بغداد وقد انتصف الليل فيها .. حكاية المرأة العربية تفتح سرديات شهرزاد مجددا

 

يجذب انتباه الوسط الثقافي طابع رواية الكاتبة التونسية السيدة حياة الرايس وهويتها، منذ أول وهلة لمصافحة العنوان. فالكاتبة تلتقط بذكاء خيارها لروايتها السيرية عبر عنوان:”بغداد وقد انتصف الليل فيها”. وكأنّها تريد الإحالة إلى حكايات بغداد وشهرزاد ولربما طبعاً بإشارة وإنْ خفية إلى شهريار الذي تميط لثامه في سرديتها.. الممتع والملفت للنظر أنها تقدم سرديتها بوقائع وأحداث لا تقف عند بغداد بجغرافيا المكان.. فهي تتوزع بين تموضعات متعددة بأمكنة وفضاءات كثيرة التنوع، ما قد يطلق التساؤل: وكيف استطاعت الجمع بين تلك الشذرات؟ وما آليتها ونهجها الروائي في ذلك؟

ولكنني شخصياً في هذه الجولة بمحاريب تلك الرواية لستُ معنياً باستعراض قوانين الرواية ولا بالإجابة نيابة عن النص، بقدر ما وددت حقيقةً استنطاق فصولها ودلالاتها الجمالية والمضمونية وكيف يقرأ ساردٌ أو راوٍ ميدان روايته ووقائعها، عندما تكون محكومة بذياك العنوان الملفت؟

ولربما تخيَّل امرئ أن البحث في المضامين والمسميات البغدادية نهاية السبعينات وعقد الثمانينات ستقوده لمناطق جهنمية الأثر كما تؤكد الذاكرة وتجاريبها في إشارتها إليه. وقد يتبادر إلى ذهن قارئ هذا المنجز السيري، أسئلة مستفزة، هي أدخل في الخطاب السياسي الضيق، مما يقبع وراء قضبان اختلاق الاتهام وإجراء المحاكمة في ظل هيستيريا بعبع النظام الذي حكم بغداد في زمن الرواية وهكذا يُقاد ذاك القارئ تحديداً نحو ممارسة خطاب التكفير السياسي وإيقاع قرار الإعدام الذي سيكون رديفا معتاداً لكل أشكال التكفير وما يفرضه من مواقف مسبقة عمياء، من دون تحقق وتمحيص قضية و\أو اطلاع وافٍ على إشكالية بعينها…

لكن حقيقة هذا العمل الإبداعي غيرها تلك التي تقود إليها الأحكام المحتقنة المسبقة؛ فالرواية إذ تُظهر بعض أسماء وتصف بعض وقائع ومواقف إنما تصور ما جرى فعليا بينما تخرج مواقف الشخصيات بأداءات مهمة في معانيها ومقاصدها، هناك بعيداً حيث فضاءات جغرافية أخرى غير بغداد وغير ما جرى فيها.

حياة الرايس، تكتب سيرتها وكأنها تلخص الشخصية النمطية أي تلك التي تُفصح عن طبقة أو فئة أو وجود إنساني وهنا كما لو أنها تكتب سيرة امرأة تختزل نساء بلدان منطقتنا وشعوبها في التعبير عن الهموم والمواجع وفي محاولة البوح والكشف وصبّ رؤية تعبر عن إرادة المرأة اليوم، مرة وهي الإنسانة العاشقة للحياة بكل تفاصيلها ومراحل نموها، بعيداً عن التناقضات الموضوعية وما يرافقها من صراعات ومعضلات الوجود ومرات أخرى هي متجسدة حيث الشخصية التي تكشف أوجاعها وما علقت به في خضم تلك الصراعات والعلاقات الموضوعية واثرها في الذاتي.. إنها تظهر هنا مرةً بسلبية رد الفعل وبتلقائية تنتمي لما أنتجت مجتمعاتنا من شخصية نسوية وأخرى بإيجابية فاعلة واعية ومدركة لخطواتها ولما تريد إنجازه تكويناً للشخصية وتقدماً بها نحو آفاق تكسر قيود الماضوية.

