كيف نفهم العقل الأمريكي … ونخاطبه ؟؟


 

منذ أن أعلنت أمريكا حربها على ما يسمى ب ” الإرهاب ” بعد أحداث ١١ سبتمبر ٢٠٠١ متحججة و متعذرة و ملتحفة بعدد من الأغطية، و بمرور الزمن عرفنا جميعا من هو المستهدف بهذه الحرب الملعونة, فقد كان واضحا أن حربها فعلا هي على العرب والمسلمين ، و بعد أن دخلت إسرائيل مبكرا هذه اللعبة، إن لم تكن هي من خططت و دبرت، لتكون أحد الأذرع التي تستعين بها أمريكا للضرب, بدلا من أن تكون هي المعنية اكثر بالضرب باعتبارها اكبر دولة إرهابية ( ربما بعد أميركا ) ، و لاحقا بروز نجم إيران كقوة مسيطرة مستبدة معتدية متمددة و متمادية و ضاغطة و مستفيدة كثيرا في نفس هذه المنطقة خلال نفس هذه الفترة تقريبا ..

و بعد أن اختلط الحابل بالنابل, و اختلطت و تغيرت المفاهيم, لتكون إسرائيل هي ( الضحية ), و الفلسطينيون و العرب و المسلمون هم ( المعتدين الإرهابيين ), و لتكون كل جمعية أو منظمة خيرية إسلامية مرشحة لصفة أو لقب ” الإرهاب ” , و ليكون العراق و السودان و ليبيا و سوريا و تركيا و غيرهم مرشحين لنيل هذا اللقب العجيب, و ان يكون كل مسلم أو عربي مرشح لهذا اللقب المرن المطاط ..

و بعد أن اصبح أمرا واقعا إن أميركا هي التي تحكم العالم الآن و تتحكم بشؤون معظم دوله بشكل أو بآخر, و ان الدول الأخرى التي تحاول أن تحافظ على شئ من استقلاليتها و أن تنأى عن شرور أميركا, تواجه الكثير من الضغوط السياسية و العسكرية و الاقتصادية لجرها إلى ( طريق الطاعة و الإذعان و الولاء ) ..

إذن إنها معادلة صعبة, ربما لم يكن يتوقعها الكثيرون, و ربما لم يسبق أن مرت حقبة زمنية تتولى زمام الأمور في العالم دولة واحدة فقط ، و الأكثر صعوبة هو أن تتحكم بهذه الدولة قيادة طائشة رعناء, و ياله من طيش و رعونة، لا تحترم الاتفاقيات و العقود, و لا تقيم وزنا لاستقلالية و حيادية الآخرين, و لا ترى الأمور إلا بلونين اثنين فقط, ابيض أو اسود ، أما صديق, و من ثم عليك أن ترضى بكل ما يُطلب منك ( أو تؤمر به ), أو عدو, و عليك هنا أن تتحمل كل نتائج و تبعات الاستهتار و الرعونة و الطيش الأمريكي مهما كان ، و هذا فعلا ما نعيشه اليوم و يتمثل بوضوح في تصرفات المجنون ترامب و إدارته الخرقاء و تعاملها مع العديد من الملفات و القضايا حول العالم، و قبله كان بوش الأب و الأبن و غيرهم ..

إن معظم العرب والمسلمين يقفون الآن في موقف ( لا يُحسد عليه ) كالوقوف في قفص الاتهام, و هم لا يعرفون بالضبط نوع و حجم و كنه التهم و الجرائم التي تنسب إليهم, و هم ربما حتى لا يفهمون بعض جوانب اللغة والمفاهيم والمصطلحات والأساليب الجديدة التي تطرحها إدارة ( الإمبراطورية الأمريكية ) للتعامل مع الآخرين ..

فللأسف, اعتاد بعض العرب على التعامل ببساطة و ثقة عمياء مع أميركا ( و كما نذكر في القضية الفلسطينية والسلام مع إسرائيل, أشار الكثيرين من العرب في حينها إلى أن كل أوراق اللعبة الآن في يد الأمريكان ) ، و قد بنى العرب علاقاتهم و تعاملاتهم خلال السنوات الطويلة الماضية, على بعض الثوابت و العوامل التي ربما اعتقدوا خطأ إنها لن تتغير ، و من ضمن هذه المبادئ و العوامل, هي عامل النفط, وعامل الصداقة أو العلاقة التاريخية و المصلحية, أو العلاقة الخاصة بين بعض القيادات و أميركا ، لكن ربما ما فات الكثير من العرب, أن العالم يتغير, و مفاهيم السياسة تتبدل ، و ما فاتهم أيضا تعاظم الدور اليهودي و الصهيوني في أميركا و تأثيره الكبير و سيطرته شبه الكاملة على عملية اتخاذ القرار الأمريكية ..

