الحدث الدرامي مؤشَّرات ارتباطه بالحياة ودلالاتها

 

توطئة قبل الدخول في المعالجة: إن حديثنا هنا يمتلك محورين متوازيين ملتحمي النتيجة. فهو يشتغل على جماليات الحدث الدرامي فعلا مسرحياً مخصوص الهوية ويشتغل على خطاب معرفي بطابعه المجتمعي السياسي بما يوظف الأول في مهمة التنوير والوصول إلى أهداف حيوية عامة لمجتمع العصر وتطبيقات ذلك زمكانياً حيث التجربة العراقية.

بالتأكيد من دون السماح لأيّ من المحورين بإلغاء وجود الآخر وهويته وآلياته.. وبالمحصلة يكون الغذاء الروحي العقلي هنا من التقاء أو اجتماع الجمالي الإبداعي بالمعرفي وبمعاني ذلك ثقافياً وكذلك بإطار الفكر السياسي.

واسمحوا لي أن أسجل أنّ اشتغال المعالجة لا ينحصر، بمجمل إطلالاته، بمحدد برغماتي محدود كما مطاردة الخبر السياسي العابر وتفاصيل أحداثه اليومية ولكنه أوسع من ذلك وأعمق بتوجهه نحو الفكري وتنظيراته من جهة وبما يستمد من التجاريب التفصيلية ليضع لمسات الاستراتيج وخطابه الأشمل المؤمل.. وبقدر تعلق الأمر بمعالجتنا هذه فإنني استسمحكم في ولوج الإشكالية عبر هويتها المخصوصة هنا، وهي الهوية التي تزعم وربما عن حق، أنها تدحض محاولات التسطيح والتفريغ وكذلك المصادرة والإلغاء بإفشال محاولات قوى الاستغلال في تفريغ المنجز الإنساني من مضامينه.

وبعدُ:

فإنّ دراسة القوانينِ البنائيةِ للدراما تسمحُ لنا بالتغلغلِ في جوهرِها المضموني والكشف عن تعبيرِها عن المستوى الحضاري المخصوصِ الذي قرأناه في مواضع وإطلالات سابقة.. ومن ثمَّ تمنحنا تلك الدراسة فرصةَ تلمّسِ الخلفيةِ المرجعيةِ للدراما وقربِها أو التحامِها العضوي بالحياةِ وإشكالياتِها المتنوعة.

وكما مرّ معنا فإنَّ التغيّر الحضاري يستدعي دائماً الانتقالَ من علاقاتٍ اقتصا اجتماعيةٍ معينة إلى أخرى، الأمرُ الذي يعني تحطيمَ الأوضاعِ والعلاقاتِ التي تشيخُ وإعادة بناء العلاقاتِ الجديدةِ وتعميدِها. ولعل هذا الوسطُ [الحضاري] أي حال تحطيم ما يشيخ وإعادة بناء البديل هو الأفضل لوجودِ النوعِ الدراميّ ومن ثمّ تمظهرات (الحدثِ الدراميّ) بكلِّ ما يتميّزُ بهِ من سماتٍ وتفصيلاتٍ…

فلقد وُلِد الحدثُ الدراميّ بكلِّ خصائصِهِ الجديدةِ من وحدة حركةُ الفعل مع حركةِ ردِّ الفعلِ كيما يتمَّ إنجاز مهمة حلِّ الصراعِ بينهما؛ وهو بهذا يتسم بالأهلية لأنْ يتشرَّبَ [وأنْ يُخضِعَ] لنفسِهِ الوضعيات البعيدةَ جداً (من وجهةِ نظرِ الموضوعِ أو القصة المعالَجة) بخلاف النوع الملحمي السردي الذي تبقى حتى الوضعياتِ القريبة جداً (من الحدثِ فيه) محايدةً تجاهَه.

وبينما تطوّرُ الحدث سردياً يصل من البطء حد عرقلة مساره فإنّه حتى تلك المشاهد التمهيدية التعريفية في الدراما [تكونُ] في وحدة عضوية مع الحدثِ وهي بالضرورة دافع جدي في تطوره لا في عرقلته. وإذا كانت الحياة لا تقبل التراجع بخطاها الزمنية من نقطة الشيخوخة والانتهاء إلى نقطة الولادة \ البدء والنشأة فإنّ الدراما كذلك تعبر عن ذياك الجوهر بدقة لا تسمح بالتواءات زائدة إلا إذا عبرت عن وضع إنساني (سلبي) كالذي نشهده حيث مقاومة التغيير (عبثياً)..

