خمس وثلاثون شمعة

 

يسألني معظم أصحابي عن اليوم الموعود، وكأنهم يعرفون موعده أكثر مني. يسألون متى وكيف الاحتفال و إطفاء شموع سنيني على كعكةٍ لا أستطيع اكلها بسبب الحمية التي اتبعها منذ سنين. فلا الكعكة كعكتي ولا الشموع تنتمي لسنيني.. أتسائل دائما لما لا نشعل الشموع بدل إطفائها !!فما أعرفه عن إطفاء النور أو الشموع بمشهدٍ تلفزيونيٍ يكون مرتبطاً مباشرة مع إنتهاء المشهد فيلحقهُ مشهدٌ جديدٌ أو فصلٌ جديدٌ لقصة ما أو موت أحدهم.

تسافر ذكرياتي مع الشموع حيث حرب الكويت، حينها انقطع التيار الكهربائي عن مدينتنا ولم تكُنْ لِأمي أن تملك نقوداً لشراء نفط الفانوس! فما كنا نملك شيء لإنارة ظلام الليل الحالك سوى شمعةً صغيرةً كانت قد خبأتها أمي كنِذْر لأحد الائمة. إضطرت لإشعالها حتى تطمأنني حين نومي. كنت أقول في نفسي كيف لمثل شمعة صغيرة البقاء مشتعلة لمدة ثلاثة ليالٍ ؟! بعدها اكتشفت أن أمي كانت تطفأها حال نومي حتى لا تنتهي. أنتهت الشمعة واضطررنا أنا وأمي أن لا نخاف من ظلمة الأيام، بل بمواجهتها لأن الحربَ كانت اطول بكثير من عمر تلك الشمعة الصغيرة, فلم تعد لأمي من حيلةٍ كيْ تنير أيامي.

ألا ليت الخمس والثلاثين عاما التي مَضَت تملك لسانا فتتكلم، لتفصح عن مرورها بجانبي كالرمح الهاربِ بلا خريطة أو دليل. هربت أعوامي من كثرة أحلامي وجنوني الذي تمرد حتى على ذاتي و من عشقٍ يلملم خيباته واحدة تلو الأخرى. ايقنتُ حينها بأن عمري أقصرُ بكثير من فخامة طموحاتي العالية. لم تكن تلك الشموعُ التي تنيرُ وجهَ كعكتي في الظلمةِ تنوءُ مشواراً أو فصلاً من فصولِ حياتي، فهي مكملةٌ لطريق سلكته منذ زمن طويل، فلطالما اعتقدت بأن ليلة مولدي متناقضة جدا لانها الحدود التي تفصل بين بداية ونهاية مشواري فبها تموت لي سنة لتحيا أخرى لهذا لم احتفل به كثيراً.

اتذكر ليلةً من ليالي طفولتي عندما كنت في السادسة من عمري، كانت ليلة عيد مولد خالتي، ولأنها تعلمت وأفنت شبابها في جامعة الموصل مدينة العلم والحضارة والتأريخ وليست كما أصبحت عليه اليوم من خراب! كان لَيسعد خالتي الإحتفالَ بعيد مولدها الذي لم يحصل وإن ْ احتفلنا به من ذي قبل اذ انها عادة غير مألوفة في بلدتنا. فكانت تلك المرة الأولى التي أحضر بها إحتفالاً لعيد ميلادٍ وأرى به مراسيم الكعكة وإطفاء الشموع على إيقاع اغنية (سنة حلوة يا جميل). سألتها لماذا نطفأها بدل إشعالها هل هو عزاء لموت سنة ام مولد أخرى؟ اجابتني بأبتسامة حائرة تعني بها كلي الكعكة ولا تحيريني معك!. إستذكاري لهذه القصة هو أنني كنت أرى في خالتي واحدةً من أمنياتي عندما أكبر، أن اتغرب عن أوطاني لأتعلم أشياء جديدة وأن يشتاق أحبائي لعودتي يوماً كما كنت اشتاقها. تحقق حلم إغترابي حتى لم يعد أمنية جميلةً بل واقعاً متزايداً مع زيادة أعداد الشموع على كعكتي من دون عودة.

صراعي ضد الزمن وضد مروره وحلول فعله وتأثيره على الاشياء كصراع شكسبير حيث يقول: (ذلك الزمن الذي لا يقر له قرار يقود الصيف إلي فظاعة الشتاء القبيح وهناك يأسره وقد جمد نسغه الصقيع، وتساقطت أوراقه الناضرة)
فقد كان الزمن عدوه الاول الذي يسلب منه كل شيء جميل ولا يبقي شيء على هيئته التي احبها وتعلق بها, ومن هنا كان يدعو الى المقاومة والمواجهة ببذل العطاء المادي والمعنوي لمنح الحب والجمال لكل من حوله من كائنات. كان شكسبير يؤمن ان من منحنا الجمال بأي صيغة كانت لابد ان لا يبخل على غيره به. هكذا كان يسعى ويكتب على وتر الانسانية للخلود والاستمرارية بزمن ذو وجهين, اذ انه يصنع الجمال بنا ثم يسافر به للكبر والفناء والتلاشي.

ومن وحي قصص شكسبير الحالم بالجمال اراجع خيطَ أحلامي الحريري الشفاف والذي لم يره أحدٌ غيري خوفاً من أن يظنها البعض نسج من الخيال لا تمت للواقع بصلة. فلَمْ أبُحْ بها بعد، فبمجرد استعادتها بمخيلتي يثير بداخلي الضحك والسخرية لشدة براءة نسجها. لكن تلك الطفلة المشاكسة تطاردني، تمسك بخصلات شعري وكأنها الحبل الذي تقفزعليه. تتأرجح على رموشي كي تطاردني مع كل مجازفة خجولة أقوم بها.

بدء العد التنازلي لخمسةٍ وثلاثين عاماً، وهو رقم مرعب وكأني أدخل حقبة جديدة من حياتي لأغوص بأحشاءها سنة تلو الاخرى و كسائح عابر بأدغالها، أعبرها كوردة على مجرى نهر لاتفرج على أحداثها. وجدت بها ما يستحق أن أحتفل به والآخر ما احزن عليه. ولكي أبقى متفائلة تركت المحزن منها على طرق الأمل وفتحت نوافذ السلام كي ارى من خلالها زمني الذهبي الذي أستلهم منه الفرح. أعيش مع أحلامي الخيالية والطفلة المجنونة، الحمقاء والطائشة بداخلي التي ترقص دائما كفراشة على نغمة الأيام وتبقى هي النور الذي يضيء مسالك روحي رغم حماقاتها.
بكل شمعة جديدة على كعكتي أمسك بأطراف أجنحة تلك الفراشة حتى أطير معها لحقول أجمل دون استسلام. وهكذا أغلقت مسودة سنة مضت وختمتها بختم الفرسان. وسأنقش سنة أخرى تحت ضوء شموع الأماني تلك وأحلف على كعكها بأني لن أشيب وان لا اشرب كأس عمري جرعة واحدة!

لا تعليقات

اترك رد