عودة “المشير” حفتر”..هل سقطنا جميعا في الاختبار؟


 

بعد غياب استمر 17 يوما شهدت جميعها تكهنات وتساؤلات، عاد قائد القوات التابعة للبرلمان الليبي، المشير خليفة حفتر، إلى مدينة بنغازي (شرق ليبيا) ليكذب كل الروايات التي زعمت موته أو إصابته بجلطة دماغية.

عاد “المشير” وعادت معه عدة تساؤلات على المشهد، فرضتها تصريحاته الأولى التي أطلق فيها ما يشبه “تهديدا” لمن روج إشاعات موته ومرضه، عندما قال: “..أنا لن أرد على هؤلاء، لكن هناك من سيرد عليهم، وبالشكل المناسب”، وهو ما فسر على أنه قد يكون تصعيد عسكري ضد هؤلاء.

وخلال فترة الغياب التي شتت الجميع، وأربكت الإعلام المحلي والدولي، لم تصدر أي تصريحات أو تطمينات من قبل المكتب الإعلامي للقيادة العامة للجيش الليبي، حول صحة حفتر أو مرضه أو اختفائه أو عودته.. وهذا ما سبب حالة التخبط لدينا جميعا، حيث مصدر المعلومة الوحيد الموثوق به لم يصدر شيء.. وفشلنا في الحصول على تصريح ولو مقتضب من قبل مكتب المتحدث باسم الجيش، العميد أحمد المسماري، والذي ردد مرارا:”سنصرح لكم عندما يسمح لنا بذلك”.

..وخلال فترة الغياب وبطبيعة الحال غياب المعلومات وتضاربها، سقطت عدة قنوات محلية في تناول المر مما أفقدها ولو مؤقتا مصداقيتها لدى الجمهور حتى المؤيد لها، كون بعض هذه القنوات رددت مرارا تحت عنوان “عاجل” أن “المشير حفتر مات فعليا”، مؤكدة أن مصادر موثوقة هي من أبلغتها ذلك.

ومع تردد هذه “العواجل” والتي نقلتها أيضا قنوات دولية.. سق أيضا المحللون والمراقبون في قراءة الحدث وذهبوا جميعا للحديث حول ما أسموه “سيناريوهات ما بعد المشير حفتر”، وأنا منهم قطعا، وكله تحدث عن بديل لقيادة الجيش بعد غياب ومرض حفتر.

وطيلة أيام الغياب.كنا نتسول المعلومة سواء من إعلام القيادة العامة أو حكومة الوفاق أو مقربين من الجيش.. ولم يصدقنا أحد.. وغابت المعلومة وحدث التخبط وعاد “حفتر”.

وهنا نطرح بعض الدروس من أزمة الغياب وأزمة العودة، ومنها:

-أزمة الإعلام الليبي:

بطبيعة الحال الملف الليبي من الملفات الغامضة والمتشابكة والصعبة التحليل والتناول أحيانا، أضف إلى ذلك غياب صحيح المعلومة ومصداقية المسؤولين .وعلى الجانب الآخر غياب الصحفي المحترف الذي يستطيع ربط الأحداث واستنتاج آراء تتماشى مع طبيعة هذه الأحداث، وليس هذا تعميما طبعا، لكنه الأغلب.

وفي أزمة غياب “حفتر”، سقط الإعلام المحلي في هذا الاختبار، سواء المناوئين لحفتر أو القنوات التابعة له، فالأولى تعاملت مع أي معلومة من مصدر ولو ضعيف على أنها “سبق” و “عاجل” وجعلت الأماني هي من تسيرها وتتحكم فيها، والإعلام في الشرق الليبي جعل “الغموض” شعاره، وغاب كلية عن الأزمة وهو ما ساهم في تضليل إعلام الغرب أو مناوئي حفتر، وهنا كله فقد معالجة موضوعية للأمر..

ومن الصعب التعامل بموضوعية مع حدث “سري”، رفض الجميع الإفصاح عن حقيقته، حتى من هم على رأس السلطة التشريعية، فالمستشار عقيلة صالح رئيس البرلمان لم يعلق على غياب المشير ولم يعرف أصلا طبيعة المرض أو الغياب، بحسب مصادر مقربة منه.

