حين تفعل الثقافة فعلها


 

لم تكن مدينة أصيلة ، ذات الطراز الأندلسي قبل أربعة عقود من الزمان وبالتحديد في العام 1978، سوى إحدى “مدن” المغرب الساحلية المحدودة السكان والمساحة التي تستلقي بطريقة أقرب إلى العزلة على شواطئ المحيط الأطلسي، لكنها بفعل عمل مثابر وإصرار أكيد وإرادة واعية وعقل مستنير أخذت تزهر مثل شجرة اللوز حين يلامسها هواء منعش ، لدرجة أن أصيلة تنتظر موسمها الثقافي بفرح غامر مثلما تنتظر الأرض العطشى المطر في موسم الصيف، فتزهو به المدينة الممتزجة بألوان البحر والشمس الذهبية حيث تكون مستعدة لاستقبال زوارها من مغرب الوطن العربي الكبير ومشرقه ومن ضفتي المتوسط والمحيط الأطلسي وعلى امتداد أوروبا والعالم كلّه، وكأنها تدعو الجميع إلى وليمة شهيّة للفكر والفن والأدب والثقافة بكل أجناسها.

وبالتدرّج والتراكم اندغم الموسم الثقافي للمدينة المفتوحة ليتفاعل مع برنامج التنمية لها ولعموم البلاد، حيث تم تأسيس بنية تحتية وإنشاء مرافق عمرانية تكون قادرة على استيعاب هذا التطوّر، لترتدي المدينة حلّتها الموسمية بما فيها من رمزية ثقافية ومدنية وكأنها معرض مفتوح في الهواء الطلق يزورها عشرات الآلاف من المثقفين والسيّاح كل عام.

هكذا تحوّلت “المدينة” التي عُرفت قديماً باسم ” أزيلا” أو أرزيلا” أو “أصيلا” لتستقر على اسم ” أصيلة” إلى صرح حضاري جاذب وواعد. وكانت قد تأسست قبل ما يزيد عن ألفي عام من الزمان وشهدت ألواناً مختلفة من الهجرات والسلالات والأديان، حيث استعادت مجدها التاريخي والاستراتيجي والتجاري مجددة ذلك بموسمها الثقافي، بفضل أحد أبرز رموز الثقافة والدبلوماسية والإدارة الذي كان لإصراره الدور الأكبر في أن تنتقل أصيلة من “قرية” معزولة وربما منسيّة إلى حاضرة مدنية يُشار إليها بالبنان.

حين عاد محمد بن عيسى إلى المغرب بعد انتهاء عمله في الولايات المتحدة قرّر أن يخدم مدينته ومسقط رأسه، ففكّر بإنعاش العمران بالثقافة والثقافة بالعمران، وهكذا انعقد رباط وثيق بين الاثنين، فكلّما كانت المدينة تتطوّر عمرانياً، كانت مكانتها الثقافية والحضارية تزداد أهمية حتى غدت أحد معالم المغرب المهمة وهي ملتقى سنوي للحوار وتبادل الرأي والاستئناس بوجهات النظر لنشر ثقافة السلام واللّاعنف وبحث وتحليل قضايا التعصّب والتطرّف والغلو والإرهاب، وفي الوقت نفسه التفكير في البدائل: التسامح والإقرار بالتنوّع والتعددية والاعتراف بالآخر وحقه بالاختلاف، وإحياء قيم العدل والجمال والخير، عبر التواصل والتفاعل والاجتماع الإنساني، لاسيّما بالفن والأدب والفكر والثقافة بكل فروعها وأغصانها، وتلك هي رسالة أصيلة “الأصيلة”.

حين تتوغّل في “المدينة” وأنت قادم من مدينة طنجة التي لا تبعد عن أصيلة أكثر من 40 كيلومتراً يواجهك البحر بزرقته المميّزة وكأن لون الفيروز انطبع عليه أو أنه انطبع على الفيروز ليأخذ لونه، وكما يقول الشاعر الجواهري في غزله ببراغ :

” أعلى الحسن ازدهاءً وقعت/ أم عليها الحسن زهواً وقعا؟”

ولعلّ أول ما يلفت انتباهك أن منازل المدينة متّشحة بالبياض وملفّحة بالزرقة هي أيضاً، وذلك في إطار تناسق جميل ، يضاف إليه جداريتها المزيّنة برسوم فنانين تشكيليين من مدارس وأجيال مختلفة، وحين تسير في دروبها الضيقة وفي الأحياء القديمة تشاهد الأسوار العالية المحاطة بها، وفي كل ذلك ثمة أمر يدعوك للتأمل وهو نظافة المدينة والهواء العذب حتى في أيام الصيف الحارة ، علماً بأن مناخها معتدل ومطير باستثناء فصل الصيف حيث يكون جافاً نسبياً. أما البيئة فغدت مصدر اهتمام المسؤولين والناس على حدّ سواء، حيث تتميّز البيوت والأزقة بواجهات جميلة مغروسة بالنباتات والورود، وتحرص بلدية “المدينة ” ومهندس فكرة موسم أصيلة الثقافي رئيسها، على أن ترتدي ثوبها الأخضر.

وقد خلّدت المدينة أسماء زوارها ومريديها من كبار المثقفين ومنهم الشاعر العراقي بلند الحيدري والروائي السوداني الطيب صالح وتشكايا أوتامسي الشاعر الكونغولي والشاعر الفلسطيني محمود درويش والمفكر المغربي محمد عابد الجابري والشاعر المغربي وابن أصيلة أحمد عبد السلام البقالي والشاعر والأديب المغربي محمد عزيز لحبابي وغيرهم.

منذ أربعة عقود من الزمان بدأت مكانة أصيلة تزداد أهمية بالترافق مع مهرجانها أو موسمها الثقافي المفتوح، حيث يحجّ إليها سنوياً عشرات من المثقفين الكبار ويحرص مئات من الفنانين والأدباء الشباب على زيارتها. وفي هذا العام يطفئ موسم أصيلة السنوي 40 شمعة من عمره وهو عمر النضج، حيث يعتبر أحد أكثر وأهم المهرجانات الثقافية المعمّرة إذا أخذنا بنظر الاعتبار “مهرجان المربد” (العراق) و”مهرجان الجنادرية” (المملكة العربية السعودية)، و”مهرجان البابطين” (الكويت) وهو مثل كل عام مناسبة حيوية تنبض بالحياة، وخصوصاً في دينامكيتها الثقافية أدباً وموسيقى وغناءً وفنوناً: رسماً ونحتاً ومسرحاً في أجواء مشبعة بالحرّية وثقافة السلام والتنوّع والتعددّية.

لا تعليقات

اترك رد