ما يقرأه متلمس تلك الصفحات المنسابة يتمظهر عبر ذاكرتين: واحدة تعبر عن سجل مذكرات واقعية لسيرة شخصية حياة تنمو بين تونس وبغداد وأخرى مبتكرة متخيلة حيث صبَّت سردها بقوالب روائية ممتعة بما يخضع لمشرط التنظير والتطبيق النقدي.. وتلك الثنائية كسرت جفاف الواقعي ووقوعه في خانة ذكريات خاصة ربما تعني قارئاً آخر غير قارئ النص الإبداعي، وهذا الكسر هو الذي منحنا رواية بقيمها الأدبية التي نبحث عنها وبعمقها الجمالي غني المضمون؛ ما يعطينا فرصة الاطلاع على معالجة الأدب لوقائع السيرة بخطة مخصوصة بالأدب نفسه وخطابه.

ولكنني لا أزعم أن النص متخيل أدبي سردي عابر بلا وثيقة أو شهادة تاريخية بل هو بحق يبقى تلك الشهادة التي يمتاح عبرها الدرس العلمي السوسيو سياسي فرصة قراءة زمن أحرقت أصابع الجريمة عن عمد وسبق إصرار وقائع مهمة بكل تناقضاتها السلبي والإيجابي منها.

ها هي حياة ترفض أن يجري تنميطها بين أن تبدأ خطيا زمنيا أو تقلب الخط حيث تستعيد من نهايته حكايتها إنها تفتح النار على جبهات بمختلف الاتجاهات فهي لأول وهلة تضع قدمها على أرض تشعر بغربتها فيها وهي تلتفت وراءها حيث طفولتها ومسارها السابق ثم هناك بين ثنايا صوت شهرزاد تقارع شهريار بما يناظر مقارعة جديدة مازالت تنسج حكاياها في عمق الزمن وتاريخ ثقافة ذكورية لم تنتهِ تشوهات فروضها..

لم تتردد في البوح بالقلق الذي ساورها واقعيا وحجم الخشية بكل خطوة سواء حيث سارت بها العربة لتقلها من مطار بغداد إلى الأقسام الداخلية أم وهي تدلف غرفتها التي ستصير رقما بمبنى كما السجن وزنازينه ولوائح التحكم فيهما. غير أنها كانت تفعِّل بكل لحظة وخطوة قواها تلبية لقرارها الجريء في تغيير مسار حياتها وتوجيهها بإرادتها..

وفي ثنايا ما كان يعتمل ذاتياً نفسياً كانت تغتنم الفرصة لتمنح القارئ صورة تسطر بها أين وُلِدت وكيف عاشت؟ وتعرّفنا بأنها الشخصية التي درست في الكتاتيب التي كرهتها بالقدر الذي امتاحت منها معجمها الأول وهي التي كانت تفلت من واجباتها لتستكشف بطون المكتبات وأمهات الكتب فيها وتتعرف إلى طلاسم مدينتها لتفك خطابها المتخفي وراء زمكان الإنسان.

وبكل ما حملته من أحلام ورؤى مستوحاة من مرجعية ألف ليلة وليلة، تدخل بغداد لتصفعها الخطوات الأولى بروائح تنبهها على الواقع الذي جاءت إليه بقدميها: بُهتت المرأة التي استقبلتها وبعفوية خطاب وبساطته صاحت: خطية تونسية غريبة! وأين تقع تونس هذه؟ بعيدة أليس كذلك؟ مثل هذه العبارة تشي بالفارق بين حلم شهرزاد وأسطورية بيئتها وواقع حياة وتركيبية الفضاء الذي حطت طائرتها على مدارجه…

هنا تبدأ الرحلة حيث التنبيه المشدد على الحذر من الكلام في السياسة، فالبيئة المحيطة بتونس ومنها العائلة كانت اطمأنت إلى الدين والقيم المتشابهة لكنها طبعا لم تجد في الوصايا غير التنبيه إياه.. الوقائع هي هي، وداع عائلي معروفة تفاصيله، لكن ما يميزه هو أن هذه الفتاة التي كونت أوليات شخصيتها هي الأولى بحياة تلك العائلة التي تغادر إلى الغربة.. لعل ذلك مفردة مضافة للتعرف إليها فردياً لكن أيضا للكشف عن الموقف التقليدي المحافظ لقسم مهم من المجتمع التونسي ممن رفض مجلة الأحوال الشخصية البورقيبية…

