء على دورة الوقود النووي كاملة وان بدرجة مخفضة مع الإقرار بالحق في استمرار اجراء الأبحاث النووية السلمية وبمساعدة دولية ، اضافة الى رفع العقوبات الدولية والثنائية المفروضة على خلفية النشاط النووي ، وأما الطرف الاخر فقد ضمن تأجيل اي تصعيد في النشاط النووي الى مدة تتراوح بين ١٠ الى ١٥ سنة مع مايكفي من ضمانات عملية وفق الإجراءات المعمول بها في اليات عمل الرقابة الدولية . اما اذا اختارت ايران استئناف مستويات نشاطها السابق فان ذلك يتطلب اجراءات على الارض ووقت يكفي لإطلاق جرس الانذار دون إمكانيات الاخفاء .

لقد ساعدت الظروف الاقليمية من جهة وتورط الولايات المتحدة في حروب العراق وافغانستان والازمة المالية الناجمة عن ذلك في دفع الادارة الامريكية برئاسة باراك اوباما الى القبول بتسوية الملف النووي بعد مباحثات سرية مطولة استغرقت اكثر من سنتين جرت برعاية عمانية وفي عمان ذاتها ، وكانت هذه المباحثات هي الأهم في كل فصول القصة منذ عام ٢٠٠٥ ولغاية ٢٠١٥ الى جانب ماتحقق من توافقات في اجتماعات ڤيينا بين ايران والمجموعة الدولية قبل التوصل للاتفاق النهائي ؛ لقد شهدت تلك الفترة تقدماً وتراجعاً لكن ماحسم الموقف في نهاية المطاف هو الحاجة الامريكية الملحة لتهدئة سياساتها الخارجية وتقليص الانفاق على السياسة الخارجية تحت وطأة الأزمة المالية وتزايد عدم شعبية الانغماس الامريكي في حروب بعيدة تضطر معها الولايات المتحدة لتقديم الضحايا والانفاق غير المجدي في الوقت الذي تتزايد فيه ظواهر الركود الاقتصادي والبطالة في الداخل .

يضاف لذلك الموقف الشخصي للرئيس باراك اوباما الذي لم يكن يُكِنُّ الكثير من الود لحكومات الخليج العربي وكان يدعوها لإجراء تغييرات جوهرية في سياساتها الداخلية من شأنها ادماج الأقليات والشباب والمرأة في الحياة السياسية العامة واعتبار إهمال هذه الحكومات لذلك هو مصدر الخطر الحقيقي على آمنها ، لكنه أكّد التزام الولايات المتحدة بأمن دول الخليج ان تعرضت لعدوان إيراني وهو ما اطلق عليه المراقبون ” عقيدة اوباما حول الشرق الاوسط والخليج ” . لقد اعتبرت حكومات الخليج ذلك نوعاً من الخذلان لانه يعني غض الطرف عن سياسات ايران التي تقوم على تأجيج النزعات الطائفية لدى الأقليات الشيعية في المنطقة والاستثمار فيها وزعزعة كيانات الدول المستقرة ، وقد باعت ادارةٍ اوباما كميات كبيرة من الاسلحة للسعودية وقامت بتقديم مساعدات لوجستية وفنية في الحملة ضد الانقلابيين الحوثيين الذين تدعمهم ايران ، وفي ذات الوقت لم يكن ممكناً لاية ادارةٍ امريكية ( بضمنها ادارةٍ ترامپ ) التغاضي عن الدور الذي لعبته ايران والمليشيات المرتبطة بها وتوظيف قدراتها العسكرية لمواجهة خطر ” التنظيمات الإرهابية السنية ” في المنطقة والتي يسود اعتقاد غربي بانها تحظى بدعم وتمويل خليجي ، وإن لم يكن دعماً رسمياً لكنه يتم بسبب عدم كفاءة وتراخي الأنظمة الرقابية لحكومات المنطقة . لقد عملت ادارةٍ اوباما ، ثم ادارةٍ ترامب ، خلال أشهرها الاولى بتعاون وثيق مع ايران خلال الحملة الدولية ضد تنظيم الدولة .

