صراع الهُوية والحداثة


 

يُشكّل مفهوم الهوية دائماً إشكالية خلافية غير قابلة للتجاوز بين ثابت أم متغير؟، أساسى أم ثانوى؟، عنصر تقدم أم انكفاء على الذات؟..
_ فالهوية هي الذاتية والخصوصية وهي القيم والمثل والمبادئ التي تشكل الأساس لبناء الشخصية الفردية أو المجتمعية،
وهوية الفرد هي عقيدته ولغته وثقافته وحضارته وتاريخه، وكذلك هوية المجتمع، فهي الروح المعنوية والجوهر الأصيل للكيان وللأمة.

_ ولهذا.. فإن مفهوم الهوية من المفاهيم التي أخذت حيزاً كبيراً من تفكير الباحثين وقد زاد هذا الاهتمام في السنوات الأخيرة بظهور عصر الحداثة، حيث غدت الهوية مستهدفاً رئيسياً وهي التي يُنظر إليها كأداة يتم التحصن بها في أوضاع التعليمات والاستهدافات، وقد تقود إلى الإنكفاء على الذات ورفض التعايش وعدم الإقرار بالإختلاف والتنوع، ومن ثم تكون الفرصة لمواجهة الآخر والدخول في صراعات للحفاظ على الهوية.

_ فالهوية جسر يعبر من خلاله الفرد إلى بيئته الاجتماعية والثقافية، فهي إحساس بالانتماء والتعلق، وعليه فالقدرة على إثبات الهوية مرتبطة بالوضعية التي تحتلها الجماعة في المنظومة الاجتماعية ونسق العلاقات فيها،
لذا.. فقد أجمع الباحثين والعلماء على أنه لا وجود لشعب دون هوية.،

_ وتتحدد الهوية الثقافية في مجموعة من المقومات الأساسية المتجسدة في :

أ- اللغة الوطنية واللهجات المحلية المرتبطة بوجود شعب ما وتطوره ومصيره على أساس أن تكون اللغة الوطنية معتمدة في التدريس على جميع المستويات، وفي التسيير الإداري، وفي القضاء، إضافة إلى التواصل بين شرائح المجتمع إلى جانب اللهجات المحلية.

ب- القيم الدينية والوطنية المتكونة عبر العصور والتي تكسب الشعب حامل الهوية حصانة تحول دون ذوبانه في شعوب أخرى، وتؤهله لمقاومة كل محاولات ابتلاع هويته مهما كان مصدرها.

ج- العادات والتقاليد والأعراف النابعة من تلك القيم والحاملة لها والعاكسة للمستوى الإقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي.
للشعب حامل الهوية.

د- التاريخ النضالي الذي ينسجه ذلك الشعب حامل الهوية من أجل المحافظة على هويته أرضاً وقيماً، وعادات وتقاليد وأعراف.

_ ولأن المجتمع العربى عرف العديد من التوترات بين ثنائيات عديدة مثل:
(التقليد والتجديد، المحافظة والتحديث، الجمود والتحرر، الرجعية والتقدمية، الأنا والآخر، المحلي والعالمي، القديم والجديد، ، ومنها الأصالة والحداثة).
_ فإننا سنتناول تحليل الهوية العربية بين قيم الأصالة والحداثة في ظل التغيرات الثقافية للمجتمع العربى بطرحنا للتساؤلات التالية:
_ هل ما جاءت به الحداثة من قيم ثقافية تتلاءم وطبيعة الهوية العربية؟
_ وهل التمسك بالقيم الأصيلة يعتبر ابتعاداً ورفض للحداثة؟

_ هذا وتعد الهوية في نظر بعض الباحثين والمفكرين من جهة أخرى عائقاً ينبغي إزالته للإنضمام إلى مسيرة الحداثة، أما بعضهم الآخر يرى أنها الحصن الدفاعي الذي يحمي الثقافة القومية من وحشية القيم الحديثة التي تعتبر دخيلة على القيم الأصيلة للمجتمع، وبين هذا وذاك يوجد من دعا لهوية منفتحة ومتجددة، توازن بين الأصيل من القيم والمعاصر منها حسب الضرورة والاحتياج.

_ ولكن اليوم نرى ضرورة العودة القوية لثوابت الهوية الثقافية في دول العالم العربي، نتيجة لإخفاق الأيديولوجيات التمدنية الغربية، في بناء هوية منزوعة الصلة بالعمق الثقافي والتاريخي لهذه المجتمعات، وفشل قيم الحداثة وشعاراتها البراقة في إحداث التنمية والرفاهية المأمولة.