وبسياق السرد وحركة حبكته سنجد حياة الكاتبة والشخصية المندمجة بالرواية السيرية تلك لا تغادر البحث والتقصي في وصف المرأة التونسية عبر شخصيات أحاطتها مباشرة في عائلتها (المحافظة). لتؤشر ربما بغير انتباه على أنها قرينة ونظيرة لأمها بقوتها في مجابهة مواقف وبضعفها في مجابهة مواقف أخرى.. مع قراءة مواطن القوة والضعف عند المرأة في ضوء ظروفها.. أليست هي من ستقدم لنا المرأة العربية هنا بحكايا وجودية تتكلم على مسار الأنثوي بمقابل الذكوري؟

حياة الرايس تغضب لأن التصور المسبق عن بلدها وأهله يتوهم أن التوانسة لا يتحدثون العربية! في إيماضة صريحة للموقف الوطني بله الهوية الوطنية عند حياة. إنتلك المواقف المسيقة المشوهة ليست مجرد إشكالية لغوية ولكنها إشكالية أعم تؤشر موضوع الانتماء والهوية والعلاقة بالوطن وجوداً إنسانيا مخصوصاً فضلا عن تركيبة معقدة من هوية التفاعل عند الإنسان بين الاحتداد وربما الموقف المحتقن المتشدد وبين نعومة التعبير بما يعكس تصوراً سوسيولوجيا بعينه. الموقف الذي يتعمد فحص ما تعرضه من شخصيات نسوية، مثل: الأم والجدة والعمة ومواقف كل منهن وطريقة عيشهن وخياراتهن الحياتية مثل عشق صناعة ماء الورد والعطور ومعاني ذلك في تقديم شخصية المرأة وكسرها أشكال الحصار الذكوري عليها.

غير أن خطاب السرد يواصل مَنْحنا بعمق الصورةِ المشهدية معاني مركبة غنية؛ فنلاحظ من طريقة اختيار الغرف وتوزيعها كيف يجري التمييز ولأية غايات، ما يكشف بجزئية منه الاستهداف الحزبي السياسي وربما الأمني وشكل المراقبة لكل ساكنة عراقية وغير عراقية كما حياة التونسية؛ وهي الفتاة الأولى التي توفدها الحكومة بإطار اتفاق ثقافي بين الدولتين…

إن تلك الإشراقة التونسية وطاقتها الحيوية لم تتخلّ عن المقارنة باستمرار ماذا لو أنني لم أكن بالكتاتيب وكنت بالمدرسة الفرنسية؟ وماذا لو أنني ذهبت إلى باريس وليس إلى بغداد؟ غير أن تلك الأسئلة لم تكن بقصد المقارنة بالمطلق إنما هي محملة بخطوط متوازية عديدة.. منها على سبيل المثال أن تمنح استرجاعات أسئلتها ومضات تنويرية عن البنية المجتمعية وعن ظروفها المحيطة بإطار مجمل المجتمع التونسي آنذاك، بالتأكيد بعين الشخصية في كل مرحلة من دون تأثيرات الكاتبة بمرحلة الكتابة.. إنها تريد رسم شخصيتها بمركب الحدث الممتاح من الواقع وبقلم الخيال الأدبي كسراً لوثائقية المذكرات وولوجاً لسردية الرواية. ولهذا السبب كما أسلفت كانت تقرأ استقبال بغداد لها بين قلقها هي شخصية إنسانية لفتاة تتلمس أول خطواتها محملة بدهشة الأسطورة الشهرزادية فيما كانت صفعات الحدث تنبهها على ملامح الواقع الذي حلت فيه…