لقد كانت الصفقة النووية في جوهرها حسماً لاتجاه المشروع النووي الايراني نحو الأغراض السلمية بنزع حلقات أساسية منه ، أهمها : تقليص كميات اليورانيوم المخصب كماً ونوعاً حيث سمح لايران بالاحتفاظ بعدد محدود من اجهزة الطرد المركزي في منشأة ” ناتانز ” وان لاتتجاوز معدلات التخصيب ٣,٦٧ ٪ ، وتحدد الكميات التي يمكن لايران الاحتفاظ بها من هذا النوع من اليورانيوم كما يتم ايقاف اي نشاط للتخصيب في منشأة ” فوردو ” ويتم التحفظ على اجهزة الطرد المركزي التي ستخرج من الخدمة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية في ايران ‏ ؛ تجريد ايران من امكانية الاحتفاظ بالماء الثقيل وهو المادة الاساسية التي تستخدم في مفاعل اراك الذي يمكن ان ينتج كميات من الپلوتونيوم عالي التخصيب كناتج عرضي ، كما تم تعطيل مفاعل اراك ذاته من خلال صب الإسمنت في قلبه وتحوير المنشأة باكملها الى مختبر لاغراض بحثية بمشاركة دولية . هذا يعني من الناحية العملية تجريد ايران من امكانية حيازة مواد مشعة عالية التخصيب وان العودة الى مثل هذا السلوك سيمكن رصده لما تقتضيه من جهد لايمكن إخفائه ووقت طويل يؤمن فترة إنذار كافية ، وان تحديد فترة نفاذ تتراوح بين ١٠-١٥ سنة وخاصة فيما يتصل بأنشطة التخصيب لايعني إطلاق يد ايران في اي نشاط نووي تريده بعد ذلك ، وان إنقضاء المدة لن يجعل جهود ايران ، ان ذهبت بذات الاتجاهات التي سبقت الاتفاق ممكنة ، لان ايران وقعت على الپروتوكول الاضافي وهو يتعلق باستمرار آلية التفتيش المفاجئ كما انها ملزمة بموجب شروط الصفقة النووية بالعمل على استخدام التقنيات النووية التي تعمل بالماء الخفيف وهي تقنيات لاتنتج پلوتونيوم عالي التخصيب .

مقابل التزام ايران وتنفيذها الاتفاق وعندما يتم تأكيد ذلك من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية فانه يتوجب رفع جميع العقوبات التي فرضت من قبل مجلس الامن او آية حكومات بشكل منفرد على خلفية الموضوع النووي ، كما تضمن القرار دعوة جميع دول العالم للتعاون مع ايران والتعامل معها تجارياً بما في ذلك التبادل التجاري بالمواد والانشطة النووية .

بالنسبة لاسرائيل فقد كانت طرفاً في جميع تفاصيل الملف النووي الايراني وكانت لوبياتها وما زالت العامل الرئيسي المحرك وراء الاهتمام الدولي والغربي بشكل خاص بهذا الملف ؛ غير ان خيارات اسرائيل كانت محدودة للتعامل المباشر معه . جغرافياً لم يكن ممكناً لاسرائيل شن عملية عسكرية مؤثرة من شأنها تعطيل المشروع وأكثر مايمكن تحقيقه هو عملية تأخيرية من شأنها فتح الأبواب مشرعة امام ايران للسعي مباشرة نحو سلاح نووي . وفقاً للجنرال عاموس يادلين في مقالته المشار اليها آنفاً فأن خيارات اسرائيل العسكرية محدودة بسبب ” بعد المسافة وعدم امتلاكها لقوة تماثل قوة أسطول القاصفات والمقاتلات الامريكية . بوسع الامريكان شن حملات مركزة وهائلة باستخدام تقنيات التخفي عن الرادار والقاء كميات ضخمة من القنابل وإصابة الاهداف في عمق ايران بما يتجاوز كل القدرات الاسرائيلية … وينبغي ان تلي ذلك عقوبات مشددة وتفتيش دولي صارم ومقاطعة تشمل آية مكونات نووية … كما يمكن تكرار العمل العسكري ” ، لكننا نعرف ان تكرار السيناريو العراقي ، وهو مايشير اليه الجنرال يالدين ، كان امراً متعذراً في ظروف الولايات المتحدة انذاك وتعدد التحديات التي نجمت عن الاحتلال الامريكي للعراق وظروف سوريا بعد وصول الثورة فيها الى طريق مسدود . كانت الصفقة النووية هي الحل الممكن انذاك وان كانت اقل مما اراده خصوم ايران لكنها وفق تعبير توماس فريدمان في مقالة راي نشرت في نيويورك تايمس في الاول من تموز / يوليو ٢٠١٥ بعد استعراض ظروف عقد الصفقة خلص الى ان قيادة الولايات المتحدة ليست في وضع تريد معه الذهاب الى استخدام القوة العسكرية والإيرانيون يعرفون ذلك ” ولكن بقيت امكانية عقد صفقة سيئة جيدة حيث لايمكن الطلب من ايران تفكيك البنية التحتية الخاصة بالتخصيب النووي ولكن يمكن تقليصها بحيث لايكون بمقدور ايران التوجه بسرعة نحو صناعة قنبلة ذرية لمدة ١٠ الى ١٥ سنة ” فضلاً عما تؤمنه الصفقة من امكانية تفتيش وتحقق بقدر من الشفافية للتأكد من اتجاه أنشطتها النووية .