وهكذا تتحقّقُ في الحدثِ الدراميّ (كما الأمر في الحياة بسبب حقيقة التجسيد وانعكاس الحقيقة في التعبير) تتحقق كلُّ تلك اللحظات التي تشكلُ نقطةَ الانطلاقِ فيهِ. وهنا ينبغي أنْ نطبّقَ هذا التصوّرَ على جميعِ الأعمالِ الدراميةِ بالخصوص منها المتماسكةِ عندما نلاحظُ العلائقَ الوشيجةَ بين تفصيلاتِ العرضِ في البدايةِ (أو الاستهلالِ المسرحيّ) من جهة وبين كل خطى الحدثِ المعيّنِ التالية من جهةٍ ثانيةٍ وهو الأمر الذي يسمح لنا بالقول: إنَّ الهدفَ الوحيدَ للحدثِ الدراميَّ لا يكمنُ إلا في إعادةِ تنظيمِ الوضعيةِ الأساس، وهنا لا مجال في هذه المهمة لترقيعات إصلاحية إلا إذا كان الأمر تعبيراً عن السخرية والكوميديا بمفهومها العام كما تدلنا قوانينها..

ومن هذه القوانين الدرامية، نستفيد (واقعياً) في كشف سذاجة الفكر الإصلاحي الترقيعي الذي يعيد إنتاج ما نعيشه من أوضاع بكل سلبياتها وأمراضها.. وإذا كانت الحياة تمضي على وفق قوانين حادة صارمة فإن الحدث الدرامي يتسم بالحذر الشديد في اختيار الدوافع الرابطة بين الوضعية الأساس وبين تحطيمها وإعادة إنتاجها..

طبعا يمكنني هنا الإشارة في التجربة العراقية الراهنة، على سبيل المثال لا الحصر، إلى أولئك الذين يروجون ويسوّقون لأمرين: الأول يتجسد بالتذرّع بآلية التدرج في التغيير وأبعد من ذلك وأخطر منه، ما يجسده الأمرالثاني من خديعة خزعبلات الإصلاح بديلا للتغيير المستهدف.. وهكذا نكتشف في التجربة العراقية أنّ التحالف مع جناح ظلامي أوقع قوى التنوير والتقدم في دوامة جديدة لا تسفر سوى عن مزيد تعقيدات وفي المدى الاستراتيجي ستقيد الأوضاع بــ نير آخر للاستعباد الذي تبتغيه القوى التي تحمل أفكار التخلف والاستبداد، مهما جرى تزويقها بنية شاذجة (لتغيير جوهرها وهويتها) أو لسحب الجمهور المأسور عندها لأن التحالف زكاها لذاك الجمهور بدل فضحها له…

إنّ الفكرة في قوانين الحدث الدرامي تكمن باختيارها شديد الدقة خطاه التي نصطلح عليها بمسمى التعقيد والتطور فيه حيث بحجم الطاقة الموتيفية (قوة الدوافع) المختارة المنتخبة تتبدى قدرات الكشف وحتمية تحطيم الوضعية الأساس ومن ثمّ إعادة إنتاجها، في دلالة قوية على المعنى حياتياً واقعياً أيضا.. وهو ما لم يكتفِ بالإيحاء لنعرف دلالته تلك بل قدَّم لنا التصريح الواضح بخطورة القبول بالخديعة الإصلاحية التي لا تُصلِح بالفعل شيئا بقدر ما توهم به من خطاب، لتعيد بتلك الأوهام التي تحشّد لها، فرض ذات القوانين والنظام الاستبدادي الاستغلالي.

ولكن إذا كان الإيهام الإصلاحي وكسر القوانين البنائية متاحاً في الدراما أي إذا كان ممكنا تمرير الأوهام والأضاليل بمجرد الإقرار بفشل العمل الدرامي وننتهي منه برميه جانباً، فإن الأمر في الحياة لا يمر فشله عابراً ولا يمكن تجنّب آثاره الكارثية بل اتخاذه حلا وسبيلا يفاقم المخاطر والكوارث ويزيدها تعقيداً…

إنَّ جوهرَ الحدثِ الدراميِّ بهذا التوصيفِ يَظهرُ فقط بعدَ أنْ يتشرّبَ الوضعيةَ الأساس فيه وتندمجُ اندماجاً لا انفصامَ لهُ..ولكن التوصيفَ الدقيقَ للدراما لا يقفُ عند وضعيتِها الأساس كما فعلْنا إلى حدِّ الآن ـ بل ينطلقُ نحو معالجةِ تحقُّقِ هذه الوضعيةِ وتكييفها لفن الدراما. ولا تتمُّ هذه المعالجة أو تُنجز إلا عبر تنقيةِ الدراما من كلِّ ما لا يمكنُ أنْ يتحققَ في الحدثِ حتى لو كان هذا على حسابِ المادةِ الخام ( أو المصدر المرجعي).