وهذا ما نكتشفه في اختيارها الدراسي ما بين الفلسفة والأدب مما سيساهم في مواصلتها مهمة بناء الذات باستقلالية تبحث عن إجابات أسئلتها الوجودية بالارتباط بتلك المتصلة بتفاصيل العيش العادي.. ولعل شغفها بأسلوب الفيلسوف مدني صالح أستاذا لها ما يوضح طابع الشخصية وما ستكونه من عطاء عند انتهائها من رحلة الدرس وولوج رحلة العمل…

وبين مراحل ما يُسرد علينا كانت تتنقل بين بغداد الحاضر الذي تستكشفه بحراك إرادي واعٍ والطفولة والحياة التونسية… إنها آلية لتوظيف ثنائية الاتجاه وازدواجه في مهمة الوصول بسفينة الرواية إلى مينائها أو مقصدها الذي طبعا لم يرسُ عند ميناء نشر المذكرات أو السيرة الذاتية على وفق ما أردت من مقصد.. ولهذا فإن حيوية التنقلات كانت عنصراً بنائيا للمسار السردي.

وحتى فصل (ن والقلم…) مازلنا نستكشف معالم الشخصية وقناعاتها بالترابط مع فك طلاسم بيئتها من قبيل التوقف عند مفردات وعبارات: فك عقدة المعرقلة والعانس وفك المربوط … وتقريب القلوب وقليلات الحظ… تلك هي خطوط بنيوية أخرى إذ ليس اتجاه الزمن بين الحاضر والماضي وحده ما يشكل بنية هذه الرواية ولكن تقاطعات العمودي والأفقي في المبثوث من التفاصيل يصنع اتجاهات أخرى كاختلاق كرة بإشعاعات تنبع من المركز. مثال ذلك تفاصيل التقابل اللغوي بين اللهجي والفصيح وبين اللهجات واللغات وكيف تكشف المعاجم طابع العلاقات بين الشعوب والجماعات البشرية..

وإذا كان عنوان الرواية قد منحنا توجيها نحو ألف ليلة وليلة وشهرزاد الأنثى مقابل الذكورية ثقافة أحادية استبدادية فإن الشخصية الجدلية التي تتقمص البطولة في الرواية السيرية لا تقف عند مرجعية بغداد الحاضرة المدنية لمرحلة بعينها، إنها تغوص عميقا في الجذور حيث جلجامش وعشبة الخلود وزاوية إضاءة تخص المرأة تلتقطها لإغناء الشخصية في الرواية أو بالحق إغناء الكشف عن أبعاد تلك الشخصية…

تقول ص71: ” وأنا أتابع في هلع، كيف تتحول المرأة إلى (كائن غيري) لم يعد يعيش لنفسه بل يعيش للآخر: من أجله ومن خلاله… ص72: رأيت المرأة […] لا تعطي جسدها وزمنها وجهدها وطاقتها فحسب بل تهب حلمها ورجاء غدها أيضا إلى غيرها. وفي ص 73 تتابع القول: لم أفهم لماذا لا يمكنني أن أكون بذاتي لا بغيري! ولعلها تريد إقران غربتها المكانية بغربتها الروحية بتصويرها ذاك الانفصام ومنطق وجود المرأة وظروف ولادتها ونموها وسط ذاك التوحش والغابوية الذكورية كما تريد تسليط الضوء على شخصية المرأة حيث يصادرها ويستلبها الرجل الذكوري بفلسفته..

إن حكاية شهرزاد التونسية ببغداد تتبدى عبر حال التبئير كونها حياة أو شهرزاد المقصية من عالم النساء كما كانت مقصية وسط الأطفال؛ ولهذا السبب كان حلمها الخلاص وتخليص بنات جنسها، ربما كما شهرزاد الحكايا، من اختزالهن بآلة الإنجاب….