شخصياً اعتقد بتواضع ان الامر قد يكون ابعد زمنياً من ذلك ، السلاح النووي يشكل في العادة اداة ردع للحفاظ على وضع قائم وهو لايصلح كاداة لسياسات اقليمية او محلية نشطة تسعى لاحلال نظام إقليمي يلبي احتياجات ومصالح اقليمية وفق ماتسمح به الظروف الدولية الراهنة ، وعلى الأرجح فان الايرانيين قد فهموا الحكمة المعروفة في اطار العلاقات الدولية في عصر التسلّح النووي ان السلاح النووي قد يشكل عبئاً على كاهل السياسة الخارجية وخاصة في الاقليم ، الذي يشكل الاولوية الاولى المطلقة في سياسة البلد الخارجية ككل وربما يفوق في أهميته القضايا المتصلة بالنفط والغاز . ان لدى ايران مزايا جيوستراتيجية متنوعة ؛ لدى ايران إطلالات بحرية عظيمة الأهمية مثل مضيق هرمز ولديها حالياً امكانية الوصول والتأثير في باب المندب والساحل السوري على المتوسط كما تنشط ايران في بيئة اقليمية قلقة تحركها ديناميات الأقليات الطائفية والإثنية وتتواصل ايران مع الأقليات الشيعية المنظمة والمسلحة في طول الاقليم وعرضه وتعتبر الراعي لأوسع مجموعة من المليشيات المسلحة التي بدأت تشكل ملامح النظام الاقليمي بشكل يفوق الدور الذي تقوم به الحكومات الرسمية . هل من شك في ان قوة المليشيات الشيعية المسلحة وأجنحتها السياسية في العراق وسوريا ولبنان واليمن اكثر أهمية واعتباراً من حكومات هذه البلدان ؛ وهل تمتلك آية حكومة في المنطقة النفوذ الذي تمتلكه ايران على اكراد المنطقة وأقليات اخرى فيها ؟!! فما حاجتها لسلاح نووي تعرف انها لو امتلكته قد يكون سبباً في إحالتها الى ركام في اليوم التالي ، او في منعطف آية أزمة اقليمية نتيجة حساب صحيح او خاطئ ؟! لقد وفر احتلال العراق والتورط الامريكي في أتون حرب أهلية طائفية في البلاد وإعلان العزم على المغادرة بعد صدور تقرير بيكر – هاملتون فرصة هائلة امام ايران وكان المضي في مشروع انتاج قنبلة نووية حساب خاطئ احسن الايرانيون تخطيه بانهاء المشروع والمناورة بقضية التخصيب التي كما ذكرنا تضع الخصم في المنطقة الرمادية المُحيّرة . في تقديري المتواضع فان اخر ماتفكر به ايران في الوقت الراهن هو امتلاك سلاح نووي ، وذلك لايعني انها لاتمتلك طموحات نووية عسكرية ، ولكنها تركز اهتمامها على ابعاده السلمية الاقتصادية . العلوم النووية وتطبيقاتها تعتبر من الصناعات ذات الربحية العالية والمستقبل الواعد وهي تؤمن لايران مردوداً تجارياً مهماً خاصة وان الصفقة النووية تتضمن دعوة وحثاً لدول العالم للتعاون مع ايران في هذا المحال واعتبار ذلك جزءاً من واجبات هذه الدول بموجب ميثاق الامم المتحدة وفقاً لنص قرار مجلس الامن ٢٢٣١ ، كما ان نمو احتياجات ايران االمتزايدة للطاقة قد تحولها الى مستورد للنفط رغم احتياطاتها منه ولايمكن سد الثغرة الا من خلال مصادر للطاقة البديلة ومنها النووية ، وخصومها في المنطقة يعرفون ذلك .