_ ومن الحقائق الأساسية التي تجابه الإنسان في عصرنا أيضاً أن النموذج الحضاري الغربي أصبح يشغل مكاناً مركزياً في وجدان معظم المفكرين والشعوب، وليس من المستغرب أن يحقق نموذج حضاري له مقدرات تعبوية وتنظيمية مرتفعة انتصارات باهرة على المستويين المعنوي والمادي،

_ لذلك.. فإن كل ماسبق يعكس أن الحداثة هي في جوهرها خصوصية غربية بما حملته حضارة وإنسان يعيشان حالة من الأزمة بسبب التطور العلمي والفكري الذي إستمر طيلة ثلاثة قرون من الزمن وهو في الحقيقة ما جعل السمة الأساسية للحداثة أنها ميزت المجتمع الغربي الحديث ،وما يطلق عليها بالتجاوز المستمر ويمكن لنا القول أن الحداثة الغربية احتوت القيم التالية.
١_ التمرد على القوانين وطرق التعبير والتقاليد الفنية المألوفة.

٢_ تحرير الفرد من سلطة المؤسسات بكل أنواعها، ومن ضمنها مؤسسة الأسرة التي تعد في نظرها صورة من صور القهر، مع ما يعنيه ذلك من إخراج العلاقة بين الجنسين من دائرة الأسرة واعتماد مقاربة النوع التي لا تؤمن بالفروق الجوهرية بين الجنسين وتدعو إلى حق الشذوذ الذي يصل إلى المطالبة بحق الزواج المثلي (والذي صادقت عليه مجموعة من الدول الأوروبية انسجاماً مع هذا المفهوم الجديد للحرية)

٣_ إلغاء المعنى المسبق في النصوص، بما فيها النصوص الدينية وربط الدلالة بالمتلقي –إنطلاقاً من مقولة موت المؤلف- والقول بالدلالات غير النهائية للنص، وتكريس مذهب الشك في كل الحقائق والمفاهيم.

٤_ إعتبار الدين تجربة بشرية قابلة للتجاوز ضمن ما تتجاوزه الحداثة، وإلغاء سلطته من خلال علمنة المجتمع، وإلغاء سلطة الأخلاق في مجال الإبداع.

٥_ تمجيد التجارب المتأخرة زمنياً والمبالِغة في التمرد داخل كل مذهب.

٦_ تمجيد العقلانية والتفكير العقلاني، ووضعه في مقابل التفكير الديني، واعتبار هذا الأخير عائقاً أمام الحداثة لاعتماده على المعرفة الوثوقية واليقينية، وإحلال العقل ومنجزاته العلمية محل الله في مركزية المجتمع.

٧_ تمجيد الجسد والإرتفاع به إلى مستوى التقديس.

٨_ التعبير عن مفاهيم تعكس وضعية التشرذم والأزمة التي يعيشها الإنسان الغربي كمفاهيم الغربة واليأس والضياع.

_ذلك هو مفهوم الحداثة الغربية، وتلك هي أهم خصائصها التي تعكس وضعية حضارية متأزمة يعيشها الإنسان الغربي على مستوى القيم، وهي خصائص تم بناؤها عبر ثلاثة قرون من التطور الحضاري الذي شمل كل مجالات الحياة وتميز بالإجهاز على المكتسبات الروحية للمجتمعات الغربية.

_ وبسبب خاصية التجاوز التي تميز الحداثة، فقد بدأت في الغرب منذ النصف الثاني من القرن العشرين مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد الحداثة التي تأتي في سياق تجاوز الحداثة لنفسها ويتميز فكر هذه المرحلة بالتشكيك في قيم الحضارة، والسعي المستمر للتحرر منها والتحرر من كل سلطة فى المجتمع.

_ وهكذا.. فإن التغيرات السريعة والمتلاحقة في هذا العالم هي التي أوجدت وضعاً إستثنائياً يهدد هويتنا الثقافية في بنائها وفي وجودها وحتى بقائها، فلم يعد الذهول والاستغراب والخوف مما يجري أسلوب تعاطينا مع هذه المتغيرات، بل وحتى التفكير والمراجعة وابتكار آليات فاعلة هي الإجراءات التي تهيئ لنا استمرار وجودنا، والحفاظ على هويتنا الثقافية.

