الديمقراطية حين تولد ميتة


 

مرة اخرى ارى ان ما يكتبه الاخرون في العالم الحر، وما يفكرون به لاينطبق علينا كعرب من قريب أو بعيد ، واستطيع القول اننا في اغلب الوقائع لسنا سوى فئران تجارب بالنسبة للعالم المتقدم، وارضنا الشاسعة (المقدسة) ليست سوى مختبرا لها، وربما واحد من اهم الادلة على ذلك هو اننا كعرب نقع في صلب تفاصيل حملات الانتخابات الاميريكية مثلما حدث اخيرا وفاز الاشقر خليفة المسلمين بسبب كل ثرثرته التي تحولت لاحقا الى قرارات وافعال بشاننا وبشان اموالنا ونفطنا الذي سيوظفه لتحقيق التنمية في اميركا واستحداث وظائف للعاطلين وغيرها مما وعد به، ففي حملته الانتخابية كرر كثيرا ان سياخذ منا ثمن حماية اميركا لبعض نظمنا وها هو قد فعل، ولكنه لم يكتف بل توعد اخيرا في مؤتمره الصحفي مع الرئيس الفرنسي باجبار العرب لانهم اغنياء دون استحقاق على الدفع كثيرا وكثيرا، واعتقد ان نجاحه مضمون في هذا المجال، على عكس فشله التام بابتزاز كوريا الجنوبية بسبب حكمة قادتها وشعورهم بالمسؤولية تجاه شعبهم..

يرى بعض مفكري الغرب ان عصر الانقلابات قد ولى وهذه حقيقة واضحة، ولم يعد يخيف الانظمة الحاكمة ان يغامر احد القادة العسكريين بقلب نظام الحكم، فالعالم اصبح قرية صغيرة ورؤوسها ورؤساؤها ليسوا في العاصمة المنقلب عليها، وقدموا افكارا مهمة عن تداعي الديمقراطية وموتها، وضربوا امثلة لبلدان تراجعت فيها الديمقراطية مثل (جورجيا وهنغاريا ونيكاراغوا وبيرو والفلبين وبولندا وتركيا وأوكرانيا، أو في الحالات القديمة مثل إيطاليا وألمانيا والأرجنتين وبيرو)على حد ماورد في دراساتهم وبحوثهم.. وكانت احد اهم التعليقات التي وردت عن افكارهم هي ان كل قاريء واعي لمثل هذه الافكار سيتخذ من ترامب مثلا لمرحلة تداعي الديمقراطية ، وهناك ادلة كثيرة توحي بذلك باعتباره قد اتخذ ذات الخطوات التي سبقها غيره اليها في تقويض السلطات المنافسه له كالاعلام والقضاء والسلطة التشريعية عبر حيل واساليب كثيرة قد تكون مسالة حصوله على اموال العرب اهمها واكثرها تاثيرا وتعضيدا لقوته..

هؤلاء المفكرون يعتبرون ان الخوف على الديمقراطية اليوم ياتي من السلطة المنتخبة ذاتها، فكل الديموقراطيات التي تراجعت كان سببها ان النخبة المنتخبة قد قوضت المؤسسات الديموقراطية وانهت دورها وسيطرت عليها، وليس السبب ان الشعب مل من الديمقراطية ويبحث عن الجديد، او ان مغامرين يحاولون تغيير الانظمة..

هذه الافكار والمعالجات تتحدث عن بلدان عريقة في نظمها، لديها من التحصين والحماية الذاتية الكثير مما يمكن الاعتماد عليه، الدساتير المحترمة والمصانة،وسائل الاعلام الحرة ، الاحزاب المنافسة، قوى ومنظمات المجتمع المدني، الرقابة والقوانين التي تتيح حق الاعتراض وحفظ الحقوق، القضاء الذي لاسلطة عليه، واخيرا الوعي الجمعي والتراكم المعرفي والسلوك الاجتماعي، فالديمقراطية التي حققت للعالم الحر الكثير من فرص السعادة والرفاهية والعدالة والحياة الحرة الكريمة، يُكتَشفُ الان انها بعيوبها الحالية تؤكد مقولة ارنولد توينبي (الديمقراطية هي السوء الأقل بين الأنظمة السياسية التي عثر عليها الإنسان ) اذ انهم يعتقدون ان ليس بامكانها ان تحقق اكثر من ذلك وان على العالم ان ينتقل

الى نظام يحقق مشاركة اجتماعية اوسع ورقابة متبادلة بين الدولة والمواطن ، فكيف بنا اذن نحن الذين لانملك من الديمقراطية الا صورة بائسة بالاسود والابيض؟..

لاتوجد في تلك البلدان التي تخاف موت ديمقراطيتها مرجعية دينية تسيطر على عقل ووعي المواطن فتقوده باي اتجاه تشاء.. ونحن عندنا؟..

لاتوجد هناك ميليشيات تجعل من ولائك لها مصدر رزقك واعالة اولادك وضمان امنك وقوتك وسطوتك على الضعفاء امثالك.. ونحن عندنا؟..

لاتوجد هناك احزاب تتفاخر بعمالتها وبيعها للوطن وفسادها الذي تواصل الاستثمار فيه وتعتمد على دعم المواطن لها .. ونحن عندنا؟..

لايوجد هناك شيخ عشيرة يرفع حمايته عنك ان لم تطعه وتمتثل لرغباته.. ونحن عندنا؟..

لايوجد هناك برلمان يفخر بفساده ويجاهر به ..ونحن عندنا..

لايوجد لديهم انبياء مرشحون للانتخابات ونحن عندنا، فقد ادعى مرشح في العراق انه نبي وان الله امره بدخول البرلمان، ولكن الله لم يمنع السلطات من اعتقاله..

لايوجد لديهم مبشرون يزورهم النبي في المنام ويامرهم بالترشح للانتخابات ونحن عندنا..

ولكن من محاسن الصدف عندهم انتخابات حرة ونحن ايضا ولكنها ليست حرة..

فاذا كانوا يخافون على ديمقراطياتهم من التاكل، فنحن والحمد لله قد اكلتنا الديمقراطية و(اكلناها)؟..

فاذن مالداعي لان نهتم بما يفكر به الاخرون، او ان نقرأ ما يكتبون، مادمنا نعيش في كوكب بعيد جدا عن كوكبهم؟…

هناك سبب واحد ربما يدفعني للاهتمام بما يفكرون ويكتبون، هناك نظرية خاصة اسماها توينبي ( التحدي والاستجابة) وملخصها ان الفرد حين يمر بصدمة ما فان رد فعله اما ان يكون سلبيا فينطوي على ماضيه ويتمسك به واما ايجابيا فيتغلب على الصدمة ويندفع الى امام والامثلة الحاضرة في كلا الحالتين نحن العرب في الجانب السلبي واليابان والمانيا في الجانب الايجابي..

لا اعتقد ان هناك امة قد تعرضت لصدمات وليس لصدمة واحدة اكثر مما تعرضنا له كعرب ، وشخصيا يوم احتلال العراق كنت ارى العراقي كما ارى نفسي مصفوعا على وجهه وفاقدا لوعيه يهيم بكل الاتجاهات، وكنت انتظر رد الفعل الايجابي فاذا به سلبي حد النخاع، فنحن لم نعد الى الماضي وتمسكنا به وانطوينا عليه وعلى انفسنا فقط، بل ابتدعنا تاريخا عجيبا من الخرافات والاساطير حد الجنون..

فهل يتوجب علينا ان نخاف على ديموقراطيتنا من الموت وهي في الاساس ولدت ميتة؟..

المقال السابقفقدنا الدفء والعلاقات الانسانية
المقال التالىذاكرة السمكة
حسن متعب كاتب واعلامي عراقي ولد ببغداد في 13 شباط فبراير 1959 عضو اتحاد الأدباء والكتاب في العراق منذ العام 1980. نشر العديد من القصص القصيرة والدراسات الأدبية والمقالات السياسية في الصحف والمجلات العراقية والعربية عمل في الإنتاج التلفزيوني وانتج مسلسلين الأول عن السيرة النبوية والثاني للاطفال باسم ....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد