العلمانية،المجرب لا يجرب !


 

لاكثر من 300 سنه ماضيه جٌرِبت العلمانية في اوربا تحديدا، تلك القارة التي كانت تتصارع عنفيا حول المذاهب، وسفكت الدماء

وحل الخراب في اماكن متعدده منها بسبب ذلك، الى ان استطاع المثقف الاوربي طرح الحل الا وهو العلمانية. ولهذا فهي مجربة واثبتت نجاحها، لذا يقتضي اعتمادها دون تردد.

يروي لنا التاريخ ان الديموقراطية تلقت ضربات في اوربا خلال الفترة بين الحربين العالميتين، الاولى والثانيه. فصعدت النازية الالمانية والفاشية الايطالية الى الحكم عبر صناديق الاقتراع، والتي تعتبر العلامة التجارية للنظام . وحدثت الحرب الاهلية الاسبانية والبرتغالية . الا ان الديموقراطية عادت و انتصرت واغلقت الفجوات التي مكنت العناصر اللا ديموقراطيه من الصعود .

بعد الحرب العالمية الثانية ظهرت ديموقراطيات اخرى ليست ليبراليه مثل الديموقراطية الشعبية و الاجتماعية في اسيا و افريقيا .

بعد ثورة الخميني في ايران وانتصار الثورة ” الاسلاميه” بشكل جديد لا يعرفة التاريخ ولا اصول الاسلام بشقيه السني و الشيعي و اعتماده على برلمان منتخب تحت وصاية ولي الفقيه المطلقة، شعر الاسلام السياسي بالثقة بالنفس وبالاخص في ثمانينيات القرن الماضي فتبنى الديموقراطية دون العلمانية و دون فردانية الديموقراطية الليبرالية ، اي دون حرية الفرد في المعتقد والاعراب عن الراي .

ديموقراطية بلا علمانية هي دكتاتورية الاكثرية
في مقالتي السابقة ذكرت بان، وحسب قناعتي، ان لا وجود للديموقراطية دون العلمانية. بعض المهتمين بهذا الجانب يشيرون الى ان تبادل السلطة المتمثل بالانتخابات البرلمانيه يمثل وجه او معلم من معالم الديموقراطية. ولكن هذا لا يمثل شكل من اشكال الصراع بين المجتمع المدني والسلطة، فهو لا يخرج عن كونه صراع متمحور في قمة السلطة يشبه الى حد بعيد الصراع بين اجنحة حزب واحد يهيمن على السلطة. فعلى سبيل المثال ليس الحصر التحالف الشيعي بمكوناته السياسيه الخمسه، في الجوهر لا خلاف بين زيد وعمر، فالخلاف بينهم لا يمثل خلاف بين اليسار واليمين او بين المحافظين وحزب العمال في الروئ السياسيه، ونفس الشيئ ينطبق على الكورد و احزاب المكون السني . فالتمثل السياسي هنا هو تمثيل عمودي يقسم المجتمع-الوطن- الى مكونات صغيره تحاول تلك التنظيمات جمعها في قبة البرلمان وضمن السلطة التنفيذية فقط .

وعبر هذا الصراع المتمركز في قمة البناء الفوقي، يصبح دور المجتمع المدني ثانويا جدا. لا بل وان التغير ياتي عبر قرارات وتشريعات منطلقة من السلطة التنفيذية بالاساس والتشريعية من الدرجة الثانية، مما يساهم في اضعاف دور المجتمع المدني وتحويله الى متلقي وليس صانع لمستقبله . ومن التجربة العراقية الماضية نجد ان غالبية الصراع “السياسي” ضمن البرلمان العراقي كان عباره عن صراع بين القوى السياسية المساهمة في البرلمان وضمن الصراع الطائفي و العنصري. فحتى الاستجوابات البرلمانية، احد اهم مهام البرلمان، تحولت الى صراع بين المكونات و صراع بين القوى السياسية . و كمثال اخر على ضعف و اضغاف دور المجتمع المدني تم اقرار قانون الخدمة الجامعيه دون الرجوع الى اصحاب المصلحة في ذلك فلا وجود لنقابة تضم الاكاديميين صاحبي المصلحة في

ذلك، يتم عبرها مناقشة القانون وعقد مؤتمرات حول ذلك ومن ثم يرفع الى لجنة التعليم في البرلمان . والذي تم هو مناقشات داخل قبة البرلمان للمرتبات وسنوات الخدمة مع اهمال واضح و صريح و متعمد لتضمين القانون مبدء الحرية الاكاديميه والذي يكفل للاكاديمي حريته الكاملة في الاعراب عن راية الاكاديمي دون رقابة او محاسبة من احد وتضمين ان لا سلطة فوق سلطة الفكر العلمي . والجانب الاخر من ضعف المجتمع المدني ان الاكاديميون انفسهم اكتفوا بمناقشة فقرات المرتبات والتقاعد دون الفقرات الاخرى التي تضمن حرية التعبير. فاذا كان الوسط الاكاديمي لا يمتلك الوعي باهميته ولا دوره في المجتمع ولا ينظر الى ان حريته الاكاديميه ليس منّه من احد بل ارتباط عضوي بدوره، فلك ان تتصور مدى ضعف المجتمع المدني العراقي.