و ما يحزننا و يؤلمنا اليوم أن نرى العديد من كبريات الدول الخليجية و العربية المسلمة رمت من جديد كل أوراقها و أموالها و مصيرها، ماضيها و حاضرها و مستقبلها، بيد ترامب و إسرائيل، دون أن تحصل برأيي على ضمانات كافية و كاملة، و دون أن تتمكن من أن تستغل دورها و إستثمارها هذا، إن كان فعلا يمكن إعتباره إستثمارا حقيقيا صحيحا، و دون أن تتمكن من نصرة قضايا العرب و المسلمين ..

لقد بنى العرب معظم سياساتهم, على أن أميركا هي صديق ثابت, ما دامت هناك علاقات صداقة خاصة, و مادام هناك نفط, و ما دامت المصالح الأمريكية تُراعى في المنطقة, و مادامت مليارات الدولارات العربية ترقد بسلام في البنوك و المؤسسات الأمريكية ( بل وتشغَل و تستثمر على الأغلب لمصلحة اليهود و الصهاينة و ضد مصالحنا على مستوى الأفراد و الدول ) ..

ما فات العرب, عدم تمكنهم من قراءة التطورات الحاصلة في السياسة الدولية, و في السياسة الداخلية الأمريكية, و اعتقدوا أن الثوابت تلك باقية إلى الأزل ،
لم يتوقع العرب أبدا, أن يهددوا يوما بسحب أو حجز أموالهم, أو باحتلال و تقسيم الأراضي, أو بعزل و تغيير الرؤساء و الملوك ..

في الواقع, هم ربما لم يفقهوا طيلة الفترة السابقة, أن لأمريكا في هذه المنطقة من العالم حليف و صديق حقيقي و استراتيجي واحد فقط, هو ( إسرائيل ), و ان إسرائيل قد تمكنت من خلال سيطرتها على مفاتيح المال و الاقتصاد و الإعلام الأمريكي, من خلال اللوبي اليهودي الصهيوني الأمريكي القوي, إنما قد تمكنت من أن تجعل نفسها و كأنها فعلا ( جزءا ) من الولايات المتحدة الأمريكية, و ان تتمتع بنفس الحماية و المزايا و السلطات التي تتمتع بها أية ولاية أمريكية ، بل وصل الأمر أحيانا, أن الرؤوس الصهيونية و اليهودية في الإدارة الأمريكية أصبحت هي التي تُملي السياسات و القرارات و تضع الأولويات لاتجاهات و توجهات الحكومة الأمريكية ، و تعالت وتيرة التنسيق و التناغم بين الطرفين بحيث انك تشعر أحيانا أن الناطق الحكومي الأمريكي و كأنه ناطقا أو مسؤولا في الحكومة الإسرائيلية, و العكس صحيح كذلك ، و كأن الطرفين يتحدثون بلغة واحدة, و بمفردات واحدة متشابهة, و يستخدمون قاموسا واحدا لترجمة أفعالهم و أقوالهم و توجهاتهم ..

إذن و نحن أمام مثل هذا الموقف, أو هذه الهجمة, هل علينا أن نقف واجمين صاغرين نتلقى الضربات بهدوء, و نسير بالاتجاه الذي نُدفع إليه دون اعتراض أو مناقشة .. ؟؟

العرب مدعوون الآن و فورا, إلى إعادة النظر بكافة مواقفهم و سياساتهم و أولوياتهم, و الى مراجعة كافة العهود و العقود و الاتفاقيات مع أميركا, السرية منها و المعلنة، فمن الواضح, انه لن يقف أمام أميركا و من خلفها إسرائيل, أية اتفاقيات أو معاهدة أو التزام لتحقيق ما تصبوا إليه, فالأولى التحسب و الحيطة, و دراسة الموقف بتمعن ..