المتحدث باسم الجيش، أحمد المسماري:”كذب مرض المشير أو سفره للخارج، ثم عاد وأكد أنها مجرد فحوصات طبية عادية، ثم عاد ليؤكد أن “حفتر” سيعود قريبا”، وهكذا تلاعب بالصحفيين وساهم سواء متعمدا أو غير قاصد في إرباك وتضليل الإعلام والرأي العام، وحتى إن برر ذلك بأنها طبيعة العمل العسكري لكن هذا لايبرؤه من المسؤولية.

..وهذا درس يجب تعلمه: مع الموضوعات ذات الحساسية والرأي العام يجب الحيطة والحذر من تناولها وسط غياب معلومات صحيحة، وكذلك عدم إهمالها لكن التعامل بموضوعية هنا يتطلب تناول كل السيناريوهات والآراء وحتى التكهنات وإن لم تتوافق مع سياسة القناة الإعلامية ليخرجها ذلك من حرج التناول والمصداقية…لم تتناول أي قناة مناوئة لحفتر سيناريو عودته وتعامله مع الأخبار التي نشرت عنه وقت غيابه.

2-أزمة العودة:

لاننكر أنه خلال غياب “حفتر”، حدثت بعض الأمور التي فسرها البعض بالإيجابية ومنها: لقاء المستشار عقيلة صالح برئيس مجلس الدولة الأعلى، خالد المشري، في جو ودي وصريح والاتفاق على بنود من شأنها –لو طبقت-أن تساهم في حل أزمات البلاد، وكذلك عقد صلح تاريخي بين مدينتي مصراتة والزنتان، وكذلك التهدئة بخصوص أزمة مدينة درنة وحصارها وقرب حلها سلميا، لكن بعد العودة بساعات حلقت طائرات فوق أهلها.

..لكن الأهم في العودة هي تصريحات المشير حفتر إثر وصوله إلى مطار بنينا في بنغازي، ومن هذه التصريحات:

-تهديد مبطن لمن روجوا إشعات مرضه ووفاته، وأن الرد عليهم سيكون بـ”الشكل المناسب”، ولا ندري ما هو الشكل المناسب.. حتى سيكون بتصعيد عسكري مثلا، أم ملاحقة قانونية أم رفض المصالحة أو الحوار مرة أخرى مع أي طرف..لا نعرف.

-سخرية حفتر من الانتخابات المرتقبة ووصفها بـ”التمثيلية”، هو هذا يعد تراجعا عن موقف المشير السابق من تأييده للانتخابات وحمايتها، أم مجرد سخرية وقتية لا علاقة لها برفض العملية برمتها، أيضا لانعرف.

-تأكيد حفتر أن الجيش فقط هو من يستطيع توفير حياة سعيدة للمواطن.. ماذا يعني؟ هل هو تلويح بموضوع التفويض له دون انتخابات أم محاولة لدعم الجيش أم رسالة غير مباشرة أنه لن يخضع لأي سلطة مدنة فشلت في توفير هذه الحياة للمواطن أم هي “مغازلة” لهذا المواطن..

..والسؤال هنا: كيف سيتعامل “المشير” حفتر مع خصومه وخاصة من “فجروا” في الخصومة ونالوا منه خلال غيابه؟ وهل الأفضل التصعيد مع الجميع أم التعلم من الدرس وتفضيل المصالحة الوطنية ونبذ العنف و “عفا الله عما سلف”.. وهنا ربما تزداد شعبية “حفتر” أكثر من ازديادها عبر التصعيد الذي أضعف الجميع”.

..سننتظر ونرى ونتمنى.. ننتظر ما هو قادم وسنرى نتائجه..ونتمنى أن يكون الخيار الأخير (المصالحة) هو الفائز لتغلق ليبيا صفحة السلاح وتبدأ صفحة السلام لعلها تستعيد عافيتها ووحدتها ووسطيتها..

المقال السابقالانتخابات القادمة …. حل أم عقد ؟!!
المقال التالىبين حكومة تمُنّ وتعليم يئنّ
كاتب صحفي مصري، وباحث سياسي مهتم بقضايا الشرق الأوسط وعلاقتها بالفاعلين الدوليين، دراسات عليا في المفاوضات الدولية، كلية اقتصاد وعلوم سياسية، جامعة القاهرة، متخصص في الشؤون العربية والدولية، له عدة دراسات حول ملف المغرب العربي وخاصة الملف الليبي، رئيس لجنة العلاقات الدولية بالنقابة العامة للعاملين ب....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد