هل تترك أمريكا روسيا تختطف سوريا؟


 

ليس لدى روسيا أي ساحة تشتبك فيها مع الغرب سوى الساحة السورية، حيث تريد روسيا أن تحتفظ بنفسها كرقم صعب في النظام الدولي، وهو ما يجعلها توفر للنظام السوري الملاذ الآمن والملاذ الآمن للهروب من المفاوضات حتى تحصل على ما تريده من الغرب، حيث هناك أكثر من ستة ملفات من توسع الناتو، والصواريخ، والنفط والغاز، وغيرها من ملفات، لذلك يبقى الصراع على الأرض السورية بعيدا عن الأهداف السورية، وأصبحت الأرض السورية احتكاك وصراع داخل الأراضي السورية، من أجل ترويض الدب الروسي.

لكن روسيا بعد الضربة الأمريكية والبريطانية والفرنسية رفضت أفكارا غربية للتسوية واقترحت خطة من ست نقاط لتعويم الأسد، وهي تستخدم التكتيك الناعم لاستعادة الأمجاد بعدما عززت قوتها بعد استراحة طيلة عقدين، فرضت روسيا عودتها دوليا بالحرب الناجحة التي خاضتها مع جمهورية جورجيا عام 2008، استفادت روسيا في سوريا من الدرس الأمريكي في العراق فهي لا تتدخل بعمق ولا تنسحب بسرعة، لذلك هي بحاجة إلى الدورين الإيراني والتركي وهو ما يزعج إسرائيل والعرب في آن واحد.

لم يستوعب العرب الذين اجتمعوا في قمة الظهران 29 استشعار مخاطر المرحلة بوجود توجه نحو تقسيم مناطق النفوذ بين الدول الكبرى نوعا من إحياء سايكس بيكو جديدة دون روسيا، لأن الضربة الثلاثية في سوريا تهدف إلى عدم ترك انفراد روسيا وإيران بسوريا، وعلى العرب أن يستشعروا الخطر وأن يبنوا عليه توحيد مواقفها التي تحفظ الأمن القومي العربي وتصونه من الاستهداف وعليهم ألا يجعلوها أمنية.

السعودية لا تخشى التغيير بل تتبناه، وهي مصممة على تحويل المجتمع إلى مجتمع قائم على المعرفة التي تعزز التغييرات الاقتصادية والاجتماعية بعيدة المدى، وسياستها الخارجية أكثر نشاطا وجزما من السياسات السعودية التقليدية السابقة التي ركزت على الاحتواء التي سمحت بتوسع النفوذ الإيراني والتردد التركي في المنطقة، بل النشاط السعودي الجديد استعاد دوره بالتنسيق مع دولة مصر بتحدي السياسات المتشددة أو سياسات ما يسمى بتيارات الإسلام السياسي، واستطاعت السعودية تسمية القمة العربية بقمة القدس حتى لا يلعب أعداء السعودية على تحوير تصريح الأمير محمد بن سلمان ولي العهد حول أحقية اليهود في العيش بسلام، لكنهم لم يستوعبوا أن هدف الأمير

محمد بن سلمان لم يخرج عن تطبيق المبادرة السعودية حول انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام 1967 واعتبار القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطين، أي أن الدور السعودي لم يتغير حول المبادرة السعودية التي رعاها الملك عبد الله في بيروت عندما كان وليا للعهد.

حاولت روسيا بأن تحظى بالعضوية الكاملة في نادي الغرب، لدرجة أن بعض الوثائق تشير إلى أن بوتين طالب في إحدى المرات بدعوته إلى ضم روسيا إلى حلف الناتو، ولم يتردد سنة 2010 في تقديم الدعم والمساندة لأمريكا في غزوها لأفغانستان.

لكن سياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها واشنطن تجاه موسكو، فرضت على الكرملين مراجعة أوراقها، بل وإعادة ترتيبها، وفق ما يخدم الأجندة الروسية، مع الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات الجيوستراتيجية، بعدما أدركت أن الغرب لا يعيرها أي اهتمام، بل تجاهلتها حتى عقب التخلي عن معاهدة 1972 المشتركة للحد من الأسلحة الاستراتيجية.

بل تم تجاهل روسيا عند الشروع في غزو العراق، ولم يتوقف الغرب عند هذا الحد بل قبل انضمام جيران روسيا المحاذية لبحر البلطيق المجاورة لروسيا إلى حلف الناتو، ثم تقديم الدعم المباشر وغير المباشر للثورات الملونة التي شهدتها بلدان جورجيا، أوكرانيا التي تحسب تاريخيا داخل النفوذ الاستراتيجي الروسي، وهي القشة التي قصمت ظهر البعير في علاقة روسيا بالغرب حيث اعتبرت روسيا هذا الدعم للثورات الملونة بمنزلة طعنة في قلب روسيا بغطاءات الديمقراطية وحقوق الإنسان تعتبرها روسيا غطاءات جوفاء وفضفاضة.

إبان تفكك الاتحاد السوفيتي بثلاث سنوات بعد عام 1991 الأزمة أفقرت ملايين الروس وحولت ثلة من رجال الأعمال إلى برجوازية مزجت بين الاقتصاد والسياسة قصد التحكم في روسيا وهو ما تعانيه عدد من الدول العربية مثل العراق وهو ما تواجهه السعودية بشدة لوقف البرجوازية التي سادت في الفترة الماضية التي مزجت بين الاقتصاد والسياسة، وأصبحت تتحكم بمفاصل الدولة مما تهدد بيئة الاستثمار وتتجه نحو الهروب.