لا بد علينا, كمثقفين, كسياسيين, كدارسين, كقياديين, أي كانت المناصب و المواقع, أن نعمل على وضع إستراتيجيات جديدة للعمل الموحد و المنسق ما بين كافة الأطراف العربية للتحرك في مواجهة هذه الصدمة و الهجمة, و التي نتوقع لها أن تتطور و تتمادى يوما بعد آخر ..

و لا بد قبل كل شئ أن نفهم كيف يعمل و يفكر الأمريكان ، فعبارة ( اعرف عدوك ), هي لا زالت عبارة صحيحة و وصفة مفيدة, لكن بشرط أن نتعرف فعلا على مواصفات أعدائنا, و أن نستفيد من هذه المعرفة فعلا في كيفية التعامل معهم, بل و ربما مواجهتهم و مقاومتهم إذا تطلب الأمر ذلك ..

بشكل مبسط, يمكن أن نورد عددا من الأفكار و الاستقراءات لما نعتقد انه الأسلوب الذي يفكر به أو يعمل عليه الأمريكان, أو خلفياتهم العامة, اجتماعيا أو سياسيا, أو أخلاقيا, والتي ربما أسست القاعدة لكل أو معظم ما يقومون به الآن :

* إن أميركا بلد بلا حضارة تاريخية عريقة, و هذا على الأغلب يشكل عقدة نقص لدى الأمريكان ، فبالرغم من كل الإنجازات الحضارية الحديثة, العلمية, المالية و التجارية و الاقتصادية, التكنولوجية, و العسكرية, و بالرغم من الإمكانيات الضخمة المتاحة لديهم, و الموارد الطبيعية و المالية التي يتمتعون بها, إلا انهم يشعرون بأنهم لو رجعوا إلى حوالي 300 سنة إلى الوراء لوجدوا أنفسهم منقطعين عن أية حضارة أو تاريخ سابق, و بالتالي فأن لديهم الرغبة و العزم لان يصنعوا حاضرا و مستقبلا مميزا يغنيهم عن التاريخ السابق المفقود ، لذلك نراهم يروجون للمفهوم أو الأسلوب الأمريكي أو الثقافة الأمريكية, و للديمقراطية الأمريكية, بشكل و كأنهم يبشرون بدين جديد ، و هم يعتقدون على الأغلب بأن فرض هذا الأسلوب في الحياة و العمل على الآخرين سيجعلهم على قدم المساواة معهم, وسيزيل من عقدة البعد التاريخي الحضاري التي يعانون منها ..

* مع تواجد الحرية و الأديان و المعتقدات, لكننا نرى أن معظم الحضارة الأمريكية الحديثة قد بنيت على أسس مادية, و على أساس فكرة الرأسمالية و الحرية الشخصية المطلقة, و هي في واقعها ربما تتعارض مع الكثير من المبادئ و القيم و المفاهيم و الأعراف السائدة التي تقوم عليها الكثير من الحضارات و التقاليد في المجتمعات, خاصة تلك المحافظة و الشرقية و الإسلامية منها ..

* لمن يتعجب وينبهر بالثقافة و الحضارة الأمريكية, عليه أن يبحثها و يحيط بها من مختلف جوانبها, فهي ليست فقط السيارات الفارهة و الأبراج العالية و الشوارع الواسعة و الشركات الضخمة العملاقة, و الدولارات الخضراء التي يسيل لمنظرها اللعاب, و العلوم و الجامعات المتقدمة ، فهناك أيضا الفساد الأخلاقي, التفسخ العائلي, الشذوذ الجنسي, الإدمان على الكحول و المخدرات, و انهيار قيم العائلة و الروابط الزوجية .. الخ ..

* و هذه البضاعة ( الثقافة والحضارة الأمريكية ), لاتباع غالبا بالتجزئة, بل تباع عبوة واحدة ( ONE PACKAGE ) ، فمن يرغب بجميلها, عليه أن يأخذ و يتحمل قبيحها ، لذلك تظهر الآن أصوات عديدة في أنحاء أخرى من العالم, تنادي بأن لكل دولة و لكل مجتمع و لكل حضارة أسلوب و طريقة خاصة بالعمل والحياة, و إنها جميعا يجب أن تُحترم ، و إذا كانت الحرية أو الاستقلالية أو الانفتاح أو الديمقراطية هي المشكلة, فأنها يمكن أن تنشأ في دول و مجتمعات دون القبول بخسائر كبيرة في الجانب الديني و الأخلاقي و الاجتماعي, كما هو الحال في النموذج الأمريكي ..