وما يترتب على هذا التفسير هو كونُ الحدثِ الدرامي وتصادماته يكونان (مخدومين) من المشاهِدِ التمهيديةِ مثلما يكونان في خدمتِها.. طبعاَ َ لا يكون هذا إلا انطلاقاً من وحدةِ الفعلِ ونقاءِ مكوّناتِهِ وأجزائِهِ. بمعنى وصول الحدث إلى الحل ممثِّلا لوضعية أساس جديدة بديلة للوضعية السابقة.

فهل لدينا بواقعنا الذي اخترنا نموذجا له التجربة العراقية، شبيه في رسم التحالفات والخطى الدائرة في إطار الصراع المجتمعي بين التنويري والظلامي في الفكر الفسلفي أو بين منطق الخرافة ومنطق العقل العلمي ومن ثمّ بين السياسي التقدمي الإيجابي وبين قوى التخلف والرجعية والاستغلال الأبشع؟

معروف كيف تتبدى قوى الاستغلال كالحرباء وتتقسم على أجنحة كل جناح يغطي مرحلة ويلعب دوراً، ليعيد إنتاج النظام (الاستغلالي) وما يخدم هذا الفعل ظاهرة التخلي عن النيران الحامية التي يسلطها مسار الحدث الدرامي حتى تنقلب الوضعية الأساس أو واقعياً حياتياً التي تسلطها قوى التنوير حتى تسطع شمسها وتصل كل الزوايا المعتمة وتنير العقول لتجذبها للفعل ولمهمة التغيير…

ما يجري فعليا أن واحدة من أهم قوى التنوير وقعت بعبثية الخيار وهي تواصل اليوم مسيرة التحشيد لمشروع لا ترى كيف تدفع بوساطته البلاد والعباد لتجديد إنتاج نظام النهب والسلب والتقتيل المافيوي بذريعة تجنب ضغوط التوازنات ووهم جذب هذه الفئة أو تلك ولكنها بالحقيقة تقيد تلك الفئة وتأسرها لدى قوى التضليل بسبب تزكيتها لها على خلفية التحالف معها..

وفي ضوء هذهِ القراءة فإنَّ مغزى الدراما وحدثها يتمثلُ من ناحيةِ أهميَّتِها العامةِ لا “بالتغني” الولهان والهادئ المتوافق مع الوضعية الأساس بمعنى مع الواقعِ القائمِ في حركتِهِ المنسجمة مع نظامه وآليات استعباده الناس، ليس بمهادنة والاسترخاء بل في “استنطاقِ” القوى التي لا تبدو في حالتِها المستقرةِ إلا مؤقتاً أي بحدود الوضعية الأساس دراميا، ما يعني أيضا تمثلها في الكشفِ عن الإمكاناتِ التي تنطوي عليها هذهِ الوضعية من أجلِ التغييرِ أو هدمِ ما شاخ واستنفد تخريبه ومن ثم إعادةِ التكوينِ مجدداً.

في حين أن كل ما رتبَّه ويرتبه بعض ساسة التنوير من وهم التحالفات المرحلية وتضخم المصطلحات وتوظيفها في غير مواضعها السليمة كما الكتلة التاريخية إنما يدخل ببنية الكوميديا التي تخرج بنا عن قوانين الحياة مثلما عن قوانين الدراما التي نتحدث عنها هنا، وتورطنا في أخطاء استراتيجية ما بعدها قائمة إلا بآلام وتضحيات جسام مضاعفة أكثر.

إنَّ العودة إلى معالجةِ حركةِ الحدثِ الدراميّ يذكّرُنا بطبيعتِهِ المركّبةِ؛ فهي حركةٌ مرهصة تتطلعُ بعينٍ إلى الأمامِ وفي الوقتِ ذاتِهِ، هي حركةٌ استرجاعيةٌ تنظرُ بالعينِ الأخرى إلى الخلفِ. فالحدث الدرامي يسيرُ باستمرار نحو خط النهايةِ كما خط الزمن في حيواتنا؛ يسير إلى حيث حلّ العقدةِ، غير أنّه يظلُّ طوال سيرِهِ هذا ملتفتاً إلى الخلفِ حيث توجد الوضعيةُ الأساس الأولى التي ما أنْ يصلَ بها إلى النهايةِ حتى تتحطّم وتُستَبْدَل بهذه الصورةِ أو تلك.

