ماهية النظام العالمي الجديد – ج5


 

ان إحدى الغايات الحقيقية من هذا المقال، هو هذا المبدأ السامي المهم (استقرار السلام العالمي بين البشر)، فبنشر هذه الفكرة وترسيخها في عقول ومفاهيم الأجيال، تختفي كثير من مفاهيم التعصبات الوطنية والدينية والسياسية ويدرك الإنسان تفاهة وعدم جدوى الحروب والمنازعات المنتشرة في كل أنحاء العالم اليوم، وعندها ستختفي صور الظلم والمآسي والاعتداءات والقتال، وتنبذ الى الأبد كل أشكال النزاع الطائفي والحزبي والوطني أو اللجوء الى حل المشاكل الوطنية بالسلاح والجهاد، كما ستختفي صور المجاعات والمعدمين من كتاب العالم وصوره. (17) تقاسم الموارد الطبيعية بين بني البشر يبدو لأول وهلة ان هذا الاقتراح من أكثر الاقتراحات مسّاً بحقوق المواطن الشخصية والوطنية، وإجحافا لحقه في موارد بلده الطبيعية، وانه يسلب مواطني البلدان الغنية حقاً من حقوقهم الوطنية وأموالهم وخيراتهم الطبيعية التي اختصت بهم وبأوطانهم فقط. لكنه الحقيقة غير ذلك على الإطلاق. فكل ما سبق طرحه من اقتراحات، كان القارئ يرى فيها مصلحته الشخصية والوطنية بشكل واضح ومباشر، لكنه مع هذا الاقتراح سوف يقف متردداً ويبدأ بالتفكير والتساؤل: كيف يكون هذا، وما هي الغاية منه، وكيف يمكن تنفيذه، ومن يرتضي سلب خيرات بلده ليعطيها بمحض إرادته الى إنسان آخر؟ ان الغاية الحقيقية من هذه الاقتراحات، هي مصلحة الإنسان أي إنسان في أي شعب وأي أرض، دون الالتفات الى قوميته أو عقيدته أو جنسيته، فالكرة الأرضية ملك الإنسانية جمعاء ولا فرق بين سكانها من مختلف الأجناس، وهي حديقة واسعة والبشر أزهارها وأورادها، فليس هناك تحيز أو محاباة أو بغض نحو شعب دون غيره أو ملة أو فئة دون سواها، وبما ان الهدف من كل هذه الاقتراحات هو مصلحة الإنسان الصرفة المنزهة عن كل غرض أينما كان. اذن كان لابد من التمهل وإعطاء الفرصة لشرح هذا الاقتراح. ورب قائل يقول، صحيح ان فكرة المساعدة والتعاون مطلوبة بين جميع البشر، وان كل ما اقترح مقبول مع بعض التحفظ، الا ان هذا الاقتراح مرفوض جملة وتفصيلا، هذا بالإضافة الى ان بعض الدول الغنية قائمة بالفعل على مساعدة الدول الفقيرة في كثير من الأحيان، فما حاجة البشرية لهذا الاقتراح؟ ان فكرة توزيع الثروات بين شعوب الأرض، ليست فكرة شيوعية ولا مذهبية ولم تأتِ من مبدأ طمع شعب فقير بأموال شعب أغنى منه، كما حدث خلال القرون الماضية من تسلط بعض الحكومات أو الشعوب على غيرها واستغلال شعبها وأرضها ومواردها. بل على العكس انها فكرة خالصة منزهة عن الرغبات السيئة بمختلف أشكالها، ودليل ذلك مجمل أفكار هذا الكتاب. ان هذا الاقتراح هو للمدى البعيد، والغاية منه هي سعادة الناس وراحتهم وأجيالهم عموماً، وضمانا مستقبليا لجميع شعوب الأرض، فكم من شعب كان غنياً قبل الآن ثم أصبح فقيرا، وكم من شعب كان فقيرا فاغتنى مع مرور الوقت. ان الله سبحانه وتعالى خلق الأرض كلها بدون حدود، وخلقنا شعوبا وقبائل لنتعارف ونتعاون ونتساعد، وخلق نعماً وبركات تكفي جميع الناس وكل المخلوقات إذا أحسن توزيعها. والإنسان، أي إنسان لا يريد أكثر من حاجته إذا ما خضع للضوابط والقوانين وأدرك ضرورة تناسب قدراته مع مكتسباته، ولم يسمع أو يشاهد من توفي من الناس وأخذ ماله معه، اللهم الا بعض الشعوب القديمة التي كانت تعتقد باعتقادات باطلة خرافية. فإن تربّت شعوب العالم وأدركت