في وقت انحصر اهتمام الغرب بسحق المعسكر الشيوعي والترويج لنهاية التاريخ وإعلان الرأسمالية المذهب الأوحد للمستقبل دون غيره، وتوسيع حلف الناتو نحو عتبات موسكو للانقضاض على ما تبقى من تركة الاتحاد السوفيتي وهو مشهد أقرب

ما يكون العودة إلى عصر الإمبراطوريات الكبرى، وهو ما جعل روسيا تحاول استعادة مكانتها تدريجيا كدولة عظمى لكن السؤال هل يسمح الغرب بعودة روسيا دولة عظمى مرة أخرى؟.

لذلك استخدمت ورقة الكيماوي في سوريا بأن أميركا تنوي فرض عقوبات جديدة على روسيا لضلوعها في الكيماوي، خصوصا وأن روسيا قدمت ضمانات لفك البرنامج الكيميائي السوري، حين تعهدت الحكومة السورية من خلال عدد من الاتفاقيات الدولية بتدمير أسلحتها الكيماوية في 2014 ولكن في عام 2017 فضح تقرير لرويترز استمرار البرنامج الكيماوي السوري مؤكدا على احتفاظ النظام بأكثر من 2000 قنبلة كيماوية، كان ينبغي تحويلها إلى أسلحة تقليدية بناء على بنود المعاهدات.

رغم أن هذه الضربات العسكرية كانت فقط إظهار أن هناك خطا أحمر يجب عدم تجاوزه، لكن الاتحاد الأوربي يرى أنه لا حل عسكريا في سوريا، وأعرب وزراء خارجية الاتحاد الأوربي في 16/4/2018 إلى إحياء العلمية السياسية لإنهاء النزاع في سوريا، ولم تمثل الضربات العسكرية إجماع في داخل الاتحاد الأوربي، بل يرى وزير خارجية ألمانيا أنه يستحيل حل النزاع في سوريا من دون روسيا، وأن الأولوية تجنب تصعيد عسكري في المنطقة، وأن الصراع في سوريا بحاجة إلى حل يتم التوصل إليه عبر التفاوض، وتشارك فيه كل القوى في المنطقة، مضيفا وزير الخارجية الألماني بأنه لا يتخيل أن يكون شخص استخدم أسلحة كيماوية ضد شعبه جزءا من هذه العملية، وتحاول ألمانيا وواشنطن أن تقنع روسيا بالتخلي عن الأسد خصوصا وأن التحالف بقيادة أميركية هو كان لردع روسيا وانتزاع تنازل كبير من روسيا، وفي المقابل قبول الغرب بالتواجد الروسي في القاعدتين الروسيتين في سوريا في طرطوس واللاذقية، وتقديم دعما ماليا ولعب روسيا الدور الأبرز.

تباين الحكومات الأوربية من الضربات ضد النظام السوري خشية رد فعل الرئيس الروسي بوتين الذي يدعم نظيره السوري بشار الأسد خصوصا وأن بوتين حذر من تداعيات غير متوقعة.

استخدمت أميركا الورقة الكردية للضغط على تركيا لوقف تحالفها مع روسيا فهدفت الخطة الأميركية إلى الاستيلاء على محافظة الحسكة بكاملها ودير الزور والرقة ومد الشريط الكردي من القامشلي إلى عفرين ما يعني قيام دولة جديدة باسم سوريا الديمقراطية يهيمن عليها الأكراد، وهي تستثمر النزعة الانفصالية الموجودة لدى

الأكراد منذ اندلاع الأزمة في سوريا وحتى زيارة ثامر السبهان للرقة بعد تحريرها في 18/1 /2017 هي أيضا كنت اورقة ضغط على تركيا في التخلي عن دعم الإخوان ودعم قطر.

لكن هل حان الوقت لدايتون سوري في ظل استمرار روسيا في تسجيل نقاط على حساب العالم الغربي في سوريا، وفي نفس الوقت تردد أميركي مزري، وساد وهم كبير بشأن أن الروس كانوا في موقف يسمح لهم بقيادة الحوار السوري- السوري على مسار الحل النهائي الذي يتفق مع السلام الروسي المنشود، وتأييد هذا الوهم بنتائج استانة مع مساعدة تركيا وإيران.

لكن مؤخرا بعد الضربات الأمريكية البريطانية الفرنسية ضد النظام تبخر هذا الوهم، وحان الوقت لصياغة نهج بديل يتسق مع مصالح القوى الإقليمية والدولية، لكنه لا يزال حتى الآن غير صالح للتنفيذ بسبب تقسيم سوريا إلى مناطق نفوذ متعددة، لكن التقارب بين روسيا وأمريكا عند مرحلة من المراحل يمكن أن يسفر عن عقد مؤتمر على غرار دايتون بشأن سوريا، وكان اتفاق دايتون قد وضع حد النهاية في عام 1995 للحروب المندلعة في الاتحاد اليوغسلافي السابق تحضيرا لاجتماع جنيف1.

لا تعليقات

اترك رد