سركون بولص و مساحاته التي تضج بالمكان و الإنسان


 

” كانت ملهمتي قريتي “كبر شامية” التي عشت فيها، واستقيت من جمالها الطبيعي معظم لوحاتي ” فسركون هو إبن الخابور حيث تنام و تستيقظ قريته على ضفافه ، و هذا ما ساعده في تنمية حسه و زاد عشقه للطبيعة ، العشق الذي يرغمك بالتوجه نحو الألوان لتجسد ذلك العشق بترجمات حسية جميلة ، إلى جانب أنه كبر و عاش في عائلة كان الجد فيها نحاتاً و الأخ الأكبر رساماً بالحبر الصيني ، و سركون من الرعيل الثالث في الحركة التشكيلية الحسكاوية ، فهو وإلى جانب رعيله ( بشير الأنصاري ، زهير حسيب ، غفور حسين ، عبدالرحيم حسين ، أحمد عوض ، سارا شيخي ، أحمد عكو ، رئيف رفائيل ، ….. إلخ )

يشكلون إمتداداً عذباً للرعيل الثاني ( عمر حمدي ، صبري رفائيل ، بشار العيسى ، عمر حسيب ، حسن حمدان ، خليل عبدالقادر أحمد الأنصاري ، عزو الحاج ، فؤاد كمو ،…….. إلخ ) والجميع أضاف من جانبه ما يذكرنا بالرواد ( عبدالرحمن دريعي ، فهد كبيسي ، خلف الحسيني ، حنا الحايك ، ….) ، وكان ما يشغلهم جميعاً واقعية بيئية و تعبيرية يمكن القول عنها عفوية متشظية الصوت و إذا جئنا إلى أعمالهم في تلك الفترة سنجد بينهم من التناص الشيء الكثير ، كالحصاد و مواسمه و حقوله الحارقة بشمس الجزيرة ، و كذلك الإقتراب من التراث و الفولكلور بأزيائهم المميزة بألوانها الكثيرة و موروثهم الشعبي الممتد في حضارات المنطقة ، و سركون كان منهم ،و لهذا بقيت الواقعية ، الوعاء الأقرب لريشته و لدواخله ، الأقرب لفتح عالمه أمام إهتمامه بهذا النص الذي يمضي به في سنواته الطويلة مع اللون ،

فهو لا يلغي أي جدار في عمله ، لا الرابع و لا جدار المؤلف أقصد الفنان ، فلا شيء خارج النص / اللوحة ، فكل محاولاته بوصفها بحث في واقع معاش و مرئي هي محاولات يريد بها التخلص من المجال الذي قد يأخذه إلى إحالات هو بغنى عنها ، فمن الطبيعي ألا يلغي دور المؤلف / الفنان ، فأعماله صندوق فيه يتزاحم رياح الأمس ، و بساتين الخابور ، و وجوه قريته التي لا تخشى قصف العمر ،

و هي ليست بمعزولة عن التمفصلات التي تتحرك داخل و خارج الفعل غير المباشر لإستحضار كل موجوداته الواقعية ، و يسمح لبعض دوافعه التآلفية مع المكان أن تبحث في مكونات منحاه المنحازة للطبيعة بمكوث سطورها ، و للإنسان بمفردات تحلق في دواخل عمله ، تصالح رموزها و طبيعتها المفتوحة على السطوح و أفقها ، و بتعبيرية محررة من قيودها يقود سركون بذائقته الجميلة معانية و إختياراته نحو مساحات تضج بالمكان و الإنسان فكلاهما هاجسه على إمتداد إنخراطه في زمن اللون ،

فلا يترك تلك المساحات فارغة بل يزرعها بهواجس جمالية يستقيها من قريته ، مدينته ، من الإرث القادم من ذاته ، من تاريخه ، فهو يعيد الروح للأشياء الموحية و كذلك للأشياء التي تتوسع في دواخلها و تتحدث لنا قرابة الأثر العميق في النفس الإنسانية ،

و سركون يعود كثيراً إلى الإحالات البصيرية حيث لا تناقض في تدعيمها بصدى الحالة و هي تبلغ سن اللاعبث فلا يمكن التخلص من جوانبها الرمزية و مفرداتها لأنها تشكل مرآتها و لسان حالها ، و لهذا لا تشتيت للمعنى الذي يتحكم بدوره في خطابه و لغته لدرجة سأعيد ما قلته في بداية هذه المادة ” لا شيء خارج النص / اللوحة ” فهي التي تحتوي كل معانيه الإفتراضية ، فالكشف عنها قد يكون هو المنطق الذي ينبثق منه حركة إبداعه ، بوصفه موضوعات بينها تتداخل اللون و الكلام ، فسركون يبتعد عن كل ما يوتر العمل بما فيها تلك التأويلات التي لن تأخذنا بعيداً ، بل في الوقت ذاته ستلد من جديد لتصلي صلاتها الأخيرة .

سركون يستخدم المساحات اللونية في كل نقاطها لدرجة الإغراق و على نحو أكثر حين يتوجه إلى قراه ، القرى الآشورية التي تزين ضفتي الخابور على إمتداد جريانه ، و التي تحمل عبق الرافدين ، حينها تعلن خيوطه الإشتباك مع ذلك العالم المرئي من ذاكرة لا تشيخ ، فخلافاً للتمرد الذي من المفترض أن يتحلى به الفنان ، يهندس سركون مطواعاً و حباً النائم في ثناياه ليوقظها في أعماله حيث الألوان كثيفة ، تتزاحم على الحديث و الخروج إلى سماء ما ، سماء تشترك بعجينة ألوانه حيث الترصيع في أوجه ، و القماش يتصبب عرقاً و تاريخاً ، و لعل غرض سركون أن يطلق سراح صرخته التي باتت تسمع بصوت عال و كذلك بصوت البلابل و هي تنشد على أشجار قريته التي مازالت تحمل ملامح الجرأة و خلاصة حياة .



لا تعليقات

اترك رد