” حكاية النزوح السوري “

 

حكاية النزوح السورية من الحكايات المحزنة لأنها تمت بأيد سورية مرتبطة بأجندات خارجية لها أهدافها المحددة الجاهزة للاستثمار ضد الحكومة السورية في وسائل الإعلام العربية والأجنبية وخاصة تلك المؤسسات الاعلامية المرتبطة مباشرة بالحرب على سورية .

لطالما كانت سورية بلدا آمنا على مدى خمسين عاما ولطالما كانت سورية ملجأ الجيران من فلسطين ولبنان والعراق وتركيا ولطالما استقبل السوريون النازحين في بيوتهم من دون شكوى رغم الظروف السياسية والاقتصادية الضاغطة على مدى خمسين عاما.

ربما كانت سورية من الدول الفريدة التي عاملت النازح الفلسطيني بنفس الحقوق والواجبات للمواطن السوري وحافظت على مبدأ عدم التجنيس حفاظا على حق الفلسطيني بالعودة إلى وطنه الأم . كما حفظت سورية على مبدأ استقبال النازحين من لبنان أيام الحرب الأهلية التي استمرت ردحا من الزمن واستقبلت الكثير من المهجرين الأكراد من تركيا أثناء الاضطرابات في ذلك البلد وفي حرب العراق الأولى والثانية استقبلت سورية حكومة وشعبا الكثير من النازحين العراقيين وسمحت لهم بالعمل مثلهم مثل المواطنين السورين في أكثر من مجال. وسورية لم تمنن الجيران بما قدمته لهم يوما رغم الأعباء الكثيرة والظروف الاقتصادية الضاغطة .

وتأتي الحرب على سورية لتشرد الملايين من السوريين في أكثر من مكان . وحكاية النزوح السوري تنقسم إلى شقين أساسيين :

النزوح الداخلي نحو المناطق الأمنة التي تسيطر عليها الدولة السورية وهو على نوعين :
نزوح تتكفل به الدولة حيث تسجل الأسماء لدى المنظمات والمؤسسات المختصة ويسكن في أماكن تؤمنها الدولة كالمدارس والنوادي الرياضية والمؤسسات التعليمية ويقدم له العون وفق برنامج مخصص

نزوح عشوائي اختياري حيث يذهب كل نازح كما يريد كأن يشتري منزلا جديدا أو يستأجر منزلا أو يباشر عملا جديدا أو يتابع عمله من المدينة الآمنة التي نزح إليها ويقدم لهذه الشريحة نفس المعونة الشهرية التي تقدم لكل النازحين .

النزوح الخارجي إلى دول الجوار وهذا النزوح ينقسم بدوره إلى قسمين أساسيين :
نزوج خارجي مخطط له مسبقا وطوعي : حيث انتقل الكثير من أسر المسلحين والمرتبطين بأجندات خارجية والمضللين إلى معسكرات أقيمت في تركيا والأردن ولبنان . وقد تم تركيب الخيم بشكل مسبق لكل العائلات النازحة . كانت الدول الراعية للتمرد المسلح تهتم بهذه المعسكرات وتعرضها على شاشات التلفزة وتشرح عن مزاياها في برامج وسهرات حوارية على منصات وسائل الاعلام المضلله. وكانت الدول المضيفة للمخيمات والمعسكرات تستحضر زيارات منظمة لشخصيات عالمية وتستجدي التعاطف للترويج للمأساة السورية من وجهة نظر المجموعات الإرهابية المسلحة . وبدأت بعض القوى على الأرض في بلد الاستضافة تحول هذه المخيمات إلى معسكرات اعتقال واعتداء على الحرمات والترويج للمخدرات وتجارة الجسد وكل الأعمال غير المشروعة ومنعتهم من الخروج من هذه المعسكرات حفاظا على سلامتهم ومنعتهم من العمل والاكتفاء بما يقدم لهم من مساعدات .

نزوح خارجي قسري: وهو النزوح الطارئ في المناطق الحدودية الناجم عن الأعمال الإرهابية والأعمال الحربية في مناطقهم حيث ينزح الأهالي بشكل عشوائي إلى أقرب مناطق حدودية ويتكون نسيج النازحين من أهالي الإرهابيين أو الأهالي المدنيين الذين استطاعوا الفرار نتيجة الأعمال الحربية والقتالية في مناطق تواجدهم كما حدث في المناطق الحدودية مع لبنان وبعض المناطق مع الأردن وهؤلاء النازحين معظمهم غير مسجل كنازح في القيود الرسمية في الدول المضيفة بل يعيشون في تجمعات منفردة أو عشوائية أو في بعض المدن .

وهناك نزوح آخر له أسبابه نحو دول الاتحاد الأوروبي يأتي في طليعته نزوح الخبرات العلمية والكفاءات والأطباء والمهندسين ونزوح لأسباب عقائدية تتكفل به منظمات مرتبطة بمؤسسات دولية أو مالية أو سياسية لاعتبارات تصب في مصلحة الدول المضيفة وتجمع النازحين في معسكرات اعتقال موجه له غايته النهائية .تشير احصاءات المنظمة الدولية للاجئين إلى هناك حوالي ستة ملايين ونصف مواطن سوري نازح عن مدنه وقراه يتوزعون داخل سورية وخارج سورية ويتركز معظمهم في المناطق الآمنة التي تسيطر عليها الحكومة السورية وتشير بعض الإحصاءات الأممية إلى وجود حوالي مليون ونصف من بين هؤلاء النازحين يعيشون حاليا في خارج سورية في دول الجوار ودول الاتحاد الأوروبي ودول أفريقيا .
ومن يشاهد صور القرى والبلدات المهدمة على التلفاز وفي وسائل الاعلام يدرك معنى الحرب الظالمة التي تخوضها قوى الارهاب ضد وجود الدولة السورية وكينونتها المدنية ويدرك أيضا حجم الدمار المنظم الذي يعيد سورية للعصر الحجري وفق ما أعلنه رعاة المجموعات الإرهابية في بداية الحرب وتحديدا في عام 2011 . هذا النوع من الحرب المنظم وحرب الشوارع يجعل الحياة الطبيعية مستحيلة حتى على الكائنات الحية الأخرى وهذا أحد أساب النزوح عن مناطق العمليات الحربية والعسكرية التي يسيطر عليها الإرهاب .