مايقلق الخصوم هي قضايا من نوع اخر تتصل بأمنهم الوطني الذي تشكل ايران مصدر تهديده الرئيسي ، مباشرة من خلال برامج التسلّح التقليدي والصاروخي منها بوجه خاص ، والتي تشكل الغطاء العسكري لنشاطات ايران السياسية في الاقليم ويقوم عمودها الرئيسي على إشاعة الفوضى الطائفية واضعاف كيانات الدول ؛ لقد عالجت الصفقة النووية قضية الصواريخ بشكل عام ومختصر حيث نصت على وجوب امتناع ايران عن تطوير الصواريخ الپالستية القادرة على حمل الاسلحة النووية لمدة ثماني سنوات دون تفاصيل اضافية ، وقد ترك ذلك مساحة رمادية تمكنت ايران من استثمارها لتطوير قدرات صاروخية معينة اعتبرها الغربيون ، وخاصة الامريكان والإسرائيليون ، بأنها تشكل خرقاً لبنود الصفقة النووية ؛ قامت ايران في مطلع عام ٢٠١٧ بإجراء تجارب على نوعين من الصواريخ : صاروخ “خرمشهر ” متوسط المدى بمدى يبلغ ١٨٠٠ – ٢٠٠٠ كيلومتر ومحولة تبلغ ١٨٠٠ كيلوغرام ، وهو من نوع صواريخ MNRV القادر على حمل كبسولة عودة Reentry Vehicle متعددة الرؤوس تستخدم عادة لحمل رؤوس نووية ، ورغم ان النوع الذي عرض هو احادي الراس بحكم قياساته ، الا ان حمولته توحي بقدرته على حمل راس نووي . اما النوع الثاني الذي تمت تجربته فهو صاروخ ” سومار ” على شاكلة صواريخ كروز المجنحة ذات الطيران المنخفض جداً والذي لايصنف كسلاح بالستي ولاتعتبره ايران بالتالي خاضعاً لشروط الصفقة النووية رغم انه قادر من الناحية النظرية على نقل رأس نووي ولمسافات تتراوح بين ٢٠٠٠ الى ٣٠٠٠ كيلومتر .

لقد اثارت تجارب هذه الصواريخ تحفظات غربية بما في ذلك اوروپية ، وبدات منذ تجربتهما في مطلع عام ٢٠١٧ حملة دولية كبيرة تقودها الولايات المتحدة ومن خلفها اسرائيل تركز على اعتبار ان ايران لم تلتزم بتعهداتها المنصوص عليها في الصفقة النووية ولم تهدأ تلك الحملة منذ ذلك الحين واصبحت تتركز حول مطالب ثلاث :

١- تعديل الاتفاق النووي او إلحاقه باتفاق إضافي يتضمن إلغاء السقوف الزمنية الواردة فيه حول أنشطة ايران في مجال تخصيب اليورانيوم واعتبارها التزامات ابدية .
٢- فتح ملف التسلّح الصاروخي وتحديد الأنواع المسموح بها .
٣- معالجة توسع النفوذ الايراني في المنطقة وقضية دعمها للتنظيمات والمليشيات المسلحة ونشاطات فيلق القدس التابع للحرس الثوري في الاقليم .

لم ترد قيود اخرى على آية نشاطات إيرانية عسكرية اخرى باستثناء الامتناع عن تطوير قدرات نقل الاسلحة النووية بما في ذلك انواع معينة من الصواريخ كما بينته آنفاً وبالتالي يمكن الجزم بان الهدف الحالي للحملة الامريكية هو الضغط بشأن الملف الصاروخي أساساً والانتشار العسكري الاقليمي لايران وخاصة في الجوار الاسرائيلي وفرض تعديلات على الاتفاق النووي ، ويبدو ان هذا هو تسلسل الاولويات الأمربكية ( والاسرائيلية ) من خلال الموضوع باكمله . لا اعتقد ان هنالك توجه لاجتثاث النفوذ الايراني في المنطقة كما قد يتصور البعض بل تهذيبه وفق متطلبات آمن اسرائيل ؛ ماعدا ذلك هي خطوط حمراء يعرف الايرانيون حدودهم فيها مثل قضية آمن الممرات المائية او آمن إمدادات النفط ، ولكنني استبعد ان يذهب الامر الى حد اعادة ايران الى ماقبل احتلال العراق لان ذلك لايشكل مصلحة للولايات المتحدة او اسرائيل بل ربما يكون العكس هو الصحيح وسيبقى العرب خارج اطار تحديد مسار اللعبة ولن يتعدى دورهم البقرة الحلوب التي تدر ذهباً .