إذن، ما انمازت به الشخصية الراوية بمنطقة إبداعها وتخيلاتها هي تلك الارتجاعات إلى مرحلة الطفولة في كل لحظة واعية تخطها من أحداث التقطتها في حكايتها. وفي الاعتراف بحجم الانفصام والغربة روحياً ثم عنفوان الاحتجاج والثورة على ما كان يراد لها أن تكونه في قفص أو سجن الزوجية بمنطقه الذكوري التقليدي ويوم أنقذها الدرس والقراءة من القفص خلصها أيضا من الزيف الاجتماعي؛ للتفرغ لبناء شخصيتها وإن تطرفت في بعض مفردات صاغتها بقصد إيصال خطاب ثورتها الأنثوية النسوية على الذكورية البائسة…

تظل شخصية حياة تلح في مساقات السرد على أن البطلة تم استقبالها بغرابة ولابد لتعميق مفهوم البطولة من تلك الفرادة وغرابة وجودها بتمظهرات من قبيل: “ص77: …آني أول مرة أسجل طالبة تونسية…” فالشخصية ترد في حوارها الداخلي كأنني كائن ينزل من كوكب آخر على قسم الفلسفة…

أما حكاية اللهجة فهي حكاية رديفة مرافقة طوال خطى التعبير السردي.. إنها تتحدث عن الفروق اللغوية كأنها أبو هلال العسكري ولربما كان لطابع تكوينها الكتاتيبي ولمشاعرها الوطنية وحال الغربة والانفصام بين عالمين عالم ذاتي يتلمس أولى خطواته وعالم موضوعي ساذج التعبير بكثير من الأحيان يحيط بها، لربما كان له أثره في تلك الشواخص المتبدية.. تقول الشخصية ص 78: “هل ترانا نحن نسكن بلدا أم لغة تسكننا وتحل فينا حيثما حللنا؟”.

ولحظة ولجت الكلية التي عرفت بكونها التأسيس للجامعة وللمنتديات والمؤتمرات الثقافية المعرفية المهمة لم تتخلَّ عن متابعتها ورصدها حركة النسوة.. إنها تتحدث عن صاحبة العباءة التي تضطر لارتدائها حالما تخرج من الكلية وبعد تلك الإيماضة فقط تتحدث عن المكتبة وغيرها من أمور تعريفية بالكلية التي سترتادها..إلا أنها وهي تلتقط صورة لابسات العباءة كانت تعلن ضيقها وبرمها بتلك التقاليد المنافقة من جهة كما أسمتها وقرفها من غرفة الطالبات واختناقها بدخان سجائرهن، طبعا للحديث عن الطالبة العراقية وحجم التضييق عليها ومستوى استجابتها للضغط دفعا لثمن تشتري به تقدمها المعرفي…

والشخصية لا تغفل تسجيل معرفتها بطابع التعددية والتنوع في المجتمع العراقي وتستنطق ظروف ما يسمونه الأقليات وكيف يجري استلابها وقمعها وممارسة الاستبداد بحق تلك المجموعات القومية وأتباع الديانات والمذاهب المختلفة؛ وطبعا هي هنا بالتحديد تتجرأ على منح الشخصيات المحيطة بالشخصية الرئيسة، أي شخصية حياة، فرصة التعبير والتحدث والاعتراف وكشف الأسرار والإعلان عن قضايا إنسانية مختلفة..

لم تنس هنا أن تكشف كيف كان البعث يضطر بعض الأفراد في الانتماءات القومية والدينية المختلفة على تغيير تسجيل الانتماء القومي والديني ص83.. وبما يخص المثقف العراقي ربما كان ضروريا أن تدقق ببعض الأسماء الواردة تصويبا لما جاءت به ذاكرة تفتح صفحات عقود مضت مثل اسم الأستاذ الدكتور نوري القيسي…

ومما يحيلك إلى تلك المرحلة حيث تعيد تشكيلها بصرياً بالكلمة، كيف كانت الاحتفالات الثقافية بتنوعاتها تجري وكأنها تريد بتلك التذكرة إدانة ما يجري اليوم من اغتيال لبغداد الثقافة والمعارف والعلوم والآداب والفنون.. كم تحولت بغداد بين خمسينات وستينات القرن المنصرم لتفور في سبعيناتها بإبداعات بهية وهي محقة، لأن طابع العلمنة والتنوير سيهوي وينزوي مصادَراً مستلبا لتعم الظلمة وتخلف ما يسود ما بعد 2003 بمجيء قوى الطائفية وإجرام ميليشياتها وبلطجتهم كل تنويري مضيء..تلك هي قراءتي المقترحة بالخصوص هنا.

