الاستراتيجية الدفاعية في التحول الجمهوري التركي


 

خضعت آليات صنع القرار في السياسة الخارجية لتغيرات كبيرة. فبالرغم من أن آلية صنع القرار لا تزال من أكثر المجالات غير المستكشفة في دراسات السياسة الخارجية التركية، إلا أن زيادة نفوذ المدنيين والمسؤولين المنتخبين في صنع السياسة الخارجية أصبح أكثر وضوحًا. ففي عهد حزب العدالة والتنمية، تراجعت تدريجيًّا البيروقراطية العسكرية وأصبحت الهيمنة للمدنيين والساسة المنتخبين في السياسة الخارجية والأمن القومي.

كما ساعدت الإصلاحات في تركيا على تحقيق السيطرة المدنية على الجيش، وبرزت القيادة المدنية صانعةً للقرار السياسي، ومن ثَمّ أصبحت الفاعل الأكثر أهمية في السياسة الخارجية التركية. ولعبت القيادات السياسية المدنية دورًا حاسمًا في توجه السياسة الخارجية، وبدأ الرأي العام الدولي يلتفت إلى إجراءات وسياسات القادة المدنيين بدلًا من التركيز على تصريحات الجيش التركي. وبملاحظة هذه التغييرات، أصبح من الصعب على محللي السياسة الخارجية فهم تحوّل السياسة الخارجية التركية. وفي نفس الوقت،

فإنّ التغييرات المنفصلة أو المتصلة عبر مستويات متعددة جعلت أحيانًا من الصعوبة السيطرة على بعض المتغيرات في أثناء دراسة التحولات. فالمناهج “الجديدة التي يقال إنها تأخذ بعين الاعتبار هذه المستويات المتعددة، كانت إما نماذج قديمة تم تعديلها أو غير قادرة على الوصول إلى مرحلة النضج النظري. بالإضافة إلى ذلك، لم يأخذ العلماء بعين الاعتبار طبيعة ديناميكية وتفاعلات هذه المتغيرات في تحليلاتهم. وعلاوة على ذلك، فإنّ تطور السياسة الخارجية في السنوات العشر الأخيرة لم يكن مفهومًا بشكل تامّ، كما أن حزب العدالة والتنمية قدم سياسته الخارجية دون مراجعة أو تعديل.

كان هذا الموقف أكثر وضوحًا عندما تمّ إعادة تعريف العلاقات التركية الأمريكية. فقد أخفقت الدراسات حول التذبذب المستمر في العلاقات التركية الأمريكية في صياغة نموذج، وباستثناءات قليلة لم تفعل أكثر من مجرد تتبع صعود وهبوط الشؤون والعلاقات الثنائية. وقد أدى ذلك إلى تفسيرات زمنية بدلًا من إنتاج ابتكارات نظرية لتحليل تغير السياسة الخارجية. التسميات التي اخترعها صانعو السياسات لشرح العلاقات؛ مثل نموذج الشراكة، الشراكة الدائمة، والشراكة الاستراتيجية، والشراكة من أجل الديمقراطية، استخدمها العلماء في كثير من الحالات. وقد أدى ذلك إلى إخراج بحوث سياسية بدون قيمة نظرية

أنَّ توازن القوي بين المدنيين والعسكريين لم يعد يقتصر فحسب على هذين الطرفين، فالجيش لم يعد يمارس السلطة بمفرده كما أنه مازالت هناك نصوص قانونية يبني الجيش عليها نفوذه. وكان رد فعل حكومة العدالة والتنمية في هذه المرحلة يتجه دوماً نحو إنكار أي توتر وتجنب الصدام مع المؤسسة العلمانية ، والدفع دوماً بأنَّ هذه المؤسسة عليها محاربة المتطرفين وليس حزب العدالة والتنمية الذي يصف نفسه دائماً بأنَّه حزب ديمقراطي محافظ. وإذا حاولنا تفسير السياسة الدفاعية تلك لحزب العدالة والتنمية تجاه الجيش فقد نحتاج إلى تحليل أداء حكومة العدالة والتنمية،

حيث أنَّ فشل الحكومة في تدعيم مبادئ الحوكمة الديمقراطية على القوات المسلحة بالتزامن مع تراجع الخطاب الديمقراطي للحزب وتزايد العداء مع الاتحاد الأوروبي وكذلك إعطاء الأولوية للحل الأمني تجاه القضية الكردية، وإعطاء الأولوية للأمن القومي على الأمن الإنساني، صب كل حلم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باستعادة الإرث العثماني يفسر بمدى تناقض الآليات السياسية التي يتبناها تجاه قضايا المنطقة وأهمّها القضية الفلسطينية، قضية العرب الأولى، حيث وإن أبدى في خطاباته تعاطفا مع أفراد الشعب الفلسطيني المنكوب، إلا أن سياسته رحبت بعودة العلاقات الإسرائيلية دون مبالاة بأمل الشعب الفلسطيني في الحرية، ومرد ذلك رغبة أنقرة في استعادة وزنها الإقليمي والتصدي لتوغل إيران في المنطقة، منافستها التاريخية على مشاريع النفوذ والهيمنة على الشعوب العربية.

ذلك في بلورة تلك الاستراتيجية الدفاعية للعدالة والتنمية تجاه المؤسسة العسكرية بات من المعروف أن المطالب التركية لحل الأزمة السورية تتمثل في إقامة منطقة آمنة، وانتهاج استراتيجية شاملة تواجه نظام الأسد وتنظيم الدولة معًا، والعمل على إيجاد حل سياسي للأزمة دون بقاء بشار الأسد.