* إن العزلة الجغرافية النسبية لأمريكا, شكلت نوعا من الحاجز الذي يبعد الأمريكي و يعزله عن معظم شؤون العالم الخارجي ، فنرى أن معظم اهتمامات و ثقافات و اطلاعات الأمريكيين, عامة الأمريكيين, لا تتعدى حدود الولايات المتحدة الأمريكية, إن لم تكن حدود الولاية التي يقطنها أو البلدة التي يسكن فيها داخل الولاية ..

* هذا العامل سهل بدوره عاملا اخرا, و هو إمكانية السيطرة الداخلية, إعلاميا وسياسيا و عقائديا على أفكار و عقول الأمريكان, خاصة العامة منهم و البسطاء, من قبل أساطين رجالات و شركات السياسة و الاقتصاد و المال و الإعلام ، و ربما من يتابع القنوات الأمريكية الإخبارية و غير الإخبارية, يلاحظ مدى إمكانية ترويج و تسويق أفكار معينة, و مدى سيطرة الإعلام على المجتمع, و مدى سيطرة الإدارة والسياسيين على الإعلام ..

* فعند الحديث عن أحداث 11 سبتمبر و أفغانستان و ما يسمونه بالإرهاب مثلا, نلاحظ أن كل القنوات الإخبارية تتوجه نحو هذا الموضوع و تتناوله من أطراف و اتجاهات شتى ، أضف إلى ذلك إنتاج هوليود أفلاما ترفيهية لكن موجهة بنفس الاتجاه ، نفس الشيء نراه عند الحديث مثلا عن ليبيا, العراق, سوريا، الاتحاد السوفيتي سابقا, و هكذا ، فالإعلام أداة طيِعة و رئيسية في السيطرة على العقل الأمريكي, و أداة طيعة بيد الساسة الأمريكان ، و قد احسن اليهود و الصهاينة في أميركا لعبتهم بالسيطرة شبه المطلقة على معظم القنوات الإعلامية, المرئية منها و المسموعة أو المقروءة, ناهيك عن القنوات الإعلامية في بلاد العالم الأخرى ..

* إن العقل و المزاج الأمريكي, من خلال تاريخه و تطوره, يُعجب و يتأثر بالسينما و الإعلام و الإعلان و الاحتفالية و البهرجة, لذلك نرى انه حتى الأمور الجدية أو المأساوية يمكن أن يتم إخراجها بشكل مسرحي و سينمائي مشوق, وهذا ينبع من عمق تأثير و سيطرة التلفزيون و السينما و الإعلان و الإعلام بشكل عام على حياة الأمريكان ، و يعلم الكثيرين أن الساسة والعسكريين الأمريكيين يستعينون منذ فترة بالمخرجين و السيناريست من هوليود لأجل وضع اللمسات النهائية لخططهم و برامجهم بالشكل التي تكون اكثر بهرجة و اكثر تأثيرا في المتلقي من الأمريكان و غيرهم ، و من يتابع القنوات الإعلامية الأمريكية, فانه و لغرض الاحتفال بالذكرى السنوية لأحداث 11 سبتمبر قبل عدة سنوات مثلا, فقد أعدت إحدى القنوات الإخبارية الرئيسية الأمريكية برنامجا احتفاليا وثائقيا يقدمه واحد من اكثر النجوم السينمائيين الأمريكان شهرة, وذلك ليضع هذا النجم بصماته و تأثيره على البرنامج، كذلك الحال مع حرب الخليج و إحتلال العراق و ضرب سوريا أو اليمن و محاربة طالبان و بن لادن و القاعدة و غيرهم ..

