الناس والكتابة


 

الكتابة هي وسيلة للتعبير عن النفس وآلامها ، وقضاياها المختلفة ، بطريقة الحروف والكلمات ، بالإضافة الى طريقة ثانية للتعبير عما يريده الإنسان ويوجعه ، ويفرحه وهي الطريقة الشفهية ، بان نعبر عن أنفسنا بواسطة الكلام ، ولكن هل الإنسان مخلوق منفرد ، يهمه أن يعبر عن نفسه فقط ؟ دون الاهتمام ببني جنسه من البشر ؟ او انه لايبالي بما يحدث للبشرية من هموم ، قلا يتضامن معها ، ولا يعبر عن تأييد إخوته بالكلام المفيد المعبر ؟ الإنسان مخلوق اجتماعي ، لايحيا بمفرده ، وإنما يجد في نفسه حاجة كبيرة الى التوافق مع الآخرين ، والعيش معهم في مجموعات متجانسة يشد بعضها بعضا ،ويقف معه في الأفراح على قلتها وفي الملمات على كثرتها

هل يهتم الشخص منا ، بما يعبر عن همومه هو ، دون الاهتمام بهموم الآخرين وأوجاعهم ؟ هل تستقيم الحياة ان وجدنا أنفسنا نكتب مقتصرين على التعبير عن أنفسنا فقط ؟ لماذا نكتب اذن ؟ أليس رغبة في العثور على من يفهمنا ، ويقف بجانبنا ان لم يكن بالفعل ، فعن طريق اللسان ، وهو احد أنواع التضامن ، فالكتابة عن هموم البشر وعن قضاياهم المختلفة ، هو احد نوعي المواجهة لشرور العالم ، والتصدي لها، ووصفها من طرق التخفيف عنها ، فالكاتب لايقتصر على الكتابة عن همومه الذاتية ، ويكتفي ان يعيش في برج عاج ، وكأنه يقول للناس جميعا : ابتعدوا عني ، ميزة الكاتب الحي ان يعيش مع الملايين مهتما بأوجاعهم ، مناضلا عن قضاياهم المختلفة ، مدافعا عن حقوقهم التي هي حقوقه كإنسان في هذه الكتلة المتجانسة من البشر والمختلفة مع بعضها البعض في وقت واحد.

كيف يمكن للكاتب ان يقتصر على ذاتيته ، وان يترك المواضيع الأخرى على رحبها وكثرتها ؟ هل يسكت قلمه ان تعرض وطنه الى العدوان ؟ هل يصاب بالخرس إن رأى أحدا ، يعتدي على حقوق الآخرين ويسلبها منهم ، هل يكتفي بالتفرج ان وجد إن إخوته قد تعرضوا للإبادة مثلا؟ هل يكسر قلمه ان كثرت من حوله المظالم وعاش رغم ذلك سعيدا ؟ كيف يمكن للكاتب ان يدع قلمه ساكتا والشرور تتفاقم من حوله باستمرار ، أليس من واجبه ان يعري الظالمين ، وان يبرز أنواع الاستبداد كي يحاربها بالقلم ؟ ان كان غنيا ساكنا في أجمل القصور ، هل يكتفي بغناه ؟ الا يفضح المستغلين السارقين عرق البشر وتعبهم ، ليزدادوا ثروة ، ان تمتع بالصحة ، أليس من واجبه ان يكشف أنواع المرض التي يئن من آلامها الآلاف من أخوته الأعزاء ، ولا يجدون لها دواء ؟ ان كان سعيدا بالحب ، هل تكفيه هذه السعادة ؟ أليس من واجبه ان ينقب عن أسباب تعاسة البشر ، وان الآلاف منهم لم يتذوقوا طعم الحب على أنواعه الأبوي والامومي والأخوي او ذلك الآتي من علاقات الصداقة والفهم المشترك ، ان كان مجتهدا في عمله محبوبا من رؤسائه ،هل ينظر الى نفسه فقط ، متجاهلا آلاف الناس ممن تخرجوا من خيرة الجامعات ولم يجدوا عملا ، فظلوا يجوبون الشوارع بحثا عن فتات تقيهم ألم الجوع ، ان متعه الله بشريك حياة مخلص في السر والعلن ، هل يتفرج على قصص في الخيانة ،تجري على مسرح الحياة ، ويتمتع أبطالها بتقديرنا وحبنا رغم أننا نكرر آلاف المرات أننا لانحب الخيانة ؟ ان كان الكاتب قد كفاه الله الحاجة ، وجعل كتبه تطبع وتوزع في أنحاء العالم ، هل تفرحه نجاحاته ؟أليس من واجبه ان ينظر الى المبدعين في أنحاء الوطن العربي ، يعانون من ضيق اليد ، فتتكدس إبداعاتهم دون ان يجرؤ احدهم على التفكير في طباعتها ؟

دعكم من الكتابة عن همومكم الشخصية أيها السادة ، وانزلوا الى هذا العالم المتناقض ، واعلموا ان الملايين من الناس يعانون من أدواء شتى ، فقدان الحواس الخمس أهونها ، وعيشوا الحياة الواسعة ، بكل ما فيها من أفراح وأتراح ، واعلموا انكم جزء من هذه الحياة التي لاتستقيم الا بالناس

لا تعليقات

اترك رد