لودفيغ فان بيتهوفن ( السيمفونية الخامسة ) – ج 2

 

تعد هذه السيمفونية التي تتميز بالديناميكية احدى أعظم انجازات بيتهوفن . تتميز السمفونية بطاقتها التي لا تقاوم وموسيقاها التي تجتاح المستمع من الافتتاحية وحتى الخاتمة وهي مفعمة بالانتصارات .

وتصنف السمفونية الخامسة على أنها إحدى أعظم الأعمال الموسيقية التي عرفها تاريخ الموسيقا العالمية ، حيث تبدأ بأربع ضربات تشبه إلى حد بعيد ضربات المطرقة وكأنها تقول : ” هكذا يقرع القدر بابك .”

السمفونية الخامسة من معزوفات الحرب لأنها مليئة بالبطولة والصراع والانتصارات حيث تجري أحداثها داخل النفس البشرية وليس خارجها خصوصا وأن الصمم بدأ يقترب من بيتهوفن وصار يصارعه ونجد فيها أيضا أصواتا داخلية مقترنة بمفهوم الله.

تقسم السيمفونية الخامسة إلى أربع حركات أساسية :
الحركة الأولى First Movement ,Allegro con Brio وتعني الحيوية والحماس حيث تتحرك الموسيقا بحيوية ونشوة .
الحركة الثانية Second Movement, Andante con Moto وتعني المشي الرشيق خطرا حيث نجد تدفقا ثابتا وسريعا للحركة.
الحركة الثالثة Third Movement, Allegro (Scherzo) وتعني التصميم والشدة التي تقود إلى الحركة الأخيرة .
الحركة الرابعة Fourth Movement, Allegro وتعني نفس المعنى السابق إلا أنها طريق انتقالية بين عالمين وهي مذهلة .

وسنوضح كل حركة على حده :

الحركة الأولى First Movement ,Allegro con Brio :
بدأ بيتهوفن السمفونية الخامسة بإلقاء عظة التحدي ….” هكذا يقرع القدر بابك ..” ونحصل على هذا المعنى بعد تكرار الحركة على أوتار الأوركسترا لتجتهد الآلات الأخرى مثل الفلوت والآبو و الكلارينيت والباسون والهورن والترومبيت والأوتار على تكرار الحركة لتقودنا إلى الذروة .

يتم تغيير المزاج العام ليصبح أكثر لطفا ونعومة على الكمان ويصير التدفق أكثر شعرية ونعومة من المقدمة ولكن يستمر قرع المطرقة القدرية ويقود هذا إلى التكرار إلى ذروة أخرى عظيمة وهنا ينتهي القسم الأول . ونظرا لشدة الافتتاحية ، يبدو تكرار الحركات طبيعيا من أجل اكتشاف تطور الأفكار الموسيقية خلال العمل.

مرة أخرى يعطي الهورن والكلارينيت الفكرة الأساسية قوة جديدة حيث تبدو الموسيقا مشحونة بطاقة لا تقاوم وغير قابلة للتوقف ، ويتم تكرار الحركة أو العبارة عدة مرات لتصل إلى تآلف متميز للمشاعر ، وكأن الجميع يتوقع حدوث عاصفة حيث تتناوب الأجهزة الوترية مع أجهزة النفخ على التوالي لتعطي جوا من التوتر الخارق للعادة ، ثم يعود بيتهوفن ليقرع الطبول والمطارق ليذكرك بوجود القدر ثم يتكرر الموقف عدة مرات . وفجأة يحدث استرخاء في الموسيقا وانفراج في التوتر ليعطي السولو صرخات ريفية رومانسية ، وهذا يدل عليه صوت خافت يشير إلى قصة الخلق الأولى . لقد تأثر بيتهوفن هنا كثيرا بالأفكار والمعابد المصرية حيث يكتب :

أنا….أنا
أنا كل شيء كان ويكون وسيكون
لا أحد يستطيع أن يزيح قناعي .

ثم يزداد الصوت للسولو ليشير إلى الشعور بالوحدة والعزلة لدى الإنسان . وبذلك تبدأ طاقات جديدة بالتدفق والازدياد والتوهج لتصل إلى ذروة أخرى . ثم تظهر الفكرة الغنائية الريفية ونسمع طرقات القدر العنيفة مرة ثانية .

يحتوي القسم النهائي من الحركة الأولى تطويرا للافتتاحية حيث يصل إلى ذروة نهائية مشحونة بطاقة شيطانية ، وتعد الحركة الأولى بحق من المعجزات العظيمة في تاريخ الموسيقا . يقول بيرليوز :

“….لقد أظهرت الحركة الأولى أحزان بيتهوفن الخاصة جدا وحقده العظيم وتأملاته الموحشة وشعوره بالعزلة والانفراد و رؤيته الليلية و انفجاراته الحماسية ..”