كيف تبدو صورة المستقبل القريب في ضوء هذه التطورات وماهي اهم السيناريوهات المُحتملة : أقصى الاحتمالات هو انسحاب امريكي احادي من الاتفاق او تعليق الالتزام به تحت ذريعة خرقه من جانب ايران، فما الذي سيحدث نتيجة ذلك ؟!

في حالة انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي او تعليق العمل به فان ذلك سيحدث وضعاً شاذاً وغير مألوف في التعامل الدولي من قبل ؛ الاتفاق يضم اطراف اخرى وهو يتضمن التزامات متقابلة من جانب جميع أطرافه ، وبهذا فأنه سيظل قائماً ، فضلاً عن كونه اتفاقاً معززاً بقرار صادر عن مجلس الامن وفق الفصل السابع وهو امر سيترك اطراف الاتفاق الاخرين وخاصة ايران في منطقة حرجة . اذا ماعادت ايران الى استئناف نشاطاتها النووية فانها ستثير حفيظة الاطراف الدولية وخاصة الاوروپية ، كما سيترك ذلك كلاً من الصين وروسيا في موقف صعب ؛ لن يكون كافياً في وضع كهذا التنديد بالموقف الامريكي لان هنالك قضية سياسية وقانونية بحجم كبير يتعين معالجتها باجراءات عملية .

ينص قرار مجلس الامن على امكانية اعادة فرض العقوبات على ايران في حالة عودتها الى نشاطات التخصيب خارج السقوف التي حددها قرار مجلس الامن ٢٢٣١ ، وهذا امر واجب الالتزام من قبل كافة الاطراف المعنية ، خاصة وان خروج الولايات المتحدة من الاتفاق لايعني بالضرورة إنهائه من الناحية القانونية الصرف . من جانب اخر فان للولايات المتحدة القدرة على فرض عقوبات مؤثرة على ايران وعلى آية اطراف ، وخاصة الشركات ، التي تقوم بالتعامل معها . هنالك نوعان من الإجراءات العقابية المتاحة للولايات المتحدة ، وهي الإجراءات المباشرة او الأولية والتي تتعلق بالشركات والمؤسسات الامريكية ، وهنالك الإجراءات غير المباشرة او الثانوية والتي تتعلق بالشركات والمؤسسات غير الامريكية بضمنها الاوروپية ، وجميع هذه الشركات والمؤسسات مضطرة للتعامل من خلال النظام المصرفي والمالي العالمي الذي تتحكم الولايات المتحدة ووزارة الخزانة الامريكية فيه ، وستواجه الاطراف التي تجازف بالتعامل مع ايران خطر الإجراءات العقابية التي يمكن ان تصل حدود التجميد ومصادرة للارصدة والاصول ؛ لا اعتقد ان هنالك مؤسسة في العالم تجازف بالتعرض لهذه المخاطرة ، وسيكون على ايران ان تواجه عزلة اقتصادية شاملة قد تكون اكثر شدة مما تعرضت اليه في فترات سابقة .

قد يقول قائل ان للولايات المتحدة قوات ومصالح منتشرة في منطقة الشرق الاوسط وانها ستكون عرضة لاعمال عنف قد تطالها من جانب المليشيات المسلحة المرتبطة بايران ، وفي تقديري ان اي صدام مباشر من جانب ايران او وكلائها في المنطقة بالقوات او المصالح الامريكية سيكون خياراً انتحارياً ، وان ايران لن تجازف بمثل هذا الخيار حتى لو اضطرت لتقديم تنازلات اوالتضحية ببعض وكلائها ، وينبغي ان ناخذ بالاعتبار انه لا الولايات المتحدة او الغرب ، ولا حتى اسرائيل ، تحدوهم الرغبة في غياب شامل للنفوذ الايراني في المنطقة . لقد شكل هذا النفوذ عاملاً دينامياً للكثير من التطورات التي كانت تصب في المصلحة الامريكية والاسرائيلية والغربية . يكفي ان نتسائل : لمصلحة من يعمل الوضع الحالي في العراق وسوريا ولبنان من غياب الدولة وتفككها وتعطيلها عن القيام بواجبات الدول . مٓنْ غير النفوذ الايراني والنشاطات التي قامت بها ايران ، وكان قسم منها بتنسيق وتعامل مباشر مع اطراف امريكية واسرائيلية ، كان مسؤولاً عن إيصال الاوضاع في المنطقة الى هذا الحد ، الى جانب الاداء المتردي لانظمة التخلف الريعية العربية ؟!