في النظم الديموقراطية العريقة يتجلى دور البرلمان في كونه ممثل للمجتمع المدني المتصدي لعسف السلطة التنفيذيه ، فهو لا ينفذ مطاليب المجتمع المدني بل يفرض على السلطة التنفيذية ان تقوم بتنفيذ مطالب المجتمع المدني عبر صياغة ابواب الميزانية العامة اولا، و الاهم متابعة تنفيذ تلك الابواب . الا ان مانجده عندنا هو نقاش ل- ” هذا الي هذا الك “، اي التمترس في مناقشة مكونات وليس وطن، اي بناء بلد على اساس تشرذم عمودي، لا يجمعه الشعور التضامني ولا المصالح المشتركة ولا التاريخ، بل حزام غير مفهوم غير واضح المعالم يمنعه من السقوط يسمى الجنسية العراقية. والتي احد اركانها دين المواطن والذي من المفروض ان لا يشار له لعدم علاقته بالوطن، لان الوطن بناء دنيوي. فالاشارة هنا الى الدين تعتبر اشارة تميزيه في وطن يدعي فيه السياسي انه يبني وطنا ديموقرطيا.

ديموقراطية بلا علمانية مجَرّب فاشل
لا يمكن، قطعا، ان تعيش الديموقراطيه بعزلها عن العلمانيه. فالعلمانية تجعل من الدولة في حيادية عن الاديان، فالاوطان امور دنيويه اخترعها الانسان لاسباب سياسيه واجتماعيه و اقتصاديه ضمن مرحلة معينة من التطور البشري، وقد اثبتت التجربة البشرية ان تجربة العلمانية ضمن امور ادارة الدولة تجربة ناجحة و بالتالي من العبث لعب دور النعامة في هذا الامر لان ديموقراطيه دون علمانيه تشبه الى حد بعيد عبثية سيزيف . فحسب الاسطورة اليونانيه التي تشير الى ان سيزيف شخص خبيث جدا فعاقبته الالهة بان يدفع صخره الى قمة جبل، وما ان تصل الصخرة الى القمة تتدحرج الى الاسفل، فيكرر سيزيف دفعها الى الاعلى لتتدحرج الى الاسفل دائما .

محبطات الديموقراطية في الدول الاسلامية
منذ ثمانينيات القرن الماضي نشط الاسلام السياسي بعد انتصار ثورة الخميني و الجهاد الاسلامي في افغانستان، الذي دعمته بقوة المخابرات الامريكيه لكنها تدفع ثمن ذلك الان، فاقرت بالديموقراطية كنظام سياسي لكنها رفضت العلمانيه شكلا ومضمونا . وقدم الاسلام السياسي المتمثل بالاخوان المسلمين وحسب تصريحات الاب الروحي له ( القرضاوي ) خيارات ملزمه . والمقصود بالخيارت الملزمه عدم وجود خيارات حيث يقول القرضاوي ان ” الحل الاسلامي فريضه و ضروره ” و ” الحلول المستوردة وما جنته على امتنا ” حيث يطرح في الاول ” خيارا ” لا بديل له ثم يرفض في الثاني الاستفادة من التجارب البشرية ما دامت واردة من خارج ما يسميه الامة الاسلامية، وتحديدا هنا العلمانيه.

فالاسلام السياسي، بشقيه، يؤمن بان الديموقراطيه مجرد انتخابات برلمانيه تجري كل دورة انتخابيه فيلقي المواطن برايه في الصندوق الانتخابي مره كل دوره ثم يذهب ليقضي بقية الاربعة سنوات التاليه بلا صوت. اي تغيب اجباري للمجتمع المدني وحصر ذلك في البرلمان المنتخب بعد فلتره من قبل اولي الامر او ولاية الفقيه، وتغيب كامل لحرية الراي و المعتقد المستندة على العلمانيه .

و يرفع الاسلام السياسي شعار التبادل السلمي للسطة ولكن دون المساس بسلطة اولي الامر و ولاية الفقيه، فيصبح الامر مجرد تبديل وجوه ضمن برلمان خاضع للارادة السياسية للاحزاب . فيصبح المجتمع المدني مكمم الافواه وهو بالاساس ضعيف التطور والخبرة و التنظيم. ولهذا نجد ان غالبية مطالب المجتمع المدني في الدول المحكومة بالاسلام السياسي موجه ضد بنيان النظام نفسه وليس مطالب اقتصاديه او اجتماعيه كما في ايران وفي مصر، حيث تكون المطالب الاقتصادية للمجتمع المدني ملتصقة مع مطالب اصلاح جوهر النظام السياسي كما حدث بوضوح في التظاهرات الاخيرة في ايران حيث رفع المتظاهرون شعار الموت لروحاني الموت للدكتاتور . وفي العراق رفع شعار باسم الدين باكونا الحراميه كابرز تجلي لمطالب المجتمع المدني العراقي حديث الولادة .

( في القادم ستكون المقالة مهتمة بقدر المثقف ودوره في بلداننا )

لا تعليقات

اترك رد