جزيرة الذهب


 

يتعالى بكاء رضيعة بنت الجيران، يتحول إلى صراخ، أصوات وضجيج وفوضى تأتي من حركة نزول وصعود مرتبك على السلالم، عادة تنشط الحركة مثل هذه الساعة مع عودة الأطفال من المدارس أي عند الرابعة والنصف مساء، حركة اليوم تبدو أكثر نشاطاً، يرتفع وتيرها بشكلٍ متسارعِ، يجلس على كنبة قديمة وذهب في غفوة قادته إلى حلم لم يفهمه حيث وجد نفسه يركض وراء عشيقته في غابة جرداء وعندما يتمكن من اللحاق بها تدفعه بقوة ليجد نفسه في عمق بئر مظلم.
تخلص من هذا الكابوس بنهوضه، يتجه إلى المطبخ لتحضير قهوة لعلها تساعده في التخلص من بعض الصداع، نومة العصرية لا خير فيها كما يقولون ” نوم العصر جنون”، يفتح نافذة المطبخ، ثمة أشياء غير عادية تحدث، يتطلع لمشاهدة ما يحدث، أصوات سيارات إسعاف وسيارات شرطة يمكن سماعها بوضوح لعلها ستتجه إلى هنا.
هنا حي شبه شعبي، يسمونه الجزيرة أو جزيرة الذهب كون الحي المكون من تسع عمارات يشبه الجزيرة وتفصله أشياء عن بقية الأحياء، من الشرق المقبرة القديمة، من الغرب حديقة مهجورة ومهملة، سبق أن وعدت البلدية بتطويرها ولكن تكثر حولها الخرافات، لا أحد يفهم سبب تعثر أكثر من مشروع لتطويرها، من الشمال مشروع وحدات سكنية ومركز تجاري وأخر رياضي لكن المشروع تعثر أيضا منذ سنوات ولا توجد معلومات منطقية عن أسباب هذا التعطل، من الجنوب ساحة كبيرة مخصصة للعب أطفال الحي يخترقها الطريق الذي يقود إلى محطة توقف الحافلات أي هو المنفذ والشريان الوحيد للدخول والخروج.

لحسن حظه شرفة مسكنه المتواضع بالطابق الرابع والأخير يطل على الجنوب، يعجبه تناول الشاي أو القهوة بالشرفة، يُسرع بأخذ فنجانه متجهاً إلى الشرفة لعله يتمكن من مشاهدة الأحداث حية، هنا تحدث بعض العراكات أو المشاكل الأسرية ونادراً ما تأتي الشرطة لحلها، منذ ثلاث سنوات حصل على هذا المسكن ولا تربطه علاقات قوية مع سكان الحي فهو يظل في نظرهم الغريب وهم لا يحبون الغرباء، لديه صديقة تأتي لزيارته وتقضي معه بعض الليالي وعطلات نهاية الأسبوع، لم تشعر بالأطمئنان لهذا الحي وتتوهم أنه ربما يخونها مع بعض فتيات ونساء الحي حيث ترتفع نسبة المطلقات والأمهات العازبات، هو فكر بترك الحي وتقديم طلب سكن بمكان أخر لكنه لم يرسل الملف منذ أكثر من سنة مايزال يقبع في درج مكتبه.
لا يصدق هذه الحكايات عن الحي ولا يأبه بها عكس رفيقته التي تخاف العودة ليلاً فيضطر لإنتظارها عند محطة توقف الحافلة ثم يصطحبها للبيت، لعل خوفها مما يقال عن هذه الجزيرة جعلها تحتفظ بمسكنها الخاص بحي بعيد وتأتي لقضاء بعض الليالي عنده، ذات مرة قالت له
ــ لسنا كبقية الناس..لا أفهم وضعي معك، بيننا معاشرة جنسية ولكن عليك ترك هذا المكان لننعم بحياة هادئة وطبيعية.
كان يرد عليها دائما
ــ تعلمين عشقي لك ولا أفهم مشكلتك مع هذا المكان، هو كغيره وكذلك رخيص يتناسب مع دخلي، دعيك من الخرافات.
في الليالي التي تنام معه تظل ملتصقة به طيلة الليل.. عندما ينهض ولو للحظات ويغادر السرير تنهض مفزوعة وخائفة، يسارع ليحتضنها بلطفٍ وتهدئتها وينتهي المشهد بممارسة الجنس، لياليه معها مفعمة باللذة؛ قد يصل بهم الحال للمارسة ثلاث مرات.
سألته ذات مرة إن كان لهذا المكان علاقة بقوة الباءة الجنسية، هي أيضا تُحسّ بالرغبة غير العادية للجنس كلما وصلت هنا، لم يستطع الرد ولا يملك تفسيراً لهذا، هو ليس من الأشخاص الذين يستخدمون المراهيم والوصفات لم يشعر معها بحاجته لوصفات أو عقاقير، معها المعاشرة قد تطول ولعدة مرات..لا يجد نفسه مرهقاً، كذلك هي رغم كراهيتها للحي وأهله إلا إنها تجد نفسها منقادة إلى هنا، حالما تصل وتدخل تتناسى معالم الحي وما يقال عنه، تقودها اللذة، لا تبالي بما يقال خلف ظهرها من بعض صديقاتها عن علاقتها هذه مع شخص غريب قد يترك هذا البلد بعد نهاية دراسته، قررت أن تترك كل الأسئلة وتستمتع بكل لحظة معه، هو أيضاً يجد نفسة يتعلم تقنيات جنسية ويكتسب خبرات جديدة معها.