لقد عبّر بيتهوفن عن كل هذه الأشياء في فكرة القدر التي تكررت مئات المرات بعاطفة حانية ونار حارقة غمرة كل شيء كان في طريقها .

الحركة الثانية Second Movement ,Andante Con Moto :
تناقض الحركة الثانية الحركة الأولى كليا من حيث الطاقة الغاضبة . إنه سلسلة من الاختلافات والتباينات بإيقاع ثابت وطويل حيث يشترك الفيولا والسيلو بحياكة سلسلة من الملاحظات حول فكرة القدر ثم تصل إلى ذروة الانتصار.

ثم يحدث توقف في تدفق الموسيقا أثناء التباين الثالث ، يتلوه توقف آخر ليشرح عظمة فكرة القدر ثم يضفي لمسات ناعمة على الآلات الوترية لتحدث تبدلا ناعما في الإيقاع لتصل بهدوء إلى الخاتمة المفعمة بالانتصار .

الحركة الثالثة Third movement , Allergo (Scherzo):
لقد مرت الحركتان السابقتان من دون استراحة أو انكسار كما كانت هي العادة في ذلك الوقت. تعود الحركة الثالثة إلى الفكرة الأساسية للسيمفونية وهي السخرية من القدر . لقد كان الافتتاح هادئا وغامضا ومسكونا بفكرة الذاكرة الخيالية حيث لا نجد بداية هذه الحركة تتسم بالهزل مطلقا . لقد كان باعث القدر هو المحرك للبداية وهنا تتجلى لنا فكرتان أساسيتان هما : القدر والسخرية من القدر .

يستمر بيتهوفن في تطوير عمله على أساس هاتين الفكرتين لمدة من الوقت وفي منتصف الحركة تصبح السمة الغالبة ميالة للسخرية حيث يبدأ السيلو والباص بالعزف بحيوية ليتم فيما بعد اعتراض هذه الفكرة بإيقاع حي وحماسي ، ويستمر هذا الإيقاع لمدة ثوان حيث تأتي آلات النفخ لتقلب ولحنان بالغ الفكرة إلى حالة غنائية بهيجة قبل أن تعود من جديد الافتتاحية الغامضة . ويطور بيتهوفن هذه الأجواء فيبدأ الكمان يعزف الفكرة الثانية ونحن كمستمعين نشعر أن الأوتار تتقطع أو تكاد ولا تتلوى وتشير معزوفة الكمان إلى أن شيئا ما سوف يحصل . تزداد قوة الموسيقا أكثر فأكثر وبأسلوب يعبر عن الانتصار حتى تصل إلى الخاتمة البطولية . ثم يزاد حجم الأوركسترا لتعطي موسيقا مؤثرة .

الحركة الرابعة Fourth Movement , Allergo :
نجد أن الحركة الرابعة تشبه الاستعراض العسكري الذي يمجد الانتصار والفوز وهنا نفهم لماذا نهض أحد جنود فرنسا على قدميه عندما سمع السيمفونية لأول مرة وصرخ قائلا ” ….هذا هو الإمبراطور…” ولكن نسأل أنفسنا هل هذا الانتصار عسكري بغض النظر عن المصطلحات العسكرية ؟ إن باعث القدر حاضر وسط هذا الصخب لكنه يتحول إلى إيقاع خاص راقص . يبقى الإيقاع ونرحل نحن . ربما كان انتصار بيتهوفن يصف انتصارا شخصيا بحتا .

ترتبط فكرة الانتصار بطاقة غير محدودة بل لا يمكن تقييدها وتنساب مصحوبة بالفرح الشديد لذلك نجد ازدياد السرعة الإيقاعية للحركات حتى نصل إلى نهاية أغنية بيتهوفن الإيمانية المنتصرة .

ماذا تعرف عن السيمفونية ؟
يستعمل لفظ السيمفونية هذه الأيام لتصف أي عمل موسيقي تقوم به الأوركسترا. وتستطيع الأوركسترا السيمفونية عزف العديد من الأعمال السيمفونية الأوركسترالية والسيمفونية . ولكن في الأيام والحقب الكلاسيكية كان معناها أكثر دقة من هذه الأيام . فقد صارت السيمفونية اسم يطلق على ما تقوم به الأوركسترا بعد أن كانت اسما يطلق على السوناتا التي أعطت السيمفونية بعدا أعمق .

لقد أثرت السوناتا بالموسيقا الرومانسية لدرجة أن العديد من المؤلفين الموسيقيين كتبوا قطعا موسيقية تحمل نفس الاسم . ولكن ليس من السهل تمييز السوناتا عن غيرها لأن العديد من القطع الموسيقية تحمل نفس الاسم . فالسوناتا التي تتألف من /5/ أدوات موسيقية تسمى كونتت والسوناتا التي تتألف من /8/ أدوات موسيقية تسمى أوكتيت والسيمفونية في جوهرها سوناتا تعزفها أوركسترا. ولكن إذا كتب العمل الموسيقي ليقوم به عازف السيلو مع الأوركسترا يسمى العمل عندئذ ” الكونشرتو” .