إنَّ حياة تبقى تلك الشخصية بعنفوان تحدياتها وخياراتها لا يلويها عن اتجاهها واشتغالاتها حتى سلطة البعث بمن ترسلهم لكسبها للبعث.. وها هي تستعيد حواراتها وتجربتها الخاصة مع العناصر البعثية وكيف كانت تعبر عن موقفها الصلد للاحتفاظ باستقلاليتها فكريا سياسيا وشخصيا كونها أي حياة، معبرة عن الشخصية النسائية بعامة تلخص همومهن وتطلعاتهن. وبذات الإطار تكشف حالات الفوبيا التي ينثرونها بين الطالبات بشأن التجسس ووسائله البشعة وإرهابها الطالبات وربما الإيقاع بينهن (ص 155)..

هذه الرواية ليست مجرد تجاور لوحات سردية فهي تعج بما يعبر عن ثقافة الشخصية \ المرأة ودورها وتأثيرها ولهذا تجد علوما في اللغة وفي الدرس الصوتي وفي البلاغة وفي الفلسفة وربطها بمشاعر وبتفاصيل اليوم العادي ثم بتاريخ ما بين النهرين القديم والوسيط والمعاصر وبمعلومات تجمع بين استعراض بساطة بعض الشخصيات كما المشرفة في غرفة إقامتها وكما ببعض الطالبات وبين عرض مستوى الجامعة العراقية وانتقاء أعلام من الفلاسفة الأساتذة الذين درّسوها كما مدني صالح لمن يعرف منهجه وفكره ومواقفه السياسية أيضا حيث حصار النظام عليه ووسائل إفلاته من ذاك الحصار بخطابه الفلسفي المتمكن من أدواته لكونه فيلسوفا عميقاً حتى حصل على لقب سقراط بغداد…

في ص115 سيجد القارئ إحصاءات عن حجم ما طاول الأساتذة والعلماء من نكبات ما بعد 2003… لتمر على استقبال بغداد لأدباء وعلماء من بلدان عربية وكيف كانت تحتضن الحياة بقيمها السامية العليا معرفيا..

لكن هذا لم يأت من فراغ فالشخصية حاذقة في فهم الأمور وطبعا في سرد ما تريده بانتقالات تجمع بين ألوان الطبخ وتفاعل الطالبات العربيات والعراقيات وعوائلهن ومعاني تاريخ مثل هذا التفاصيل في انعكاس قيم التمدن التي انكسرت بهولاكو والعصمللية ولكنها التي أشرقت بمنجز علماء العراق وجهودهم …

والراوية تفضح دجل الادعاءات البعثية بمنجزات وما شابه (ص121) وترى في التقدم تعبيرا عن حركة شعب حي بكينونته ولا تقبل منطق زميلها البعثي الذي يحاول تصوير الأمور وكأنها تعود للبعث بل تسخر منه وتتحداه بقوة، مستندة لهوية شخصيتها المستقلة؛ الشخصية التي تربط بين أسرار أعضاء الاتحادات الغامضين، الذين يمثلون اللغز وبين أمور الاستيراد وما شابه من مشروعات بإشارة مقصودة لفضح فساد تلك السلطة وأن هناك عراقيون أكثر انتماء إلى العراق من البعثيين وما يدَّعون (ص128)..

وتبقى شخصية حياة التي تعبر عن النسوة هي ذاتها حياة الإنسانة التي تحب وتعشق وتضجر وتمل وتتحدى وترفض وهي القوية مثلما القلقة بمشاعرها لحظة تجد منافسة لها في حياة من تحبه…

إن قدرة الكاتبة على تقديم حياة الراوية الساردة وبطلة الرواية أيضا بطريقة تجمع بين حيوية وإنسانية وجودها وبين تعبيرها النمطي عن النسوة وهذا هو ما سيمنح الرواية عمراً أطول وفرصا للانتشار أكثر…

