قطعة قماش صغيرة لا تكفي


 

في زمن الانفتاح المطلق، والقدرة على كسر المواقع المحجوبة، وفك أعقد الشيفرات واختراق جُدر الحماية، لم يعد من الصعب على هذا الجيل أن يرى كل ما هو ممنوع ومحجوب عنه، وما عاد يسكنه الفضول لمعرفة ماذا يدور ما وراء الحجاب؛ بضغطة زر بات بمقدوره أن يرى أكواماً من الأجساد العارية بألوان عدة وجنسيات متعددة. وبإمكانه أن يرى ويصل إلى أبعد من هذا.

ففي ظل هذا الزحام الكبير والتعثر بما هو مباح وما هو محرّم. بسهولة ولا تكلف هذه المحرمات والمباحات أكثر من رابط صغير أو امتلاك شيفرة مكونة من بضعة حروف وحزمة أرقام.

فقطعة القماش التي تحجب شعر الأنثى لن تكون محط اهتمام ولا مصدر إغواء ولن تثير غرائز قد أرضعتها التكنولوجيا المعاصرة من حليب الطمع بما هو ألذ وأشذ من خصال الشعر.

فالحجاب المعاصر أو ” المودرن” الذي بتنا نراه بأشكاله وأزياءه الغريبة والعجيبة تارة يكون مثيراً للجدل لمن يعارض فكرة حجاب المرأة وتارة أخرى يكون مثيراً لسخرية الآخرين من الفتاة المحجبة لأن بعض أو ربما كثير من الفتيات المسلمات قد شوهن ماهية وحقيقة الحجاب.

هذا النوع من الحجاب إما أن يكون ” حجاب العادة” أي أنه “موروث عائلي” لا يمكن للفتاة أن تخالف هذا الموروث حتى وإن لم تكن على قناعة بهذا الموروث. وإما أن يكون هو الزي العام للبلد من باب العادات والتقاليد إلا ما رحم ربي هناك ثلة وقد تكون كبيرة من النساء المسلمات اللواتي يقتدين به عن قناعة ويقين ومحبة نابعة من أعماقهن بهذا الحجاب.

إن كانت الغاية الحقيقية أو الدينية المنشودة من الحجاب هي حجب كل ما هو مغرٍ ومثير من مفاتن المرأة؛ فإن هذا الحجاب المعاصر لا يحقق تلك الغاية؛ إذ أنه فقط يحجب شعر المرأة ويترك باقي الجسد سافراً.

ولكيلا يُساء فهم هذا الطرح من قبل المتعصبين والمتشددين، أنا لست هنا كي أفتي بمسألة الحجاب وكذلك لست ممن يعارضون فكرة الحجاب؛ لكنني ومن خلال هذا الطرح أحاول أن أبين هذا النوع من الحجاب المبهرج والذي أساء بشكل كبير للمسلمة المحجبة وكذلك اساء للإسلام وأعطى للآخرين الحجة ليهزئوا من تلك التناقضات الظاهرة التي تمارسها أنثى الحجاب المعاصر.

فلو تأملنا وبشكل منطقي وعقلاني إلى هذا النوع من الحجاب المبتكر والدخيل وتساءلنا:

* ما الغاية في أن تغطي الفتاة شعرها وتترك باقي جسدها في متناول الأبصار لا حجاب عليه؟

* هل يُعقل بأن الرجل وفي عصر الانفتاح أن يكون بالغباء الذي يجعله يثار من خصلة شعر مدسوسة رغماً عنها تحت قطعة قماش؟

عندما يغيب الجوهر تصبح الصورة ناقصة ومشوهة وتغدوا:

* إما نشازاً وملفتة للنظر، فالفتاة التي ترتدي هذا النوع من الحجاب المضحك والمثير للسخرية هي من سببت هذا الشرخ الكبير، وشوهت صورة الحجاب وأفقدته هيبته وجردته من كل غاية أخلاقية ودينية.

* وإما أن يصبح هذا الحجاب سبباً وجيهاً لإطلاق سراح الألسن المعارضة لفكرة الحجاب وقد يصل الطعن إلى ماهية الدين نفسه، ويفتح حلقات ودوائر مفرغة من الجدال العقيم.

ما بين الحين والآخر تظهر على الشاشات فنانة تعلن عن توبتها والتزامها بالحجاب، وتذرف الدموع الحارقة على ما ضيعته من أيام كانت فيها بعيدة عن الله. وتتكلم بنبرة الزاهدة والناسكة وتعلن عن رغبتها في هجر الدنيا لتظل في محراب الله. وكأن الله لم يكن معها حين كانت بلا حجاب. وهل قطعة القماش التي سترت بها شعرها هي التي قربتها من الله. وما أن تنطفئ نار النزوة الإيمانية وتهدأ عاصفة التوبة المفاجئة؛ تعود لكي تتحايل على النصوص الشرعية وتبتكر بمعاونة بعض الدعاة والشيوخ المعاصرين فتاوى ليس لها أي أصل في الدين. كفتوى لإحدى الفنانات التائبات بشرعية وضع الشعر المستعار على أنه ليس شعرها الحقيقي. ومن ثم تعود إلى التمثيل من جديد بفتوى أخرى لأنها لم تستطع الابتعاد عن الأضواء والشهرة.