* يعجب الأمريكان و يحبوا فكرة البطل الخارق، سوبر مان، التي زرعتها و رعتها الآلة العسكرية و الإعلامية الأمريكية, من خلال الأفلام السينمائية, و التي تظهر دائما الأمريكي منتصرا على غيره من الأعداء بيسر و سهولة, سواء كان الأعداء من الروس أو الأفغان أو العراقيين أو غيرهم من

الأعداء الكثر الذين توجدهم و تخلقهم و تنميهم الآلة العسكرية و الإعلامية الأمريكية ( اخذين بنظر الاعتبار إن جزءا من هذه التغطية الإعلامية و الإعلانية جاءت كرد فعل للاخفاقات العسكرية الكبيرة في فيتنام والصومال و أفغانستان و العراق و غيرها، والتي أدت إلى سلسلة من الاحباطات لدى الشعب الأمريكي و قياداته ) ، و الأمريكي العادي يعتقد كثيرا في ذلك, و يعول دائما على قوة الرد والفعل الأمريكي, و انه ليس هناك ما يمكن أن يقف أمامها ..

* إن السياسة و الاقتصاد, و الشارع و العقل الأمريكي لا يستطيع أن يعيش بدون وجود أعداء حقيقيين أو وهميين ، فنتيجة للتفاعل و تعقد العلاقة ما بين السياسة و الاقتصاد في النظام الأمريكي, و نتيجة للسيطرة الواضحة للشركات الكبرى الأمريكية على متخذ القرار الأمريكي, و نتيجة للسيطرة الكبيرة لشركات صناعة السلاح بشكل خاص, فأننا نرى بوضوح كيف تحاول الإدارات الأمريكية المختلفة المتتابعة إيجاد الحجة لخلق العدو و لو كان وهميا, لكي توجد المبرر لرصد المليارات من الدولارات لصالح شركات صنع السلاح و التكنولوجيا, ولصالح أجهزة وزارة الدفاع و المخابرات الأمريكية ، و أقرب مثال لذلك هو ما تفعله إدارة المجنون ترامب مع روسيا و الصين و كوريا و سوريا و إيران و حتى مع بعض أقرب الحلفاء في أوربا أحيانا ..

* و لو راجعنا التاريخ و لفترة طويلة لرأينا مدى صحة ذلك, فالكل كان يعتقد مثلا أن العالم سيعيش في فترة من الوئام و الاستقرار بعد سقوط الاتحاد السوفيتي, لكن ما حصل, أن أميركا سرعان ما أوجدت لها الأعداء في أماكن عدة, فتارة في البلقان, و أخرى في أفغانستان, و في العراق, و إيران, و كوريا, و السودان, و ليبيا ، و تطول القائمة, لنصل إلى ما هو الوضع عليه الآن, حيث وضعت عنوانا كبيرا ومرنا إلى حد كبير هو ” الحرب على الإرهاب “, و تحت هذا العنوان تستطيع لو أرادت أن تضع أي شخص أو منظمة أو دولة تحت طائلة و إتهامات الإرهاب، المهم أن ميزانيتها العسكرية تتضخم, و الشركات العملاقة تنتج الأسلحة دون توقف, و تكنولوجيا صناعة الأسلحة تتقدم و تتطور من خلال التجارب الواقعية لتلك الأسلحة في البوسنة, و أفغانستان و العراق و اليمن و سوريا, وغيرها ..

* ما يقال عن السياسة بأنها, مهنة قذرة, و ما ورد في كتاب ” الأمير ” لميكافيلي, بأن ” الغاية تبرر الوسيلة ” , كلها حقائق فعلية لا يمكن تجاوزها في مجال السياسة ، لكن الأمريكان هم اكثر من أجاد في استخدام و اتباع و الترويج لهذه المفاهيم السلبية غير الأخلاقية في السياسة, للدرجة التي لم يعد لديهم أي احترام لا للمواثيق و لا للمعاهدات التي وقعُوها, و لا للأمم المتحدة, و لا إلى الأحلاف التي يعقدوها ، فمصلحتهم تقع بالدرجة الأولى, و بعدها فليكن الطوفان ، و من اجل تحقيق هذه المصالح و المطامع, والتي هي في تعديل و تطور مستمر, فلا مانع لديهم من الغزو و شن الحروب و تبديل الزعماء و الحكومات, و إجبار الآخرين من الأصدقاء على اتباعهم في هذا الطريق ..

* و ربما ما نلاحظه, خاصة خلال حقبة بوش الأب و الابن مثلا و ما بعدها , من إخلال أو انقلابات في السياسة و الاتفاقيات لأكبر دليل لما قلناه ، فالحكومة الأمريكية اختلفت مثلا مع روسيا بشأن اتفاقيات موقعة بشأن الأسلحة الستراتيجية, و اختلفت مع معظم دول العالم بشأن اتفاقيات البيئة, و اختلفت مع ” الأصدقاء ” الأوربيين وغيرهم بشأن اتفاقيات التجارة و تجارة الحديد والصلب و تجارة الموز, وعملها مثلا قبل عدة سنوات على تخريب إنجاز حضاري مهم للأمم المتحدة و هو ” محكمة العدل الدولية “, حيث و نظرا لمعرفة الحكومة الأمريكية بسجلها الإجرامي الطويل منذ عشرات السنوات, من حروب و اغتيالات و تجسس و جرائم أخرى, فأنها باتت تخشى أن تكون نهاية العديد من المسؤولين والعسكريين الأمريكان الحاليين و الاسبقين, بأن يحاكموا أمام هذه المحكمة بتهم القتل والإرهاب، و أعتقد أن الأمريكان أوقفوا مساعداتهم للأنروا مؤخرا بإعتبارها تقدم مساعدات للفلسطينيين ..

* و لعل واحدا من أوضح الأمثلة عن انقلاب الأمريكان على العهود و الاتفاقيات الموقعة, انقلابهم قبل سنوات عديدة و بشكل تدريجي و سحبهم للدعم و التغطية التي كانت متوافرة لاتفاق الفلسطينيين مع إسرائيل, و التي حصل من خلالها كل من رابين و عرفات على جوائز نوبل للسلام, فما بين ليلة وضحاها, صحا الفلسطينيون ليجدوا أن ما بذلوا الأشهر أو السنين لبنائه و الحصول عليه, رغم ضالته, اصبح أثرا بعد عين ، و جاء اليوم ترامب ليكمل هذه المسيرة بإعترافه بالقدس عاصمة أبدية لأسرائيل .. ؟؟

* إن الثورة العلمية و الاقتصادية و المالية و التكنولوجية و العسكرية التي تحققت في أميركا خلال العقود الأخيرة, و ما حققته من بعض الانتصارات العسكرية و السياسية على الصعيد العالمي, و انهيار المعسكر الاشتراكي, جعل الأمريكان يعتقدون فعلا انهم أصحاب مذهب جديد, و انهم على حق و جميع الآخرين على باطل ، و هذه النجاحات جعلت مستوى الثقة لدى الأمريكي العادي و السياسي الأمريكي معا ترتفع إلى درجة الثقة العمياء بالنفس و التعالي على الآخرين, و الاعتقاد الجازم بأن لا شئ يقف امام تحقيق ما يريدونه, و ان كل ما يحتاجونه هو فقط المبررات و التغطية, و بعدها يفعلون ما يشاؤون ..

* و هنا نقف قليلا عند المبررات, حيث نلاحظ حرص الساسة الأمريكان على اختلاق المبررات, حتى غير المقنعة غالبا, و فرضها لإقناع الآخرين, ليبرروا عملياتهم و حروبهم الإجرامية، و ربما يأتي هذا من باب الاستخفاف بعقول الآخرين, أو ربما الرغبة في إقناع الأصدقاء بأن ما يفعلونه له ما يبرره ، و هذا ما رأيناه مثلا و بوضوح في عمليات ضرب و إحتلال العراق, فأن الإدارة الأمريكية و معها الحكومة البريطانية, و معهم جيش المستشارين القانونيين والعسكريين, حاولوا و عملوا على خلق الأعذار المناسبة لجعل هذا الغزو و هذه الضربة مشروعة ، فتارة يتكلمون عن أسلحة كيماوية, و أخرى عن الشك بوجود علاقة مع أطراف لمنظمة القاعدة, و أخرى بأن العراق بات يهدد السلام العالمي .. الخ .. و لا زالت هذه الأكاذيب التي أختلقت و زورت بهتانا لغزو العراق و إحتلال، يتكشف كل يوم كذبها و بعدها عن الحقيقة و الواقع ..