وما زالت تركيا تكافح وحدها تقريبًا أو بتوافق مع عدد محدود من الدول مثل السعودية وقطر دون هذه المطالب ولكن الرياح الدولية لم تأتِ كما تريد أنقرة حيث أشار البيان الختامي لمحادثات فيينا في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي إلى أن المشاركين اتفقوا على جدول زمني محدد لتشكيل حكومة انتقالية في سوريا خلال ستة أشهر واجراء انتخابات خلال 18 شهرًا، وقد تم الاتفاق على بدء مفاوضات بين ممثلين عن النظام وممثلين عن المعارضة فيما لا يزال هناك اختلاف أميركي-روسي حول مصير الأسد وفقًا لتصريحات وزير الخارجية الأميركي.

مما سبق يتضح أن كل ما تطالب به أنقرة إن لم يكن مرفوضًا من الدول الغربية، فهو مجهول أو يتم التعامل معه بغموض فلم يتم الحديث في فيينا عن المنطقة الآمنة أو عن محاربة الأسد بل إن المؤتمر الذي تلا المحادثات التي جمعت الرئيس الأميركي باراك أوباما بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان في قمة العشرين بعد محادثات فيينا أسفر فقط عن امتداح الرئيس الأميركي لموقف تركيا من التحالف ضد تنظيم الدولة ومن موقفها في عملية إيواء اللاجئين. وقد أشار الرئيس الأميركي إلى أنه بحث مع أردوغان تنسيق الجهود لمراقبة الحدود السورية-التركية لمحاصرة أنشطة تنظيم الدولة،

وأن بلاده تعمل مع تركيا على الحدِّ من تدفق اللاجئين وقد تمتد تداعيات الخلاف الروسي مع تركيا إلى أبعد من سوريا حيث ربما يشمل مزيدًا من التنسيق مع اسرائيل التي تربطها علاقات سيئة بأنقرة حاليًا. وفي ذات السياق، فإن موقف العراق الأخير الذي دعا تركيا إلى سحب قواتها التي دخلت بالقرب من الموصل لتدريب القوات الكردية في مواجهة داعش يمكن قراءته في سياق حالة الاستقطاب التي ظهرت بشكل أكبر بعد تشكيل التحالف الرباعي بين روسيا وإيران والعراق والنظام السوري حيث اتخذ هذا التحالف بقيادة روسيا من بغداد مقرًّا لمكتب التنسيق الاستخباري له. تبقى الإشارة هنا إلى تداعيات التوتر الحالي على ملف الطاقة الذي تعتمد فيه تركيا بشكل كبير على كلٍّ من روسيا وإيران، ولعل التغيير في الوقائع والاتفاقات الحالية غير مرجح لكن الأزمة الحالية قد تعطِّل اتفاقات مستقبلية، كما أن هذا يستدعي من أنقرة التفكير بشكل أكثر جدية في البدائل خاصة في حال تصاعد الأزمة.

هذا الحل الوسط قد يكون ممراً بحرياً تركيا أو عالمياً نحو قطاع غزة لإدخال المواد الأساسية (برقابة دولية)، أو “وضع خاص” يعطى للسفن ومؤسسات المجتمع المدني التركية للدخول إلى غزة، فضلاً عن تسهيل إعادة الإعمار، وهو ما يعني أن الاتفاق سيكون مرضياً عنه مصرياً في الحد الأدنى، أو سيكون ضمن اتفاق إقليمي أوسع (يشمل تحسن العلاقات التركية – المصرية) في الحد الأقصى. بيد أن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة عودة العلاقات التركية – الإسرائيلية إلى حالة التحالف الاستراتيجي التي عرفها الجانبان في تسعينيات القرن الماضي. ذلك أن حجم المتغيرات على طرفَي المعادلة كبير جداً، فلا تركيا اليوم هي تركيا الأمس ولا حاجتها لإسرائيل“ هي الحاجة نفسها، ولا يمكن تصور عودة التعاون الاستخباري —مثلاً— بين الطرفين لحالة التبعية التي كانت تعاني منها تركيا سابقاً. الأرجح، في هذا السياق، هو عودة التمثيل الديبلوماسي وتطور العلاقات الاقتصادية في قطاعي التجارة البينية والسياحة، والتعاون تحت أطر المنظمات الدولية، وخصوصاً حلف الناتو، في القضايا ذات الاهتمام المشترك، لكن باحتفاظ كل طرف برؤيته وأولوياته بل وهواجسه من الطرف الآخر.

أخيراً، لا يتوقع أن ينعكس هذا السيناريو بشكل كارثي على الطرف الفلسطيني، وخصوصاً حركة حماس. فالعلاقة بين تركيا والحركة ليست مبنية بشكل كامل على الخلاف التركي – الإسرائيلي، ولذلك فليس من المتوقع أن تتبدل بنسبة 180 درجة لدى عودة العلاقات. فالعلاقات التركية – الفلسطينية والتركية – “الحمساوية” تسير وفق أطر ومحددات عدة، منها التاريخي والسياسي والديني والمبدئي والمصلحي، ولا يمكن لها أن تنقلب رأساً على عقب بمجرد عودة العلاقات بين الطرفين.

لا تعليقات

اترك رد