ولهذا السبب كانت الدولة السورية ترغب في تحييد المدنيين عن مناطق الاشتباك المسلح حفاظا على أرواح المدنيين وكانت تفتح ممرات للعبور الأهلي الأمن من مناطق الاشتباك المسلح وفي معظم الأوقات كانت هذه المجموعات الإرهابية تمنع خروج الأهالي من المناطق التي تسيطر عليها وكانت تعتبرهم دروعا بشريا في وجه الجيش العربي السوري وحلفائه وفي ذات الوقت كانت المحطات الفضائية والوكالات الاعلامية تملأ الأثير ضجيجا بقضية النزوح السكاني والترحيل القسري من مناطق الاشتباك المسلح إلى أماكن أخرى . فما حكاية الترحيل القسري؟

حكاية الترحيل القسري:
حكاية الترحيل القسري خبز يومي يتناوله أعداء الحكومة السورية عبر نسج منظومة متراصفة متراصة من المغالطات الفكرية والمنطقية في بعض الوسائل الاعلامية وعددها ليس بالقليل . بدأت حكاية الترحيل القسري مع بداية التمرد المسلح ضد الحكومة السورية حيث بدأت المجموعات الإرهابية بحملة تطهير عرقي وديني في المناطق التي استولت عليها وبدأت بأعمال القتل والاعتقال والخطف القسري ضد من يخالفوها الرأي من كل الطوائف لكنها ركزت على التطهير العرقي والديني ومحاربة الأقليات وترحيلها عنوة أو إجبارها على ممارسة شعائر دينية لا تخصها وفرضت الجزية على الأغيار . كان الهدف من ذلك اضفاء صبغة الحرب الأهلية بين الطوائف السورية تغطية واخفاء للتدخل المخابراتي الأجنبي وهذا الهدف لم يتحقق للمجموعات الإرهابية ومشغليها على الساحة السورية لسببين : الأول هو أن النزوح الكبير كان من مناطق سيطرة المسلحين إلى المناطق التي تسيطر عليها الدولة السورية بغض النظر عن العرق والدين وهذا ساعد الدولة السورية في محاربة فكرة الحرب الأهلية . والثاني هو أن نسيج الجيش العربي السوري الذي يحارب الإرهاب مكون من كل الطوائف السورية وبالتالي فقد التهجير القسري قيمته من المناطق التي يجتاحها الإرهاب وتأكدت رؤية الدولة السورية بأن الحرب هي حرب على وطن هدفها تدميره وليست بأي حال من الأحوال حربا أهلية .

حكاية الباصات الخضر تضحك السوريين من كل الطوائف لأنها ملك للدولة السورية وبها تم نقل المسحلين الذين رفضوا المصالحة الوطنية مع الدولة إلى المناطق التي تناسبهم في إدلب وجرابلس السوريتين . يحاول الإعلام المضلل وخصوصا الاعلام الخليجي تضخيم ترحيل المسلحين وعائلاتهم إلى مناطق أخرى يختارونها بالاتفاق مع الدولة السورية عبر استخدام منظومة المغالطات المنطقية وتكرارها في كل النشرات الاخبارية تقريبا . فما حكاية ترحيل المسلحين إلى مناطق جديدة ؟ وما هي تداعياته ؟ وما هي الرؤى المستقبلية لهذا الترحيل ؟

بدأت عملية ترحيل المسلحين مع بداية مشروع المصالحات الوطنية التي تقوم بها وزارة المصالحة الوطنية مع الوجهاء المحليين والوسيط الروسي . يتم الاتفاق بين المسلحين والحكومة السورية على شروط محددة يختارها الطرفان ويتم تنفيذها وينص كل اتفاق على بند ” تلتزم الدولة السورية بتسوية الأوضاع القانونية لكل من يرغب من المسلحين بتسوية وضعه القانوني والعودة إلى حضن الوطن وممارسة حياته الطبيعية .” ولكن هناك قسم من المسلحين لا يرضى بالتسوية السياسية والقانونية لوضعه الطبيعي وتختار طوعا الرحيل إلى إدلب أو جرابلس وتتعهد لمشغليها بمحاربة الدولة السورية حتى الرمق الأخير . وعندما يأتي دور إدلب وجرابلس ستحدث المصالحات وسيعود هؤلاء المهجرين إلى حضن الدولة لكن بعد أن تحترق أوراقهم الأخيرة .

السؤال الذي يطرح نفسه هو أيدري هؤلاء المسلحون أي تجارة مربحة تجري من خلف ظهورهم ؟ أيعلمون مقدار الضرر الذي سببوه للوطن ولعائلاتهم ؟ يحتاج هذا السؤال إلى جواب من شخص تورط في تدمير وطنه ثم ندم ليروي لنا حكايته في الصراع على سورية بعد أن تدخل التسويات الكبرى حيز التنفيذ.

لا تعليقات

اترك رد