* و باتت الكثير من الأجهزة و الوكالات تنشر اليوم أخبار الإعترافات التي لا قيمة لها من قبل المسؤولين الكبار عن زيف إدعاءاتهم و خطأ عملية الإحتلال و فشلها، لكن ما الفائدة و نتيجة هذا الفعل الشنيع لا زالت ماثلة للعيان، بلد دمر بكامله، الحجر و البشر، الماضي و الحاضر و المستقبل، و شرد و هجر و قتل الملايين من السكان، و دمرت كامل البنى التحتية، و الأهم إنه جئ بسقط المتاع، ثلة من السراق و الفاسدين ليحكموا البلد تحت شعارات الدين و المذهب ..

* لقد استفادت السياسة الأمريكية في اندفاعاتها و توجهاتها من الملفات التي خلفتها الإمبراطورية البريطانية, و خاصة تلك المتعلقة بالمنطقة العربية و الشرق الأوسط, حيث كانت معظم السياسات و التوجهات خلال الفترة السابقة تدور حول مبادئ و أساسيات متشابهة و واحدة تقريبا ، و لو إننا ربما نرى الآن عهدا جديدا في التخطيط و التنفيذ السياسي و العسكري الأمريكي, الذي ربما يكون نتاج السيطرة التامة الأمريكية على مقاليد الأمور على مستوى السياسة الدولية ، لكننا يمكن أن نرجع سر التبعية البريطانية أو كما يقولون علاقة التحالف الخاصة ( أو الشاذة ) بين بريطانيا و أميركا إلى هذه الأسباب, حيث لا زالت الأفكار و الخطط و الإستراتيجيات البريطانية القديمة تشكل مرجعا أو على الأقل مؤشرات عامة للسياسات و الخطط الأمريكية الجديدة، على الأقل فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط ..

* الجانب المهم الذي يميز السياسة الأمريكية, و الذي ربما هو سمة مفقودة في السياسة العربية, هو التخطيط الستراتيجي بعيد المدى ، فمن خلال تطور علوم الإدارة و العلوم العسكرية, و تطور استخدام الكومبيوتر و تكنولوجيا المعلومات و الاتصالات, و من خلال القدرة على توفير و جمع و تحليل البيانات و المعلومات الكثيرة المتاحة, تمكن الأمريكان من تطوير قدرات و خبرات متميزة على رسم سياسات و إستراتيجيات متعددة المديات, و وضع سيناريوهات مختلفة لحالات معينة, و كان التطور في هذا الجانب عنصرا مهما في النجاح و التفوق الأمريكي الحديث ، بالطبع هذه الميزة لم تتحقق

إلا من خلال مشاركات واسعة للمؤسسات و الأفراد و المتخصصين في كافة المجالات, العلمية و الاقتصادية و الفنية و التكنولوجية, و التي مكنت الإدارة الأمريكية من تغطية معظم الجوانب المطلوبة, و ان تتكون لديها ملفات و خطط جاهزة لحالات حالية أو مستقبلية يمكن استخدامها أو التلويح باستخدامها عند الحاجة ، لكن ما نقوله عن التخطيط و رسم السياسات, ربما لا ينعكس بنفس المستوى من الجودة على مستوى التنفيذ ..

* إن الولايات المتحدة الأمريكية, قد وصلت إلى درجة من العنجهية و التعالي في تعاملاتها حتى مع اقرب الأصدقاء و الحلفاء, و هذا انطلاقا من شعور الثقة العمياء بأنها الأقوى, و أميركا اللاعب الأكبر على سطح هذه البسيطة ، بالطبع تدعم ذلك, الإمكانات المالية و الاقتصادية و العسكرية و العلمية الضخمة بل الخيالية التي تتوفر لديها ..

