بين حكومة تمُنّ وتعليم يئنّ

 

التعليم يحرس البلاد أفضل من جيش منظّم (إدوارد فريت)

*حين تكذب الكلمات تقول التّصرّفات دائما الحقيقة، بين سنة بيضاء وارتقاء اَلي، بين الحجب والرّفع والنّصب والخفض والصمت والصوت…الحكومة لا تريد سنة بيضاء ولكنّها تدفع إليها برفض التّحاور…لا تجلس إلى طاولة المفاوضات ولكنّها تريد التّفاوض.

أيّ منطق هذا؟

والمدرّسون يفكّرون، يتساءلون…حبيبتي الحكومة من تكون؟ لم نكن جبناء كافحنا من أمام ومن فوق ومن تحت الماء بلا مدد ولا سند…كافحنا ومازلنا غرباء. يشيطنون المربّى وهو أعلم النّاس بما يحاك لهذه المهنة الشّاقة التي غيّبت أكثر من مائتي مدرّسى داخل الأقسام بارتفاع منسوب الجلطات والأزمات القلبيّة.

يا أمّة جاحدة حاقدة أصابها غبش الإبصار لما تعيشه مؤسساتها التعليمية من فوضى وعنف ومخدّرات وتهميش وتلبيس وتجييش، يدفع ضريبتها المدرّس الذي يتقاضى منحة إنتاج لا تتجاوز ستّ وثلاثين كل ثلاثة أشهر…أمنحة أم محنة؟…أمّا إن أسعفته الحياة ووصل إلى المعاش. فمنحة نهاية الخدمة مجموع ما يجمعه زملاؤه لتكريمه…يا بلادا كلما عانقتها فرّت من الأضلاع…

* قيل مطالبهم ماديّة!؟ نعم يطالبون …ويحلمون…نعم يحلمون بتعليم جيّد ومدرسة عمومية ديمقراطية لا تميّز بين الأجور. فهل أنّ الرّسالة التّربويّة تمنع جيش المدرّسين من المطالبة بالعيش الكريم وحياة لائقة؟

إنّ ما يتقاضاه المدرس في بلد كتونس أضعف الأجور مقارنة بدول المغرب العربي كالمغرب والجزائر أمّا أجور المدرّسين في بلدان الخليج والدّول الغربية فأمر غير قابل للمقارنة: وعليه فإصلاح رواتب المدرّسين هو إصلاح لكل العمليّة التّربويّة ولذلك فهم الباقون وغيرهم عابرون. لهم الكراسي ولنا غيار الطبشور…لهم محافظ مشوّهة ولنا المحفظة الشريفة. تقولون وضع الدولة المالي عاجز عن تلبية مطالبكم؟ نفس التّعلّل لتكريس التّخلف، فلماذا نظام التّأجيل والمنح المسندة لأعوان وزارة الماليّة ولرؤساء وأعضاء المجلس الوطني التّأسيسي وأعوان الخارجيّة والجيش وأعضاء مجلس إدارة البنك المركزي وغيرهم تفوق ما يتقاضاه المدرّس بكثير؟

أنا أستاذ وفخامة الاسم تكفيني. أنت الفعل وأنا الفاعل والجملة بنا لن تكتمل بعنصر واحد.

كيف أردّ عليك لأعيد لك رشدك وصوابك؟ هل سرقت حلمك وحلم أبنائك في منحة جامعيّة يتيمة لأبنائك؟ هل سرقت جيبك؟ وأنا أقتطع من مرتّبي أكثر ممّا يقتطعه أصحاب الملايين لفائدة الخزينة العامّة للدولة…أنت الذي سرقت جهدي وعرقي وأعوامي. صعدت الجبال وعانيت الأهوال وأكلت الخبز الحافي. جوابك لا يهمّني لأنّ في السّماء ربّا أكرمني ورسوله وسّمني…أنا المدرّس… العزّة والكرامة عنواني. أنا الذي قالت له الحروف اِقرأ تكن وسمّي سورته بالقلم وعلّمك ما لم تعلم. أنا البداية والنهاية والبداية كانت بكلمة اِقرأ…

هل اِنقطع عنك يا حكومتي مداد الكلمات؟ وماذا حققت من إنجازات؟

ألا تبّت يداك في الحياة وبعد الممات…نحمّل الوطن مسؤولية هدر شبابه وعمرا قضيناه في الجبال في قاعة زجاج نوافذها مكسّر. وهمّ مؤونة نفذت في منطقة معزولة وصيفا تزورنا فيه الحيّات والعقارب…كيف لإصلاح تربوي أن يبدأ حين تسعون لتجويع وتأليب من علّمكم…هؤلاء هم ركيزة البناء…تدّعون مصلحة التّلميذ وأنتم تكرّمون العاهرات. !

مرضانا يقطرون أوجاعا…فلا يمكن لأحد أن يقنعنى أن مصلحة التلميذ همّه الوحيد بينما هو يسعى لإهانة رجالاته.

تعبنا من ازدواجية المعايير وظلم النخب وغلاء الفواتير وزيارة المصحات والعنف المسلّط ضدّنا…والحروب اليوميّة ضدّ الجهل والرّداءة وتردّي الخدمات. وحرق المبيتات ونهب المليارات

سلام على وجوهنا الصفراء من أثر الزّكام…سلام…سلام…سلام
على أرباب السلام…باقة ورد لسيّدي…فهو أبكاني لأضحك وعاقبني لأستقيم.
سلام على كل الذين رحلوا عنّا باكرا أو سافروا ذات فصل ولم يعودوا أبدا…
أقول الدنيا ساحة حرب فلا تركن سلاحك …حربك ضدّ الجهل والظلم والتّجنّي ولا تركن لإحساسك بسلام عابر…ففي لحظة طمأنينتك تلك تحاك لك الدّسائس.

لو بودّي أن أقدّم تعزية لزملائي وزميلاتي فسأنعيهم قبل النّعي وأترحّم عليهم قبيل الوفاة وهم يتساقطون يوميا ويغادرون…أستمع لأغنية فرنسية وداعا سيّدي الأستاذ… Adieu monsieur le professeur

فأقول قريبا أنعى نفسي فلا أمل في جيش من الرّسل لمجتمع أعمى جاهل ومهمّش.

لا تعليقات

اترك رد