_ فمواجهة الحداثة وما تحمله من قيم بعيدة عن هويتنا ولا تعمل على تأصيلها لا يكون بالأساس عن طريق تأكيد الهوية وترسيخها والتشبث بها، فهذا الأمر قد يكون له آثار جانبية أشد خطرا.

والحفاظ على الهوية أيضاً لا يتأتى عن طريق الإنغلاق وقفل الأبواب لأن هذا دليل على ضعفها.

_ ففي الحقيقة أن ما نحتاجه اليوم للوصول إلى مصاف الدول المتطورة يتأتى بالحفاظ على هويتنا العربية ليس فقط بنقدنا للحداثة بمنظور واقع مجتمعنا، وإنما يكون أيضاً وأساساً بنقد ما قبل الحداثة التي نريد الوصول بمجتمعنا إليها وكل قيمه التي نسميها أصيلة فيه وتحدد هويتنا، وفهم ما هي قيمنا الأصيلة الموجودة في مجتمعنا؟
ذلك لأن بداية التفكير في نقد أو قبول أو عدم قبول قيم الحداثة لا يكون في الأصل إلا بعد فهم ذواتنا من الداخل ومعرفة قيمنا وماذا نريد منها ومن خلالها وهل نستطيع بها تحقيق ما نطمح إليه، أي نقد ما نسميه قيماً أصيلة ونرفض منها ما لا يقبله العقل البشري الطامح للتطور وفق منظومة قيم ديننا الإسلامي .

_ فالحداثة بكل ما جاءت به من قيم قد نوافق على بعضها ونرفض بعضها الآخر ولا يمكن الحديث عن الابتعاد عنها وتحاشيها وإنما لابد لنا بعد فهم ذواتنا وقيمنا أن نعمل على تصفية قيم الحداثة لنأخذ منها ما يزيد في تطورنا ويخرجنا من دائرة التخلف. وبالتالي معرفة هل نحن فعلا بحاجة إلى ما يسمى الحداثة الغربية بكل ما جاءت به من قيم؟.

_ فإذا ما عدنا إلى الحداثة في مفهومها التقني وفي تطورها التكنولوجي فنحن لا يمكن لنا أن نغلق الأبواب على أنفسنا ونبتعد عن كل ما أفرزته هذه الحداثة من تطور وتقدم للبشرية، _ أما أن نتبع الحداثة فيما تنادي به من قيم تحرر تدعوا إلى الإباحية وتتبنى كل ما جاءت به في أنظمتها السياسية والاقتصادية وحتى التربوية دون أن تراعي في ذلك قيمنا الأصيلة بعد تصفيتها والتفكير ملياً في هويتنا الثقافية وأصلها وقيمنا بعد مراجعتها وحذف الدخيل عنها ليكون لنا الوعي الكافي للتعامل مع قيم الحداثة الغربية تماشيا مع قوله صلى الله عليه وسلم: (( الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها)) وبالتالي علينا أن نفهم أن الحداثة من خلال كل ما تقدمه هي في النهاية منهج فكري له ميزاته الخاصة التي تميزه، ومنهج هذا الفكر يسعى لتغيير واقع الحياة الذى يتفق مع ما يطرحه الفكر المحدث من مفاهيم وأساليب للحياة ومن نظريات خاصة لصياغة الحياة الاجتماعية للإنسان وفق معطيات ذلك الفكر.،

_ وهكذا.. فقد نختلف على أهمية وجود “الحداثة” فى حياة الشعوب، ولكننا حتماً سنتفق على أنه.. لا وجود لشعب دون “هوية” وبالتالي فالتعرف على ما جاءت به الحداثة أمر ضروري ولابد منه والأخذ بقيمها أو تركها يبقى اختياري لدينا كمجتمع عربي بعد أن نضع أنفسنا في مكان يحق لنا فيه الإختيار وتكون لنا القدرة الواعية لتطبيق ذلك وفقاً لما تقتضيه هويتنا الثقافية وقيمنا المجتمعية، ومنها نؤسس لحداثة وفقاً لمفاهيمنا وتشريعنا دون أن نهمل الحداثة الغربية في إطار الإستفادة من تجربتها إقتداءاً وقياساً على ما فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، فلم يبدأ من الصفر في بناء أمته وإنما حافظ على الأخلاق الكريمة الموجودة في عصر الجاهلية ونفى السيئ منها وبنا على الصالح منها فهو القائل عليه الصلاة والسلام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)، كل ذلك للوصول في النهاية لنهضة عربية ليس فقط لمجتمعنا وإنما لأمتنا وللبشرية كافة.

لا تعليقات

اترك رد