من جانب اخر اذن فأن هنالك مساحة معروفة لما يمكن ان تدفع اليه الامور من جانب الولايات المتحدة تجاه ايران ، ومالم تتخذ قرارات متهورة ، من الجانب الايراني او الامريكي فان إمكانات التفاهم والتسوية تبقى قائمة . ربما تكون ايران قد بالغت في توسيع نفوذها وربما كانت قد اساءت حساب إمكانيات انقلاب الموقف الامريكي والاسرائيلي تجاهها بهذا الشكل ، رغم ان لها تجربة طويلة مع التنكر الامريكي لخدماتها : بعد الجهود الكبيرة التي بذلتها ايران في تسوية الوضع الافغاني وبالتنسيق مع الامريكان جاء بعدها مباشرة خطاب جورج بوش الابن الذي ادرج فيه ايران ضمن محور الشر ولم يكن بوسع محمد جواد ظريف ان يرد على ذلك الموقف ، وكان في حينه ممثلاً لبلاده في الامم المتحدة ، باكثر من ان الامريكان ذوي ذاكرة قصيرة المدى . ثم جاءت قضية احتلال العراق فبادرت ايران ، وقبيل وقوعه ، الى تقديم مقترح تسوية شاملة للمشاكل العالقة مع الولايات المتحدة تضمنت انهاء تقديم الدعم للتنظيمات العسكرية المناهضة للولايات المتحدة واسرائيل في المنطقة بضمنها حزب الله اللبناني ، وقد قام السفير السويسري ( القائم بأعمال المصالح الامريكية في طهران حينها ) بمهمة نقل المقترح بشكل مذكرة تحريرية الى وزارة الخارجية الامريكية في واشنطن ، ولكن تم تجاهلها وعدم الرد عليها .

قامت ايران بعد ذلك باستثمار فرصة الملابسات والتداعيات التي نجمت عن احتلال العراق لتقوم بالعمل على توسيع نطاق نفوذها وتأمين طريق بري الى الساحل السوري والى لبنان عبر العراق ، ولكن اغراء القوة وربما الغرور قد أوقعا الايرانيين في حساب خاطئ . لقد عولوا مجدداً على إمكانيات التفاهم مع الامريكان وفي ظنهم انهم مدعومون بموقف اوروپي وعرى متينة مع الروس والصينيين ، ولكن فاتهم ان جميع هذه العرى ستنفرج عندما يدخل عامل الامن الاسرائيلي في الموضوع !! ربما تختلف هذه الاطراف مع اسرائيل في قضايا كثيرة ولكنها ، ومنذ نهاية الحرب الباردة ، اتجهت نحو بناء علاقات قوية ومتنوعة مع اسرائيل لاعتبارات كثيرة منها بطبيعة الحال ، الى جانب تهافت وتشتت المواقف العربية ازاء القضية الفلسطينية ، المزايا التي تتمتع بها اسرائيل في واشنطن وامكانات التأثير المعروفة للوبيات اسرائيل على السياسة الخارجية الامريكية ، فضلاً عن إمكانات اسرائيل في ميادين التقنية والحواسيب . لقد عرفت الصين تاريخياً بدعمها للقضية الفلسطينية ولكنها اتجهت خلال السنوات الاخيرة لبناء علاقات تقارب مع اسرائيل وتغيرت لغة خطابها الدبلوماسي تجاه احتلال الاخيرة للأراضي الفلسطينية والعربية ، ونعرف ان ذلك تم بناءاً على إغراءات قدمتها اسرائيل لپكين في تقنيات عسكرية حساسة . نعرف ايضاً قوة اللوبي اليهودي الصهيوني في روسيا ، وقد ظل الطيران الاسرائيلي يتمتع بحرية العمل في الأجواء السورية التي يسيطر عليها الروس ، ولاينبغي ان ننسى ان ثلث سكان اسرائيل هم مواطنون روس يهود . ولاحاجة للحديث عن نفوذ اسرائيل وقوة تأثيرها في فرنسا وبريطانيا وألمانيا وميلها في النهاية الى اتخاذ الجانب الاسرائيلي في أزمات المنطقة ، وقد بان ذلك بوضوح في المواقف الاوروپية التي حرصت ، الى جانب تأكيد التزامها بالاتفاق النووي ، الاعراب عن تأييدها لإجراء تعديلات عليه مع الدعوة لتقييد البرنامج الصاروخي الايراني وتقييد نشاطات ايران ونفوذها في جوارها الاقليمي .

