المرئي بين الإشاري والإيحائي ، في تجربة محمد السالمي – ج 2


 

كتب الفنان محمد السالمي موضحا مقاربته الفنية أنه سار على درب الاتجاه التكعيبي الذي يعتبره “من الأساليب الفنية التـي تـبحث في العلاقات التشكيلية بهدف إيجاد صياغات مبتكرة، تجعل من القيم الفنية قيما بعيدة عن سيطرة الرؤى العاطفية الذاتية، ولتجعل منها علاقات تشكيلية تمتاز بنظام عقلي وجمالي”.

يبدو لي واضحا أن مقاربة الفنان التشكيلية لموضوع المدينة البيضاء تلامس عن قرب بعض ملامح التكعيبية، وخصوصا تكعيبية ما بعد 1914، ذات النمط الأقل راديكالية من تلك الأساليب التي طورها كل من جورج براك Georges Braque (1882-1963) وبابلو بيكاسوPablo Picasso (1881-1973)، منذ عام 1907، تاريخ ميلاد الاتجاه التكعيبي. فخلال هذه الفترة، أي ما بعد 1914، التي تعد أوج الإبداع التكعيبي، كانت معظم الأشكال المختزلة مشارا إليها بالرسم، وأدى الاختزال الهندسي للموضوع والخلفية إلى تطوير الإيقاع المتشنج، والجوانب الهندسية الصغيرة المفتوحة تتداخل فيما بينها لتترجم انقطاع السطوح في الفضاء وانفجار الأجسام وتفكيكها.

قلت إن الفنان لامس التكعيبية دون أن يغوص في جذور فلسفتها الجمالية، لأن هدفه ليس تبني أسلوبية تكعيبية أوغيرها بل يبتغي السعي لكسر “الحواجز بين مختلف الأساليب والاتجاهات الفنية”.

من المعروف أن الفنانين التكعيبيين الأوائل تبنوا ما توصل اليه بول سيزان Paul Cezanne من اقتراحات لتوظيف الأشكال/الأحجام لتأثيث الفضاء التشكيلي الحديث، حيث نجدهم يؤولون المشاهد الطبيعية إلى مجموعة من الأشكال الهندسية تخضع لتكوينات معينة يغيب فيها عنصرا الضوء والظل وعنصر المنظور والنسب الخاصة ببناء الأجسام، مرتكزين على تكوينات جديدة تفجر الشيء/ النموذج وتشظيه ليملأ فضاء اللوحة مخفية ملامحه الأساسية. تلى الرؤية السيزانية (نسبة إلى سيزان) رؤية جمالية نهج على دربها الفنان التكعيبي، فنجده يلف حول النموذج ليرسمه من وجهات نظر متعددة ومختلفة، يرسم الشيء الذي أمامه من فوق ومن تحت ومن جميع الجهات الأربع، فيُنضِّد الرسوم فوق بعضها مما يعطي أشكالا هندسية تملأ فضاء اللوحة بكامله، مع توضيح بعض ملامح الشيء المرسوم، شخص أو إبريق أو كارطة لعب أو قيثارة… وطريقة الرسم هذه جعلت الفنان التكعيبي يكسر قواعد هندسة المنظور سواء الاقليدي النهضوي أو الانطباعي الذي ظهر مع رامبراند وفناني الباربيزون والفنانين الإنجليز خلال القرن التاسع عشر، والانطباعيين الفرنسيين ومن أتى بعدهم. فالتكعيبية لعبت على البعدين الثالث والرابع، إذ كان لمفهومي العمق والزمن دور كبير في بناء اللوحة. وكان هدف الفنان خلال هذه المرحلة هو تصوير عناصر الحياة والطبيعة ليس انطلاقا مما تراه العين ولكن بموجب ما يستوعبه العقل ويعكسه، علما أن “الرؤية لا تنطلق من مركز بصري واحد إنما من عدة مراكز بصرية عديدة”. ومن تم تبدو اللوحة كجزء من لوحة كبيرة تستمر في الزمان والمكان، وهذه خاصية تميزت بها اللوحة التجريدية فيما بعد، حيث تغيب الحدود التي كانت تجعل من اللوحة نافذة تطل على منظر معين، كما هو الحال في المنظور النهضوي القديم.

وهذه من الخصوصيات الجمالية البارزة التي ميزت المدرسة التكعيبية، والتي تجاهلها الفنانون الذين تبنوا الاتجاه التكعيبي في مقارباتهم التشكيلية.