يشعل سيجارته، ينفث الدخان إلى الأسفل، يوزع نظرات مرتبكة من شرفته، تصل أول عربة إسعاف تليها عربة إطفاء، لا يوجد حريق بالمنطقة، بالساحة مجموعة متجمهرة، ظنها عركة أو ربما مظاهرة أو تجمع حول مهرج، خلال هذه اللحظات يتعالى الصراخ، في العمارة المجاورة التي تتألف من عشرة طوابق، في الطابق الأخير!
هنالك شجار بين شاب وفتاة …فجأة يسقط الشاب، تصرخ صديقته، يُسرع بعض المسعفين نحو الجثة، ثم في العمارة المقابلة لها ثمة شجارات قوية، ثم سقوط أخر لفتاة، يتدفق مجموعة من الشباب والشابات، يحرقون سيارة الشرطة، تعم الفوضى، تصل عشرات من عربات الإطفاء والنجدة والإسعاف، يبدو أن هناك فرقة مكافحة الشغب، قنابل مسيلة للدموع يُغطي دخانها ويكاد يحجب الرؤية.
هنا يظهر جاره من الشرفة المجاورة، يحمل بيدة قنينة جعه، يحيه قائلاً
ـ يبدو أن الخرافات حول الحي حقيقية، ما معنى تسمية الحديقة المجاورة بحديقة الساحرات والمقبرة مقبرة المهرجين..(يصمت للحظات) أتعرف ما يحدث الآن؟
يتابع الرجل حديثه
ـ عراك يصل إلى حد القتل بين الأزواج وزوجاتهم أو الرجال مع رفيقاتهم، حالات طعن ورمي من الشرفات..يقول التلفاز المحلي أن الحالات وصلت إلى حد يصعب حصرها، هناك من يقول لعنة ما تحل بنا..كنا نظن أننا سعداء نمتلك قوة الباءة ونمارس الحب مع رفياقتنا لنسعدهن..فجأة هانحن نعيش همجية وحشية يصعب تفسيرها.
يأخذ جرعة من قننة، يظل هو مستمعاً، يواصل الجار تحليلاته.
ـ أظن أنه فيروس، هم يظنون أيضا..ربما فيروس زومبي..لا أدري..أنا لي رفيقات وعدة شريكات بالجنس وأخاف أن أجد نفسي ثوراً مذبوحاً تنهشه الخناجر( يضحك، ينظر إلى جسده) ههههه سأغلق بابي ولن أفتح لواحدة حتى تنجلي الغمة.
هنا يُسمع صوت طلقات نارية، بينما الجار المتحدث يتراجع إلى الوراء، فجأة رصاصة لم ينتبه لمصدرها تبعثر رأسه.
يتراجع الغريب، يغلق باب الشرفة، هنا يرن هاتفه المحمول، يُسرع للرد يسمع صوت عشيقته.
رغم الضجيج الصاخب يستطيع سماع صوتها ولا تترك له مجالاً للرد
ـ حبيبي أعلم أنك في البيت..لا تخرج لقد فرضوا طوقاً أمنياً ويمنعون الدخول أو الخروج لكنني تمكنت من دخول الحي ولا أعرف كم من الوقت أحتاجه للوصول إليك..
هنا ينقطع الخط، هي قادمة ونبرة كلامها مختلف أم أنه خائف ومتوتر، يتعالى الضجيج، يخترق الجدران والأبواب، يصعب وصف هذا المناخ.. كأنه يعيش ساعة القيامة، هنا يسارع ودون تفكير ليغلق النوافذ وباب السكن، يضع قطع الأثاث ليسد مدخل الباب، يجلس على حصيرة مهترئة، يسمع صوت جرس الباب، يسد أذنيه، يعصب بشال على عينيه، يسند ظهره إلى الجدار، يظل يسمع صراخ الطفلة الرضيعة ويميزه رغم هذا الصخب.

المقال السابقالراتب والاسعار…!!
المقال التالىضروريات الانفعال في العملية الفنية
حميد عقبي سينمائي وكاتب يمني مقيم في فرنسا، اخرج خمسة أفلام سينمائية، منها ثلاثة أفلام قصيرة وهي معالجات سينمائية لقصائد شعرية "محاولة الكتابة بدم المقالح"12 دقيقة 1997 ــ بغداد، فيلم 'ستيل لايف"2005 ــ 20 دقيقة فرنسا، فيلم الرتاج المبهور" 2006 فرنسا 32 دقيقة. نشر 21 كتابا إليكترونيا منها 4 مسرحيات،....
المزيد عن الكاتب

لا تعليقات

اترك رد