معنى الأخوة الإنسانية ونتائجها وأيقنت بوجود خالق راع لكل شعوب الأرض وشاهدت العدالة الاجتماعية منتشرة بين الناس، والإنسان يولد ويعيش ويموت وهو مكتف ومرتاح، قلَّ تكالبها وتنافسها على جمع المادة، بعد أن تأمن قوت يومها وتضمن رزق غدها. وفكرة هذا المقال، تهدف الى سعادة بني البشر عموماً، فالصفات الإنسانية، كالمحبة والأخلاق والرحمة والعطف والإنسانية وحب الخير للجميع وتفضيل الغير على النفس أو على الأقل (حبَّّ لأخيك ما تحب لنفسك) هي صفات ضرورية لتنفيذ هذه الاقتراحات وترجمتها على أرض الواقع، وذلك لخلق عالم يسوده الرخاء والسعادة والإنصاف، وبهذه الصفات فقط يختلف عالم الإنسان عن عالم الحيوان. هناك من يقول ان هذه الاقتراحات صعبة التنفيذ، والنفس الأمارة بالسوء تمنع تطبيقها، ولابد ان تقف حجر عثرة في سبيل تطبيقها. فمن خلال التربية والتعليم تتغير النفوس وتتبدل الأخلاق ويمسي الإنسان ملاكاً يمشي على الأرض وبالتالي يتغير وجه العالم. ان هذه الفكرة، لا تقول بتقاسم ثروات الشعوب بينها وبين غيرها بالتساوي، فهذا منطق غير معقول وغير قانوني ولا عادل، إذ لابد من وجود اختلافات وفروق في مستويات أفراد المجتمع الواحد، فهناك الغني والفقير والذكي والبليد والنشط والخامل وغير ذلك من الفروقات الكثيرة بين بني الإنسان مما لا يمكن تشابه شخصان على سطح الأرض، فما بالك بالتباينات الموجودة بين المجتمعات. من المؤكد ان التباين الشاسع بين ثروات الناس، وبين ثروات الشعوب، ليس من الأهداف الإلهية، فالله هو العادل وهو المنصف والرحيم والعاقل، ولابد ان تكون له حكمة عظيمة لم ندركها بتوفيرها لشعب من الشعوب دون سواها، بينما تنوء شعوب أخرى تحت أثقال الفقر والفاقة. اذن كان لابد من إيجاد قانون جديد يتناسب مع الحكمة الإلهية ليقلل من هذه الفروقات والتباينات بين الشعوب ولا يساوي بينها، بعد ان وصلت البشرية الى هذا المستوى الرفيع من التقدم العلمي، لتتعاون وتتعاضد وتتخلص نهائياً من الديون والفقر والعوز والحاجة والجوع والمرض والهلاك، فهذا من أكبر المظالم الواقعة على بني البشر ولابد لكل المجتمعات من التعاون على إزالة مظاهرها الظالمة. ان فكرة تقسيم بعض الثروات بين البشر، تحتاج الى طريقة مثلى وحكيمة وقلوب تملؤها الرحمة والإنصاف والثقة بمصير الإنسانية لتطبيقها، ليتمكن الجميع من العيش براحة ولو جزئية، فليس من العدل ان ينام إنسان بدون فراش ولا غطاء ويفترش الأرض وبطنه خاوية وأولاده يتضورون جوعاً، بينما ينام آخر وهو يعاني من التخمة ولديه من الأموال المكنوزة التي لا يعرف كيف يبددها. لقد اتفق المفكرون وعلماء الاجتماع في هذا العصر على ان الغنى الفاحش والفقر المدقع رذيلتان اجتماعيتان لابد من تقليل الهوة بينهما، ولا تنهض أمة حديثة وفيها هاتان العورتان. فإذا وضع قانون محكم متين للضرائب على فائض الأموال، أي على ما يجنى من أرباح سنوية فائضة، وتستغل هذه الأموال في تحسين مستوى الفقراء، فيكون حداً أدنى لمستوى معيشتهم، ويكون للأغنياء سقفا محددا لمستوى ثرواتهم، بحيث يجد الفقير بيتا مناسبا يأويه وطعاما يكفيه ودواء رخيصا يشفيه ومدرسة مجانية تعلمه وعملا مناسبا يعتاش منه، أمكن في هذه الحالة تحسين الوضع الاقتصادي العالم للبشرية، فلا يفترش الفقير تراب الأرض ويتوسد حذائه، ولا ينام الغني في قصر فخم وبقية قصوره خاوية. (سيفي سيفي)

لا تعليقات

اترك رد