قلت آنفا إن أعمال الفنان محمد السالمي تلامس الاتجاه التكعيبي دون أن تغوص في أعماق فلسفته. فرغم أن “الرؤية لا تنطلق من مركز بصري واحد إنما من عدة مراكز بصرية عديدة”، تبقى اللوحة نافذة مفتوحة على اتجاه واحد، أحادي الرؤية، معتمدة في تكوينها التصويري Composition picturale على تراتب المستويات Succession des plans، كما هو معروف في البناء الأكاديمي للوحة. فالأحجام تفتتت والأشكال تناثرت لكن الفعل التفكيكي لم يصل إلى أقصى حدوده، إذ لزمت العناصر المكونة للمنظر الطبيعي (صورة الشارع) أمكنتها محافظة على هويتها الشكلية/اللونية. فصور “الدار البيضاء” التي يقترحها الفنان محمد السالمي يختلف تفكيك تراكيبها عن التجزيئ الحجم/شكلي الذي عليه لوحة Fête de Venise للفنان Gerardo Dottori، أو Tour Eiffel للفنان Robert Delaunay.(انظر الصورتين)

بقي التعامل مع الفضاء منظورياEspace perspectif يشوبه التعقيد، حيث يصعب إلى درجة الاستحالة، تحديد نقط الهروب وضبط خطوط أفقها. وهذا من مميزات أعمال الفنان محمد السالمي الحصيفة الأسلوب.

فلا مراء إذا أكدت بيقين أن أعمال الفنان تحيل على خلفيات مرجعية تتجاوز التكعيبية… تكعيبة أو تكعيبية أورفية أو تكعيبية جديدة…هذه كلها مصطلحات تصنيفية غير مجدية لبناء أسس نقدية يمكن اعتمادها لقراءة لوحات الفنان محمد السالمي. لماذا؟

لأن بعضها من ابتداع كُتابها وليس لها أصل في سجلات تاريخ الفن، وإن كان لها أصل فهو غير متفق عليه من طرف النقاد والمؤرخين المختصين. إن مصطلح التكعيبية الأرفية Cubisme orphique لا علاقة له بالتكعيبية، لأن في أعمال فناني هذا الاتجاه يتم فصل اللون عن أي شكل ويسمح بإنشاء دوائر متحدة المركز ملونة ، كما هو الشأن لدى كل من Robert Delaunay و زوجته Sonia Delaunay إضافة إلى أن أعمالهما تميل أكثر نحو التجريد. إن التسمية واحدة من اختراعات الشاعر Guillaume Apollinaire (1880-1918) الذي، حسب مؤرخ الفن Michel Laclotte، “لم يكن يعرف جيدًا ما كان يتحدث عنه عن طريق اختراع هذه الكلمة، والتي لا تتوافق مع ما هو حالي”، ويُنظَر إليه من قبل Albert Gleizes (1881-1953)، أحد منظري التكعيبية البارزين، باعتباره واحدا من هؤلاء “الوسطاء الأدبيين الذين، مهما كانت نواياهم حسنة، جلبوا للمناظرة وجهات نظر ذاتية فقط”.

قد نتساءل ما إذا كان الفنان قدم لنا صورا لفضاءات حقيقية، مع احتفاظه بأقل ما تحتويه تلك الفضاءات من أشياء، أم أن الرسوم/اللوحات يمكن عدها مشاريع حضرية مستقبلية، Projets urbains futuristes؟

من الأساسيات الفيزيولوجية التي تعتمدها تكوينات السالمي: التشظي والديناميكية والحركة والرفض والتعويض والتفكيك والانسيابية…كلها مفاهيم تجد أصولها في الحركة المستقبلية Le mouvement futuriste، التي امتد صيتها ليغمر اتجاهات المعمار ما بعد حداثي.

ألا تتقاطع فضاءات السالمي مع مناظر مستوحاة من مستقبليات مدن الألفية الثالثة، حيث أصبح المعمار يتأسس على مفهوم التفكيك؟ وتحضرني هنا مشاريع المهندسة المعمارية زها حديد…


أين تتجلى علاقة العمل المنجز عن مدينة الدار البيضاء، مدينة عصرية لكنها مازالت محافظة على سماتها المعمارية الحديثة؟ وأقصد بالحديثة التعمير المتأسس على التوازي

والتعامد دون الاهتمام بانسيابية الأحجام، التي ميزت الإبداعات البنائية المعاصرة. أظن، ويقيني فوق الظن أن الفنان محمد السالمي يريد أن يوصل للمتلقي هذه الرسالة…حقا أن مقصدية مشروعه الفني مرتبطة ب “التعبير عن الاستلاب وما أصاب الإنسان من تشويه أسقطَه على المعمار ومؤثثات الفضاء المديني… وكتعبير عن الواقع المجزأ المنكسر…” لكن هناك ما هو فوق هذه الرؤى الذاتية ذات الحساسية المرهفة، فالفنان لا يكتفي بتمرير ترجمة الواقع عبر قنوات الإحساس، بل تجده يتنبأ بتصور ما قد تكون عليه مدينة الغد، فما أمسى يوتوبيا قد يصبح غدا حقيقة.

إن الفنان يعرض علينا صورا لواقع مدينة هو تخيل أساسياته الجمالية، واستدعانا للعيش مع واقعه. فاللوحات بأحجامها الكبيرة تحتضن المشاهد ليصبح جزءا من فضائها، يغادر حاضره ليعيش ما توحي به من مستقبليات.

لا تعليقات

اترك رد