وهي ذاتها العلامات التي تحصدها من عرضها لتفاصيل قسم الفلسفة التي عاشت درسها فيه سواء المعرفي أم الإنساني ومن هنا تجد تعلقها بأساتذتها ليس ناجما عن تميز بالتدريس نهجا بقدر ما نجم عن أسباب مركبة أعمق حيث حكايا عميقة الغور بمعانيها ومقاصدها وهي تستعرض لحيوات فلاسفة كما مدني صالح أو زملاء آخرين له… وهنا نكتشف مجددا كيف كان النظام وطابع ممارساته تجاه من لا يخضع له عبر حكلية الفيلسوف صالح الذي عشق مدينته هيت ولكنه رفض تسميته الهيتي.. فكم كان إنسانا عالمي الانتماء عميق القيم بما ينثر أريجه..

السرد لا يخلو من ألاعيب فنية جمالية مثل استخدام العناوين كما في ليلة اختفاء صباح إحدى شخصيات الرواية السيرة وما خلفها من معالم وبصورة أكبر وأشمل كما في الطابع الدرامي بعدد من الفصول وما احتوته من تبئيرات ذات طابع يقبل المسرحة وهو يسير بالعمل بنقلات مسرحية الأداء تعميقا وإغناء للرواية ومنعا للرتابة وكسرا للملل… ولربما وجدنا النكهة العراقية في النص بسبب علاقة حميمة بين الكاتبة ومادتها زمكانيا أو مع فضاء الحدث الروائي ذي الطابع الدرامي بعدد من تفاصيله..

ومما تحفل به الرواية تلك الذاكرة الحية للشخصيات فشخصية المجلة والمؤسسة والجريدة وغيرهما وشخصية الأستاذ الجامعي والكاتب والروائي ومدير التحرير ورئيسه وبعضها رحلت عن عالمنا إلا أنها مازالت حية بما منحتنا من قيم كما يرد لا في السرد مجردا بل في وثيقة شاهدة على عصرها بغنى ما فيها من استعراضات بما هو إيجابي أو سلبي..

إن ورود تلك الشخصيات لا يأتي عارضا أو استكماليا عابرا بل يرد بنيويا بنسيج العمل اختارت من ذاكرتها وشهادتها من يتسق وتعاقب تفاصيل الحدث ومراحله بطريقة مشوقة سهلة غير معقدة ولا تقف بوجهها عثرات هنا أو هناك.. ومثل هذا نشهده حتى بتلك الإدخالات لشخصيات بمنطقة قريبة من نهاية رحلة السرد وما رافقها من توثيق… مثلما في فصل عراق الحب والحرب وهي إيماضة ذكية تعبر عن التحولات التي جرت في ضوء طابع النظام ومن يوجهه قسريا عنفيا حيث ستتعارض الحرب والإنسان العراقي وقيم الحب والحياة عنده؛ لاحظ كيف تكشف عن القيم السلوكية من مؤازرة ورعاية وحماية وإنسانية بأحلك الظروف، فهي لا تورد الحالات البسيطة وفطريتها وربما سذاجة الشخصية لإهانة أو لتصوير المجتمع مريضا متخلفاً وإلا لما وجدنا صورة معمقة بهية للعلم والعلماء وللمواقف المشرفة ولمعاني الحب لبغداد بأهلها …

أبارك للكاتبة الأستاذة حياة الرايس منجزها المميز البهي وأثق بأنها بهذا ستغني المكتبة العربية بولادات أخرى أكثر تميزا وإشراقا… وأغبط القارئ العزيز أنه يتلقى هدية غنية ثرة وزادا روحيا مهما؛ كما أرى في العمل تقديما لبغداد المنتفضة على الظلم والظلام وعلى هيمنة وحوش الطائفية وبلطجية ميليشياتها وعلى الثقافة الذكورية البائسة وهي أيضا قيمة أدبية جمالية تحسب لتونس مثلما تسعد وتسر بغداد بها منجزا يدور في ثورة المرأة وبناء شخصيتها قوية لا تحتاج الكوتا للمساواة لأنها هي بمنجزها تتقدم للتعريف والإعراب عن وجودها..

لا تعليقات

اترك رد