تطورت السوناتا خلال القرن الثامن عشر لتحمل معاني أكثر تطورا ووضوحا . وفي زمن بيتهوفن كانت السوناتا تتألف من /3/ أو /4/ حركات أو أقسام . وسمح استعمال الحركات للمؤلف الموسيقي بتضمين مؤلفه عددا من الأمزجة داخل قطعة واحدة . ومن خلال /3/ حركات موسيقية تم تطوير السوناتا ، الحركة الأولى تكون عموما طويلة وسريعة والحركة الثانية تكون بطيئة وغنائية أما الحركة الثالثة فتكون مثيرة ونشيطة .

في المرحلة الأولى كانت معظم السيمفونيات تتألف من ثلاث حركات وتم فيما بعد إضافة حركة رابعة أثناء حياة هايدن ( 1732-1801) وكان ترتيبها في العادة الثانية أو الثالثة ويكون موضوعها في العادة عبارة عن رقصة شائعة .

وتكون الحركة الأولى من السيمفونية طويلة ومثيرة وحيوية ، وتعد أساسية وشائعة تجذب الجمهور لمتابعة الجلوس والاستماع إلى بقية العمل. ولكنها تكون دائما أعرض من حيث المفهوم والمجال من جميع الحركات الأخرى ثم تأتي سلسلة من الأمزجة تتفاوت بين الدراما الشرسة والغناء الحزين داخل حركة واحدة .

تركيب السيمفونية :
تسمى الحركة الأولى الطويلة من السيمفونية بشكل عام السوناتا وتتألف السوناتا من ثلاثة أقسام رئيسية : العرض والتطوير والخاتمة . وفي العرض يقدم المؤلف شيئين أساسيين هما اللحن والفكرة ويسميان ” الموضوع ” .

في العادة ، يكون هناك تناقض بين الموضوعين من حيث المزاج فقد يكون الأول رشيقا وقويا في حين يكون الثاني أكثر لطفا. ويكون هناك في الغالب جسر بين هذين الموضوعين ثم يطور المؤلف أفكاره التي طرحها في العرض ويصوغها بشكل أو بأخر ومن المؤلفين من يضيف قطعة موسيقية تعريفية إلى الحركة بحيث تكون رشيقة يطلق عليها اسم ” الكودا ”

وتكون الحركة الثانية من السيمفونية بطيئة وغنائية حيث تحدث هذه الإيقاعات سحرا يكون ترتيبها وتركيبها بسيطا ويجب أن تكون كذلك لأن أي شيء معقد يكون طويلا ويشبه الأغنيات من حيث التركيب حيث تبدأ بلحن واحد ثم يتغير إلى لحن آخر ويعود إلى اللحن الأخير مرة ثانية .

لقد كانت حركات الرقص في الأساس زوجا من الرقصات تسمى مينويت وتريو . وقد سرّع بيتهوفن الحركة وسماها الشيرزو ثم سماها موسيقا موسيقا راقصة . هناك موسيقيون أخرون قبل بيتهوفن ألفوا الموسيقا الضاحكة لكن بيتهوفن كان أول من أدخل السخرية إلى السيمفونية وكانت هذه الحركات ناجحة جدا لدرجة أن جميع المؤلفين للحركات الأربعة ضمنّوا سيمفونياتهم موضوع ” السخرية والهزل” .

ونشاهد الحركة النهائية مشابهة للحركة الأولى لكنها تأتينا بهيئة سوناتا مختصرة مصغرة . لقد كان التقليد العام أيام بيتهوفن هو أن تنتهي السمفونية نهاية سعيدة وهذا قيّد السمفونية في مراحلها اللاحقة . لكن المؤلفين في المرحلة الكلاسيكية والرومانسية قدموا موسيقا متنوعة ومعبرة وبقالب جديد واحد. كانت السمفونيات

الأخرى لبيتهوفن مختلفة جدا عن سيمفونيات هايدن . أما السمفونيات التي ألفها برامز فإنها تشبه إلى حد بعيد كبير سيمفونيات موزارت ، ولكن بعض المؤلفين الأخرين ثابروا على النهج الكلاسيكي القديم في حين هجره أخرون . ونجد أن الشكل السيمفوني ليس ثابتا بل كان مرنا ومتغير خلال الفترات الكلاسيكية والرومانسية .

تعد السيمفونية الخامسة بحق حكاية الزمان والمكان للجنس البشري وتؤرخ لرحلة الانسان في صراعه مع القدر لإثبات وجوده في هذه الحياة .

إلى اللقاء مع الجزء الثالث….من رحلة بيتهوفن في الانتصار على المأساة ….

تأليف مجموعة من المفكرين
ترجمة محمد عبد الكريم يوسف
مراجعة سوسن علي عبود

لا تعليقات

اترك رد