اما اسرائيل فانها ستواصل حملتها الإعلامية والدبلوماسية ضد الاتفاق النووي والنشاط الصاروخي وتمدد النفوذ الايرانيين ، لكنها ستواصل من جانب اخر حملتها العسكرية المستمرة ضد القدرات العسكرية الايرانية في سوريا والتي ترى فيها تهديداً لها ؛ اخرالضربات في اطار تلك الحملة هو الهجوم بالقنابل المجنحة ذات القدرة التدميرية الكبيرة على قواعد إيرانية بالقرب من حلب ليلة ٢٩ / ٣٠ من شهر نيسان / اپريل المنصرم . سبقت ذلك مهاجمة قاعدة تي فور الجوية السورية وأسفرت عن مقتل عدد من العسكريين الايرانيين ، ويبدو ان الحملة لن تنتهي الا بعد انسحاب إيراني لمسافات امنة داخل العمق السوري مع عدم السماح بوجود قدرات تهدد حرية سلاح الجو الاسرائيلي في الأجواء السورية واللبنانية . قد تاخذ هذه المواجهة منحاً تصاعدياً ولكن يبدو من ردود الفعل الايرانية وتجاهل الإشارة الى بعض العمليات الاسرائيلية التي تمت بالفعل ضد قواعدها انها لاتميل الى تصعيد الموقف والذي قد يحرج الحلفاء الروس الذين يرجح الخبراء انحيازهم الى الجانب الاسرائيلي اذا اضطروا لاتخاذ محدد جانب في النزاع .

تبدو ايران معزولة في قضية الملف النووي وأزمته الحالية ، وهي امام خيارات محددة لاتتجاوز اللجوء الى التشكي وفق الالية المنصوص عليها في المادة ٣٦ من الاتفاق النووي ( قرار مجلس الامن ٢٢٣١ ) وأقصى مايمكن ان تحصل عليه هو إصدار توصية غير ملزمة او احالة الشكوى الى مجلس الامن حيث تتمتع الولايات المتحدة بحق النقض . يمكن لايران اعلان خروجها من الاتفاق او سحب توقيعها من الپروتوكول الاضافي لاتفاقية حظر الانتشار النووي او سحب توقيعها من الاتفاقية ذاتها ، وهذه الخيارات الثلاث الاخيرة ستخرب علاقات ايران مع بقية اطراف الاتفاق وخاصة الاوروپيين كما ستعرض نفسها لامكانية العودة الى العقوبات الدولية وهو في تقديري اخر مايمكن ان تفكر به قيادة إيرانية عاقلة .

كل الطرق تقود ايران الى القبول بصفقة جديدة ويتعين على الدبلوماسية الايرانية ان تبدأ جهدها للحصول على أفضل الشروط بدلاً من العناد والذهاب الى مواجهة تعرف انها لن تمضي فيها الى نهايتها .. ولدى ايران أوراق جيدة منها ورقة الطاقة التي يبدو انها على قدر كبير من الحساسية في هذه الفترة ، كما يمكنها المناورة بالورقة اليمانية والتضحية بحلفائها الحوثيين ، كما يمكنها المناورة بحجم ونطاق نشاط حزب الله اللبناني ؛ لقد عرضت ذلك من قبل على الامريكان واعتقد انها لن تتردد في عرضه من جديد ، لكن ينبغي ان نتذكر دائماً ان الورقة الأهم في يد ايران هو حاجة الغرب لها ، وقد كانت تاريخياً عاملاً مهماً بالنسبة للغرب في مواجهاته الطويلة مع العالم الاسلامي

لا تعليقات

اترك رد