مثل هذه الأفعال والابتكارات والفتاوى والخزعبلات هي من أساءت لمعنى الحجاب وجعلته عرضة للسخرية والنقد من قبل الرافضين له، ولا ملامة عليهم لأن بعض النسوة المسلمات المتحضرات قد أسأن لهذا الحجاب من خلال الأشكال الغريبة للحجاب ومن خلال تناقض أفعالهن. ألا يحق للمعارض لقطعة القماش أن يسخر حين يرى فتاة محجبة وتلبس تنورة ما فوق الركبة؟

الحشمة وفي جميع العصور والأديان السماوية وغير السماوية كانت في احتشام الروح والقلب والاحساس.

لن تكون الحشمة بستر الشعر بقطعة قماش؛ إنما الحشمة في حشمة القلب والروح ورفعة الأخلاق والثقة العالية بالنفس. المرأة الواعية تقدر على حماية نفسها ووضع الحدود والمسافة ما بينها وما بين الآخر.

الحجاب المعاصر فعل العكس إذ جعل غالبية المجتمع ينظرون إلى المحجبات على أنهن متناقضات أكثر من السافرات، فتشوهت صورة المحجبة الصادقة التي تفعل كل ما يترتب عليها من بعد الحجاب. فاختلط الأمر وتساوت البريئة مع المذنبة.

كل ما نختاره عن وعي وقناعة سيكون سهلاً وممتعاً؛ وكل ما يتم فرضه علينا بالقوة والإكراه ونفعله بالعادة بلا قناعة؛ سيكون شكلياً لا أكثر. إن فتاة الحجاب المعاصر والمتناقض هي من شوهت نظرة المجتمع للمحجبة.

وثمة نوع آخر من المحجبات اللائي يراوغن باسم الحجاب حين ترتدي المرأة الحجاب من باب التكاسل وتوفير الوقت للاعتناء بالشعر والذي يتطلب منها الجهد فلتجأ إلى ارتداء الحجاب العصري لكنها لا تتقيد بسلوك المرأة المتدينة وهذا أيضاً أساء لمعنى الحجاب والمحجبات بشكل عام.

إن الدين علاقة خاصة وروحانية ما بين الإنسان وخالقه، والدين هو ليس ثقافة ولا موروث شعبي ليكون فرضاً على الجميع. وعلى المرأة أن تكون مقتنعة بالحجاب قبل أن تورط نفسها به فتتحول قطعة القماش إلى طوق خانق بدل أن يكون لها طوق راحة وسلام تتنفس منه الراحة وتحصل منه على السلام والسكينة.

خصلة الشعر لا تحرك غرائز الرجل؛ لكن الشعر الأنيق يكمّل جمال الأنثى. قطعة قماش على الرأس لن تتكفل وحدها بالحشمة الكاملة، لأن للحشمة معان أعمق واسمّى وتكمن في:

حشمة الكلمات، وحشمة التصرف، وحشمة الصوت الخالي من مؤثرات الإغراء، والأهم من كل هذا هي حشمة القلب والروح.

ليس هناك أجمل من فتاة ترتدي الحجاب، وتمارس كامل سلوكيات دينها التي تؤمن به عن يقين وإخلاص؛ لأنها ستكون جميلة بروحها ومبدأها الصادق الذي اختارته بكامل وعيها.

المرأة المحجبة عن اقتناع تحاور الجميع بثقة واتزان وتعرف كيف ترسم الحدود والمسافة دون أن ينفر من خارطة المسافة وجغرافية الحدود أحد؛ بينما المرأة التي ترتدي الحجاب من باب العادة أو الضغط العائلي دون اقتناع منها ستكون متناقضة ومهلهلة الشخصية وقد تضطر إلى أن تفعل مالا تفعله المرأة سافرة الرأس؛ لترضي النقاد وبهذا تصبح سفيرة الإساءة والتشويه وتعيش في صراع مع ذاتها وازدواجية موجعة.

حتى الإلحاد بحاجة إلى يقين وقناعة، وكل سلوك يتم بلا قناعة أو إثر صدمة أو كنزوة وتوبة عابرة ما هو إلا خداع نفسي يترك صاحبه يمشي في أرض التيه بلا هدى لا يعرف إلى أين وجهته.

لا تعليقات

اترك رد