والسؤالُ المهم الذي يطرحُ نفسَهُ هنا هو: كيف وبمساعدةِ أيّ مصادر فنية يتحقّقُ مثل هذا الحدث النوعي الجديد (أي الحدث الدرامي)؟ وكيف تتبدى دلالاته في التجربة الحياتية؟؟؟

أما الإجابة الموجزة، فتؤكد كون هذهِ المصادر لا تختلفُ بشيء عن تلك التي يتحققُ بوساطتها الحدثُ في الأعمالِ السرديةِ؛ فأنواع القراراتِ والعلاقاتِ المتبادلةِ بين شخصيات الأثرِ الأدبي وأشكال التصرفاتِ والسلوكِ المتباينِ لتلك الشخصياتِ هو ما يتحقق بوساطتِهِ الحدثُ في الأنواعِ الأدبيةِ بعامة وطبعا وبالتأكيد بمنطق الحياة وإنْ حدث بتعبيرات جمالية وبضوابط إبداعها؛ إلا أنَّ الشرطَ المميّزَ لحصولِنا على الحدثِ الدراميِّ، هو ذلك التأثير المتبادل أو العلاقةُ المتفاعلةُ بين جميعِ لحظاتِ أو حلقاتِ الحدثِ. فكلُّ حلقةٍ فيهِ هي نتيجةٌ ومقدمةٌ في آنٍ واحدٍ؛ وهكذا نجابِهُ هنا خصائص توترِ الحدثِ الدراميِّ وديناميتِهِ وقوةِ تطوّرِهِ العاصِفِ. فكلّ لحظة لا تكشفُ عن كونِها نتيجةٌ تمتدّ جذورُها وارتباطاتُها بما كان (أو بالماضي).. وإنَّما تكشفُ بقوةٍ ووضوحٍ عن إرهاصاتٍ تتحققُ في اللحظات التاليةِ؛ ما يقدِّمُ لنا سلسلةً مترابطةً في تعاقبِها ترابطاً سببياً. وفي ضوء هذا التعاقبِ السببي فإنَّ كلّ حلقةٍ في هذه السلسلةِ تكونُ أوسع وأغنى من سابقتِها بالضرورة بفضلِ التفاصيلِ المضافةِ.

واختزالا للمعالجة نقول إنّ ما يهمنا ختاماً لهذه الإطلالة أن نؤكده هو دلالة قوانين الحدث الدرامي بوصفها ذات مرجعية واقعية حياتية حتى لو كان الأمر افتراضياً إبداعياً ومعطيات منجز التجربة الدرامية ربما بما اسماه الأغريق التطهير وما قد نسميه نحن الكشف والاستفادة مضمونيا في سبيل تفعيل قدرة الفعل فينا للخلاص من أوهام لا تستقيم ومنطق العقل العلمي.. أي في الكشف عن قوانين الحياة بسلامة وجرأة وشجاعة في اتخاذ القرار حيث تضحياته حينها أقل وإنجازه أكبر يوم لا نخضع لعبث تحالفات مشوشة مضلِّلة ويوم نمضي باستقلالية هي القوة وهي الفعل…

لأن خيار تحالف مع جناح ظلامي على سبيل المثال من بين قرارات أخرى يمثل كسراً لقوانين الحدث الدرامي المنعكس عن قوانين الحياة وخط الزمن وحركته إلى أمام فتثار العقبات والتلكؤات ولكن بمصائب جسيمة في الحياة وليس كما نقرأ العبارة ونعبرها.. وبخلاف ذاك التحالف تضيء الاستقلالية بسطوع ووهج يراه أبعد من أسرته الظلمة وقواها، فنتقدم كما تؤكد لنا التجاريب وقوانينها مثلما تجاريب قوانين الحدث الدرامي…

ذلكم هو الدرس وعسى يعيه بعض من أخطأ وحاد بعيدا عن السلامة والصواب من التنويريين، عسى يدركه لاتخاذ قرار دقيق في تلك الورطة المحنة وللخروج منها بأقل الخسائر.. و عَوْد على بدء، فإن التمسك بقوانين الدراما وفلسفتها هي الدلالة التي يُفاد منها حياتيا واقعياً، فمعالجتي لا تتحدث عن جزئية هامشية من تفاصيل المسرحية وبنيتها وقوانينها بل تتحدث عن جوهر فلسفي لمعانيها ودلالات تجربتها..

ولسنا في هذا أول من تحدث فيها؛ ففلاسفة الأغريق وعدد من منظري عصرنا بحثوا في القضية وأفادونا لولا نسيان بعضهم تلك التجاريب وجواهرها الفلسفية المهمة، نسيانها ربما بسبب فقر التجربة و\أو بالابتعاد عن غنى قيمها، فيما لو تشربوها كما يتشرب الحدث الدرامي عناصر سابقة فيه، لينتصر لعناصر جديدة آنية إليه…

وإلى لقاء في الإطلالة التالية بذات المنحى، بانتظار التفاعلات وربما الأسئلة أو أية ملاحظة وإشارة….

لا تعليقات

اترك رد