* هذا التمادي و الانفلات الخلقي, جعل السياسة الأمريكية اكثر وضوحا باتجاه العنجهية والغطرسة, و وصل الأمر إلى أن تسمح الإدارة الأمريكية لنفسها بأن تتعامل مع الآخرين ليس بمقاييس مزدوجة – DOUBLE STANDARDS بل بأكثر من ذلك ، فهي تمنح الحقوق و الامتيازات للآخرين و هي التي تحجبها, و هي بهذا أخذت تتصرف كالسلاطين أو ( الحاكم بأمر الله ), لا يمكن مناقشتها بل على الجميع الرضوخ إلى طلباتها و قراراتها حتى لو كانت خارج المقاييس ، فهي تسمح لنفسها أن تقطع آلاف الأميال لضرب الآخرين في عقر دارهم, بينما لا تسمح للبعض الآخر بان يكون له حق الدفاع عن النفس والأرض ، و هي التي تعطي الحق لإسرائيل بأن تضرب الفلسطينيين بحجة الدفاع عن النفس, في حين تطلق صفة الإرهاب على المقاومين الفلسطينيين ، و هي تضرب العراق بحجة الشك في امتلاكه بعض أسلحة الدمار الشامل, في حين هي تدعم تسليح إسرائيل التي لديها اكبر ترسانة من الأسلحة التقليدية و أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط ، و هي التي غزت أفغانستان و قتلت الآلاف لمجرد الشك ( الذي لازال قائما ) بأن بن لادن وطالبان هم وراء تفجير البرجين و أحداث 11 سبتمبر 2001 ، و هي التي استخدمت الأسلحة الكيماوية في فيتنام و الأسلحة النووية في اليابان, في حين تلاحق العراق و ليبيا و إيران و كوريا و سوريا بحجة امتلاكهم البعض من هذه الأسلحة, أو حتى النية أو الشك في امتلاكها ، لقد وصلت الازدواجية و التعددية في المقاييس التي تعتمدها الإدارة الأمريكية في الحكم على الأمور إلى درجة مضحكة, و شر البلية ما يضحك …

إن ما ذكرناه هو جزء يسير, و بالطبع فأن هذا الموضوع واسع و متشعب و يحتاج إلى دراسات معمقة, لكن ما يمكن تأكيده, إن ما وصلت إليه أميركا خلال الفترة الأخيرة من تطورات و تقدم في مختلف الجوانب, إنما جاءت و تحققت على أيدي الشعب الأمريكي

و المهاجرين الجدد إلى ( ارض الميعاد أو الحلم الأمريكي ) ، و ان ما تحقق للأمريكان كان يمكن أن يتحقق بالتأكيد لأي شعب آخر لو توافرت له نفس الظروف و الإمكانات ..

لكن ما وصل إليه التعالي و التغطرس و التجاوز و الغلياء الأمريكي, لهو مؤشر على قرب منحنى التطور لهذه الحضارة بالتوجه نحو الانحدار و النهاية ، و هذه هي طبيعة الحضارات و الأمم, فكلما مرت بفترات ازدهار, لا بد أن تنحدر بعدها نحو الاضمحلال والزوال، و ربما وصول المجنون ترامب للبيت الأبيض و أسلوب تعامله مع السلطة و من بمعيته من الوزراء و الموظفين، و تعامله مع بعض قيادات دول العالم، لهو تأكيد لما ذهبنا إليه ..

يدعم قولنا هذا, إن أية إدارة أو دولة تتجه نحو استخدام الأساليب غير الأخلاقية و اعتمادها كأساس في سياساتها, و تقوم بتحليل أمور كثيرة على نفسها, تحرِمها بنفس الوقت على الآخرين, فأنها إنما تزرع بذور الفتنة و الفساد و النفور ، و يمكن أن نرى بوضوح إن النفور العام من السياسة الأمريكية و كل ما هو أمريكي بدأت تظهر وتقفز إلى الواجهة من حين لآخر ( مثل بسيط على ذلك المقاطعة الشعبية لبعض الأغذية و المطاعم و المنتجات الأمريكية ), ليس على مستوى العالم العربي و الإسلامي فقط, بل حتى على مستوى العالم الغربي, بل وحتى داخل أميركا نفسها, و ليس على مستوى الشعوب فقط, بل على مستوى الحكومات و السياسيين و المسؤولين أيضا أحيانا ..

فلا يمكن أن نغض الطرف على مثل هذه الأصوات في فرنسا, ألمانيا, وبريطانيا و غيرها من الدول الأوربية ، وان كانت ” العزة بالإثم ” لدى الإدارة الأمريكية, ومظاهر قوتها و عظمتها الحالية تمنعها من احترام وجهات النظر الأخرى و مراعاتها, و مراعاة أصوات الرفض و النفور, فأنها سترى نفسها قريبا بالتأكيد مجبرة على مراجعة هذه المواقف, و ربما سيكون الوقت حينها قد فات لإمكانية معالجة الاشكالات بل و ربما الفواجع التي ستحدث كنتيجة لأعمالها و توجهاتها وسياساتها الهوجاء هذه .. و الله المُستعان ..

لا تعليقات

اترك رد